حوار: شيماء أحمد
في عالم الموضة المليء بالتحديات والتجديد، يلمع اسم المصمم اللبناني فضل جابر كواحد من أبرز الأصوات الإبداعية التي انطلقت من الجنوب اللبناني لتصل إلى العالمية، استطاع أن يحوّل شغفه منذ الطفولة إلى علامة فارقة في تصميم الأزياء، حيث جمع بين الإبداع الفني والرسائل الإنسانية في كل مجموعة يقدمها، تميز بأسلوبه المختلف في استخدام الألوان الجريئة والاعتماد على التفاصيل اليدوية التي تعكس أصالة وخصوصية الشرق، ورغم كل الصعوبات التي واجهها في مشواره، إلا أنه استطاع أن يثبت نفسه كـ “سفير الحجاب”، وأن يحفر اسمه في سجادة مهرجان كان السينمائي، ليصبح نموذجًا للشاب الطموح الذي يؤمن بأن النجاح يبدأ من الحلم والإصرار.
في هذا الحوار، يكشف لنا فضل جابر عن بداياته، علاقته الوثيقة بوالدته، سر ألقابه، وأبرز محطاته نحو العالمية.
كيف بدأ شغفك بعالم الأزياء وكيف تطور الأمر؟
منذ طفولتي، كنت مثل العديد من الأولاد، أتمتع بموهبة فنية، أنا وأشقائي ورثنا هذه الموهبة من والدنا، وكنا نحب حضور المعارض الفنية مثل معرض فابريانو وغيرها، بشكل عام، كنت دائمًا أميل إلى رسم التصاميم والفساتين، كان أصدقائي يتجمعون من حولي، وأقوم برسم الفساتين لهم وأعدهم بتصميمها عندما أكبر، بدأت في تنمية هذه الموهبة منذ ذلك الحين.

كيف تطور هذا الشغف؟
مع مرور السنوات، بدأت في تسجيل دراستي في تصميم الأزياء في الجامعة، كما كنت أبحث على الإنترنت في مواقع الموضة والمواقع المتخصصة بهذا المجال، هذا ساعدني كثيرًا في تطوير معرفتي وفهمي لهذا العالم الرائع.
هل كانت هناك دراسات أو هوايات مرتبطة بالموضة في طفولتك؟
كان لدي هواية الرسم منذ الصغر، وتحولت هذه الهواية إلى رسم الأزياء كنت دائمًا أتابع المصممين المشهورين وأحضر عروض الأزياء على اليوتيوب، وأتفاعل مع كل ما يتعلق بهذا المجال.


لماذا قررت أن تكون مجموعتك لصيف 2025 رسالة حب لوالدتك؟ وما الذي يجعلها مميزة؟
مجموعة ” رسالة حب إلى أمي” تحمل الكثير من المعاني بالنسبة لي، لأنها جاءت في فترة صعبة مررت بها، كنت قد تعرضت لصدمة كبيرة من الأشخاص المقربين مني، وخيبات أمل في الوفاء، هذا أثر كثيرًا على نفسيتي، لكن في تلك الفترة، كنت قريبًا من الله، وكان الدعاء والصلاة هما ما منحني القوة، في تلك الفترة الصعبة، كانت أمي هي الشخص الوحيد الذي دعمني نفسيًا ومعنويًا، وأرادت دائمًا أن تكون بجانبي في كل مرحلة من حياتي، فإطلاق هذه المجموعة كان أقل شيء يمكنني من خلاله شكرها على ما قدمته لي.
أمي مسؤولة عن إدارة دار الأزياء، ودورها لا يقتصر فقط على العمل، بل هي أيضًا رفيقتي وصديقتي، وهذه المجموعة مستوحاة من شخصيتها الراقية والقيادية، فهي تجمع بين العمل والمنزل وتُظهر قوتها كمثال للسيدة العصرية والناجحة.

