تتعرض توقعات أسعار النفط لمزيد من الضغوط، في ظل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تعرفات جمركية واسعة النطاق أثارت اضطراباً في الأسواق، وأثارت مخاوف الشركات والمستثمرين من اندلاع حرب تجارية وتباطؤ النمو العالمي.
خفض بنك “غولدمان ساكس” يوم الخميس توقعاته لأسعار النفط، لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الأميركي لشهر ديسمبر كانون الأول 2025 بمقدار 5 دولارات إلى 66 و62 دولاراً للبرميل على التوالي، قائلاً إن “عاملَي الخطر الرئيسيين اللذين أشرنا إليهما –تصعيد التعرفات وزيادة طفيفة في إمدادات تحالف أوبك+ قد تحققا بالفعل”.
توقعات أسعار النفط
كما خفّض البنك توقعاته لأسعار النفط في عامي 2025 و2026، مضيفاً أنه “لم يعد يقدّم نطاقاً للأسعار المتوقعة، نظراً إلى أن تقلبات الأسعار من المرجح أن تظل مرتفعة بفعل تزايد مخاطر الركود”. وفي أسوأ السيناريوهات، توقّع محللو “ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليغنس” أن يتراجع نمو الطلب العالمي على النفط بمقدار 500 ألف برميل يومياً.
ورفع بنك الاستثمار “جيه بي مورغان” تقديراته لاحتمالات دخول الاقتصاد العالمي في ركود هذا العام إلى 60%، ارتفاعاً من توقع سابق عند 40%.
اقرأ أيضاً: تدفع اقتصاد العالم نحو الركود.. رسوم ترامب الجمركية تهدد بإشعال التضخم واندلاع حرب تجارية
وقد فوجئت الأسواق بقرار “أوبك” –التي تنتج نحو 40% من النفط الخام العالمي– وتحالفها من الدول غير الأعضاء في المنظمة “أوبك+”، بعدم الاكتفاء بتنفيذ خططها السابقة لزيادة الإنتاج، بل قررت أيضاً مضاعفة الكمية المتوقعة تقريباً.
زيادة إنتاج أوبك+
فقد وافق ثمانية من كبار منتجي “أوبك+” يوم الخميس على زيادة مجمعة في إنتاج النفط الخام بمقدار 411 ألف برميل يومياً، ما يمثل تسريعاً في وتيرة الزيادات المقررة ويدفع الأسعار إلى الهبوط. وشمل القرار كلاً من: السعودية، روسيا، العراق، الإمارات، الكويت، كازاخستان، الجزائر، وسلطنة عُمان. وكان من المتوقع على نطاق واسع أن يبلغ حجم الزيادة أقل من 140 ألف برميل يومياً خلال الشهر المقبل.
وقد أدى هذا الإعلان إلى تراجع أسعار النفط بنسبة 6%.
عدة عوامل تقف وراء قرار تحالف الدول المنتجة للنفط “أوبك+”، من بينها التفاؤل بمستويات الطلب على النفط في وقت لاحق من العام الجاري، وهو موقف يضع التحالف في معسكر الأقلية، في ظل تزايد التشاؤم لدى المستثمرين وتصاعد المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي.
وأشارت الدول الثماني من أعضاء “أوبك+” التي تقف وراء قرار زيادة الإنتاج، في بيان صدر الخميس، إلى “استمرار الأسس السليمة للسوق والتوقعات الإيجابية”، مضيفة أن “هذا الإجراء سيوفر فرصة للدول المشاركة لتسريع تعويضها عن الفترات السابقة”.
ويُرجَّح أن سبباً آخر لخطوة “أوبك+” يتعلق بترامب، الرجل الموجود في البيت الأبيض، الذي طالب، خلال ولايته الأولى ومنذ بداية ولايته الثانية، مراراً وتكراراً بأن تضخ الدول المنتجة المزيد من النفط للمساعدة في خفض الأسعار للمستهلكين الأميركيين.
