حجم الخط:
استمع للخبر
طارق عيال
في أسبوع واحد فقط، بدا المشهد البيئي في عدد من الدول العربية وكأنه صفحة واحدة تتقلب بسرعة، تحمل تقلبات جوية حادة، أمطارا غزيرة، رياحا عاتية، وفي بعض المناطق سيولا وفيضانات أربكت الحياة اليومية ووضعت المؤسسات والمجتمعات أمام اختبار عملي لا يحتمل البلاغة ولا الشعارات، غير أن هذا الأسبوع، على قسوته، لم يكن مجرد سجل للأحداث الطبيعية، بل مرآة لطريقة تفاعل البشر مع الخطر، وللفارق العميق بين الاستجابة التقنية الباردة والاستجابة الإنسانية الحية.
في أكثر من بلد عربي، فرضت حالة من اليقظة القصوى بسبب اضطرابات جوية مفاجئة، حيث تحولت الأمطار من نعمة منتظرة إلى عنصر ضغط على البنية التحتية، وكشفت محدودية الاستعداد في بعض المناطق، مقابل سرعة تدخل في مناطق أخرى، السلطات تحركت بدرجات متفاوتة.. إغلاق طرق، تعليق دراسة، تحذيرات رسمية، وعمليات إنقاذ موضعية، بينما عاش المواطنون الحدث بقلق صامت، يراقبون السماء ويعيدون ترتيب يومياتهم على إيقاع النشرات الجوية، في بعض الدول، ظل التعامل محصورا في إطار إداري صارم، يؤدي وظيفته لكنه لا يتجاوزها.
في المغرب، أخذ المشهد منحى مختلفا، ليس فقط من حيث حجم التحدي، بل من حيث طبيعة الرد عليه، فمع توالي الاضطرابات الجوية في عدد من المناطق، تعاملت السلطات بمنطق الاستباق بدل رد الفعل، حيث فعلت آليات المراقبة، واتّخذت قرارات حاسمة في توقيت حساس، أساسها حماية الأرواح قبل أي اعتبار آخر، غير أن ما ميز هذا الأسبوع حقا لم يكن الإجراءات الرسمية وحدها، بل ما حدث خارجها، في المساحات التي لا تغطيها البلاغات ولا تقاس بالأرقام.
في القرى والمدن، وعلى امتداد الجغرافيا المتأثرة، ظهر تضامن غير عادي في هدوئه وفعاليته، أبواب فتحت دون سؤال، منازل تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، شبان نظموا أنفسهم تلقائيا لتوجيه المارة، نساء أعددن الطعام لمن لم يتمكن من العودة إلى بيته، وسائقون عرضوا خدماتهم دون مقابل، لم يكن ذلك فعل بطولة فردية معزولة، بل سلوكا جماعيا نابعا من ذاكرة مشتركة تعرف معنى الشدة، وتؤمن بأن الخطر حين يكون عاما لا يواجه إلا بالفعل الجماعي.
عاش المغاربة الحدث بوصفه شأنا يخص الجميع، لا مجرد خبر عابر، لم يكن هناك فصل حاد بين “السلطة” و“المواطن”، بل تداخل أدوار واضح.. توجيه رسمي، وتنفيذ شعبي، ومبادرات محلية تسد الفراغات الصغيرة التي لا تراها الخرائط.، هذا النوع من التفاعل، الذي يتكرر في المحطات الصعبة، يفسر لماذا يتحول المغرب، في لحظات الأزمات، إلى نموذج مختلف، لا يدعي الكمال، لكنه يملك ما هو أثمن.. قدرة المجتمع على الانخراط التلقائي والمسؤول.
ولعل أكثر اللحظات دلالة كانت ليلة أمس، حين بدت بعض المناطق المهددة وكأنها مدن مهجورة، بعد أن أفرغت بالكامل من سكانها بقرار استباقي من السلطات، شوارع خالية، منازل مغلقة، صمت ثقيل لا تقطعه سوى دوريات المراقبة، في مشهد نادر يعكس جدية الخطر وحجم المسؤولية، تلك الليلة لم تكن سهلة على من غادروا بيوتهم قسرا، لكنها كانت شهادة على وعي جماعي فضل السلامة على التردد، والحياة على المجازفة.
إن هذا الأسبوع، بما حمله من قسوة ورسائل، يفرض على الجميع، سلطات ومواطنين، الاستمرار في اليقظة واحترام التعليمات الصادرة، لأن الطبيعة لا تعترف بالتقدير الشخصي ولا بالاطمئنان المؤقت، والدرس الأهم الذي خرج به المغرب، مرة أخرى، هو أن حماية الأرواح تبدأ بالوقاية، وتكتمل بالتضامن، وأن أقوى المجتمعات ليست تلك التي لا تختبر، بل التي تعرف كيف تتكاتف حين يفرض عليها الاختبار.
وفي ظل هذا الوضع المتقلب، ومع استمرار التهديدات الطبيعية التي لا يمكن الجزم بمآلاتها في الأيام المقبلة، لا يملك المرء إلا أن يتضرع إلى الله أن يحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، وأن يجعل هذه الأمطار رحمة لا نقمة، وأن يلطف بجميع الأسر التي تعيش على وقع الترقب والقلق، وأن يجزي كل من ساهم في حماية الأرواح ومد يد العون خير الجزاء، فاليقظة تظل واجبا جماعيا، والسلامة نعمة لا تدرك قيمتها إلا حين يصبح الخطر قريبا.