كيف تصف علاقتك بوالدتك؟
علاقتي بأمي ليست فقط علاقة أم بابنها أو علاقة عمل، بل هي علاقة صداقة ومحبة، أمي هي كاتمة أسراري، وهي مديرة أعمالي وصديقتي، حتى في الأيام العادية، استشيرها في كل قراراتي، وأخذ رأيها في كل شيء، أنا الآن في الـ 32 من عمري، وما زلت أسمع كلامها وأعتمد عليها في كل شيء، هي السبب الرئيسي في نجاحي، وأنا ممتن لها كثيرًا.


من أين جاء لقب “سفير الحجاب”؟
عندما درست تصميم الأزياء في الجامعة، كان مشروعي التخرج موجهًا بشكل خاص إلى تصميم الأزياء للمحجبات، كان لدي هدف منذ البداية أن أركز على تصميم الأزياء التي تناسب المرأة المحجبة، لذلك، بدأت صفحة على إنستغرام مخصصة لهذا الموضوع، وبدأت في تقديم تصاميم تواكب ذوق المحجبات، وقد حققت هذه التصاميم شهرة في بيروت وجنوب لبنان، وأصبح لي بصمة واضحة في هذا المجال، لذلك، تم إطلاق لقب “سفير الحجاب” عليّ، وهو يعكس عملي ومهنتي بشكل خاص، كما أنني أعتبر أن المرأة المحجبة يمكن أن تكون أنيقة وراقية مثل أي سيدة أخرى.




من هم المصممون الذين تعتبرهم منافسين لك في الساحة حاليًا؟
بصراحة، أنا لا أفكر في المنافسة كثيرًا، أعتقد أن النجاح في هذا المجال لا يعتمد على المنافسة بقدر ما يعتمد على بصمتك الشخصية، عندما يكون لديك رؤية وأسلوب خاص بك، تصبح مميزًا، هناك العديد من المصممين الشاطرين والمبدعين، وأنا لا ألغي وجودهم، بل أتمنى التوفيق لهم جميعًا المهم أن تكون لديك بصمتك الخاصة التي تميزك.


من هو مثلك الأعلى في مجال تصميم الأزياء؟
هناك العديد من المصممين الذين يقدمون أعمالًا رائعة، لكن من أكثر من أثّر فيّ بشكل خاص هو إيلي صعب، منذ أن دخلت عالم الأزياء، كان إيلي صعب هو المثال الذي طالما حلمت بالوصول إليه، تصميماته العالمية، التي انطلقت من لبنان إلى جميع أنحاء العالم، ألهمتني كثيرًا، أمل أن أتمكن من تمثيل لبنان كمصمم أزياء، وأن أحقق ما حققه إيلي صعب في هذا المجال.

ما هي المصادر التي تلهمك في عملك الإبداعي؟
كل مجموعة أعمل عليها أستند إلى فكرة معينة، على سبيل المثال، المجموعة الأخيرة كانت بمثابة رسالة حب لوالدتي، واستوحيتها من شخصيتها الفريدة، أما بالنسبة للمجموعات السابقة، فقد كانت هناك مجموعة مستوحاة من حلم كل شاب وصبية لبنانية وعربية، حيث تسعى هذه المجموعة إلى تجسيد الطموح والأمل، ومجموعة أخرى كانت موجهة للأنوثة الشرقية، حيث تمحورت حول الشخصية الأنثوية القوية، في كل مجموعة أحب أن أضع رسالة معينة، كما أحرص على أن تكون كل مجموعة تتناول موضوعًا مختلفًا يعكس ذوقي ورؤيتي الإبداعية.


ما هو السر في استخدام ألوان غير الأبيض في الفساتين التي تصممها؟
منذ بداية مسيرتي في عالم الموضة، كنت دائمًا أرغب في أن أكون مميزًا لذلك، اخترت استخدام ألوان جريئة في فساتين الأعراس والسهرات، كنت من أوائل المصممين في جنوب لبنان الذين استخدموا اللون “الجريش” (Greige) وهو خليط بين السيلفر والبيج، استخدمته في فستان زفاف باستخدام قماش لوركس المذهب مع تطريز ملكي، أنا دائمًا أميل لاختيار الألوان الفاتحة لأنها تعكس الجمال والجرأة في نفس الوقت، أعتبر العروس الجريئة التي لا تخشى أن تتجاوز الخيال ولا حدود التقليدية هي الأكثر تميزًا في اختياراتي.

كيف تصف التصميمات التي تعتبر موضة لعام 2025؟
الموضة تتغير كل عام، وكل عام يحمل تجديدًا خاصًا به، في العام 2025، نجد أن الدانتيل والورد يعودان بشكل قوي في التصميمات، بالنسبة لي، اعتمدنا في مجموعتنا الجديدة على الدانتيل والـ “هاند ميد” المشغول يدويًا، في هذه المجموعة، نجد أن الموضة تميل إلى البساطة مع جرأة ونعومة في آن واحد التركيز سيكون على الأناقة والرقي، ولكن مع لمسة من التجديد التي تعكس شخصية العروس العصرية.

بماذا تنصح العروس عند اختيار فستان الزفاف؟
عندما أعمل مع العروس، أركز على شخصيتها أولاً، هل هي عروس هادئة أم قوية؟ هذا سيساعد في اختيار التصميم الأنسب لها، أنا دائمًا أسأل العروس عن ذوقها الخاص، من تحب، وما هو الذي تفضله، كما أنني آخذ في الحسبان عدة عوامل مثل شكل الجسم، نوع الحفل (هل هو في فصل الصيف أو الشتاء؟)، مكان الزفاف، وأيضًا لون بشرتها، كل هذه التفاصيل تلعب دورًا كبيرًا في اختيار الفستان الذي يناسبها ويبرز جمالها.
ما هي الصفات التي تلاحظها في العروس التي تختار الفستان من تصميمك؟
العروس التي تختار فستانًا من تصاميمي عادةً ما تكون جريئة إلى حد ما، هي عروس لا تخشى الخروج عن المألوف وتحب كل ما هو جديد، تمتاز بشخصية قوية، ولا تحب أن تكون تقليدية أو تتبع الأطر المألوفة، إنها عروس تتمتع بذوق رفيع وتسعى دائمًا للتميّز في يومها الخاص.



حدثنا عن تجربتك في مهرجان كان بدورته الـ77 وكيف تصف هذه اللحظات؟
صدقًا، كانت هذه من أجمل التجارب في حياتي، منذ أن كنت صغيرًا، كان حلمي أن أكون جزءًا من مهرجان كان والمهرجانات العالمية، كان هذا الحلم يرافقني منذ بداية مشواري في تصميم الأزياء، وكنت دائمًا أوجه بوصلة طموحي نحو هذه المحافل الكبرى، قضيت أنا وأمي والفريق العامل معي من الشباب والصبايا عامين نعمل بجد للتحضير لهذا اليوم، خصوصًا بعد الحرب على لبنان، حيث قررت أن أبعث برسالة للعالم مفادها أن الجنوب ليس فقط مكانًا للحروب، بل أيضًا مكانًا مليئًا بالجمال والإبداع، مع كل ما مررنا به، كان وصول تصميماتي إلى هذا الحد يمثل فخرًا لي ولعائلتي وللجنوب كله، وعندما أُقرّ أن هذا التصميم سيتم ارتداؤه في مهرجان كان، سجدت لله شكرًا، لأنني لم أتخطَّ عمر الـ 32 عامًا وقد وصلت بتصميماتي إلى العالمية وكنت أول مصمم أزياء من جنوب لبنان تصل تصاميمي إلى مهرجان كان، وهذا شرف وفخر كبير بالنسبة لي.
حدثنا عن فستان عارضة الأزياء البرازيلية مارياني بياجيه التي تألقت على السجادة الحمراء في كان؟
الفستان الذي ارتدته مارياني يمثل شخصية فضل جابر: القوة والأنوثة في آن واحد. هذا هو ما أريد أن تعكسه كل امرأة ترتدي تصاميمي، استلهمت التصميم من الودرة، وأضفت إليه تطريزًا يدويًا فاخرًا مع الحرير، ليجسد 12 عامًا من العمل، من الضحك والبكاء، والتوتر والقلق، كل هذه المشاعر والمراحل الصعبة التي مررت بها تجسدت في هذا الفستان، الذي أصبح بمثابة لحظة الانتصار بعد سنوات من الصبر.


هل تجد أن الخطوة في المشاركة متأخرة؟
لا، أبدًا! جاءت في الوقت المناسب تمامًا. التصاميم التي حملت رسالة من الجنوب للعالم كانت ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى. لم تأتِ متأخرة على الإطلاق، بل جاءت بعد 12 عامًا من العمل الجاد والتحدي، خاصة بعد الحرب القاسية التي مررنا بها في لبنان وجنوبه. كانت لحظة فخر لي وللجميع.
ما هي الصعوبات التي واجهتها في صناعة الأزياء؟
واجهت العديد من الصعوبات. فصناعة الأزياء تتطلب الكثير من الصبر والإصرار، وأصعب شيء كان تحديد هويتي وتثبيت قدمي في عالم الموضة، التنافس مع الأسماء الكبيرة في لبنان كان شاقًا، وكان هناك الكثير من الانتقادات والمواجهات، لكن لم أسمح لهذا أن يثنيني عن التقدم، بالإضافة إلى أن تخصصي في الأزياء للمحجبات أضاف لي مسؤولية أكبر، خاصة كوني مصممًا شابًا من الجنوب. لكن، بفضل الله ودعم المحبين، تحولت هذه التحديات إلى نجاح.

بماذا تنصح المصممين الذين لا يزالون في بداية مشوارهم؟
أول نصيحة هي الإيمان والشكر لله دائمًا، ثانيًا، يجب على المصمم أن يرضي والديه ويأخذ برأيهما، ثالثًا، يجب أن يؤمن المصمم بنفسه ويكون دائمًا مخلصًا لعمله، ويبتعد تمامًا عن الغرور، إذا بدأ المصمم في الشعور بالغرور في بداية نجاحه، فذلك قد يكون مؤشرًا على فشله في المستقبل، التواضع هو أساس النجاح كما يجب أن يكون قريبًا من الناس الذين يعمل معهم، أن يفهم شخصياتهم ليتمكن من تقديم تصاميم مريحة لهم، وأخيرًا، المثابرة على ابتكار كل جديد.
ما الجديد في عام 2026؟
هناك مشروع كبير في عام 2026 في بيروت، سنعمل على عرض أزياء ضخم، بالإضافة إلى التعاون مع عدد كبير من الفنانات، وطرح أفكار ورسائل جديدة من دار أزياء فضل جابر، سنركز على تقديم تصاميم تعكس تطور الذوق العربي وتكون متجددة في نفس الوقت.

في النهاية، ماذا تقول لمصر وللمصريين؟
أكن كل الاحترام والتقدير للشعب المصري. ليس هذه هي المرة الأولى التي أتعامل فيها مع الإعلام المصري، حيث أذكر الإعلامية بوسي شلبي التي ارتدت من تصميماتي، كما أنني متحمس للقائي القادم مع الفنانة فيفي عبده، أنا أحب زيارة مصر، خاصة شرم الشيخ، حيث يتمتع الشعب المصري بالجمال والطيبة، مصر دائمًا كانت وستظل “أم الدنيا”، وأنا أقدر وأحترم كل شيء فيها.