اقرأ أيضاً: أوبك+ تقرر زيادة إنتاج النفط 411 ألف برميل يوميًا في مايو
وقال سول كافونيك، رئيس أبحاث الطاقة في شركة MST Marquee، في تصريح لقناة CNBC يوم الجمعة: “أولاً وقبل كل شيء، هذه الخطوة تهدف جزئياً إلى استرضاء ترامب”.
وأضاف: “ترامب سيضغط على أوبك لخفض أسعار النفط، مما يساهم في تقليل أسعار الطاقة العالمية، وبالتالي التخفيف من الأثر التضخمي لتعرفاته الجمركية”.
لكن مسؤولي “أوبك” نفوا أن يكون القرار قد اتُخذ بغرض إرضاء ترامب.
وسيلة لفرض الانضباط
في الوقت ذاته، ومع اعتبار مسألة الالتزام بالتخفيضات واحدة من أبرز التحديات التي تواجه “أوبك+” —إذ إن بعض الدول تُنتج كميات تفوق حصصها المقررة، ما يعقّد جهود التحالف في التحكم في حجم المعروض— فإن هذه الخطوة قد تكون وسيلة لفرض الانضباط، بحسب ما ترى حليمة كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية وأبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك RBC Capital Markets.
قالت حليمة كروفت في مذكرة نُشرت يوم الخميس: “نعتقد أن قيادة أوبك أرادت إرسال إشارة تحذيرية إلى كازاخستان والعراق وحتى روسيا بشأن تكلفة الاستمرار في الإنتاج الزائد، وهذا ما يكمن خلف القرار”.
حرب أسعار النفط
وأشارت كروفت إلى حرب أسعار النفط التي اندلعت في مارس آذار 2020، عندما أغرقت السعودية السوق بالإمدادات، ما أدى إلى انهيار الأسعار ودفع روسيا للعودة إلى الالتزام بعد أن رفضت موسكو في البداية خفض الإنتاج لدعم استقرار السوق ضمن التحالف. وقد تسببت تلك الحرب في هبوط أسعار خام برنت إلى نحو 15 دولاراً للبرميل.
وأضاف سول كافونيك أن الزيادات في الإنتاج تمثل أيضاً “مثالاً على سعي أوبك لزيادة حصتها السوقية”، مشيراً إلى أن ذلك “يأتي في نهاية المطاف على حساب قطاع النفط الصخري الأميركي”، وهو ما لن يُسعد المنتجين الأميركيين كثيراً.
ماذا بعد؟
يبدو أن “أوبك+” واثقة من أن السوق ستشهد تحسناً خلال الأشهر المقبلة، بناءً على افتراض بارتفاع الطلب على النفط خلال فصل الصيف، وتسوية الحروب التجارية في وقت لاحق، بحسب نادر إيتايم، مدير التحرير في وكالة Argus Media.
وقال إيتايم: “تبدو هذه الدول مرتاحة إلى حد كبير مع نطاق يتراوح بين 70 إلى 75 دولاراً للبرميل”.
ما سيحدث لاحقاً يعتمد على مسار التعرفات الجمركية وإمكانية اندلاع حرب تجارية. ويقول محللون إن هبوط أسعار النفط إلى نطاق الستينات قد يدفع “أوبك+” إلى إيقاف مؤقت أو حتى عكس خطط زيادة الإنتاج، رغم أن ذلك من المرجح أن يواجه مقاومة من دول مثل العراق وكازاخستان، اللتين تتطلعان منذ فترة طويلة إلى زيادة إنتاجهما النفطي لدعم إيراداتهما.
ومهما كانت التطورات، فإن المجموعة تحتفظ بمرونة تعديل خططها شهراً بشهر، بحسب ما أشار إليه نادر إيتايم.
وقال إيتايم: “إذا لم تسر الأمور كما تخيلوا، فإن كل ما يتطلبه الأمر، فعلياً، هو مجرد مكالمة هاتفية”.
اقرأ أيضاً: أوبك+: 7 دول تكشف عن خطط جديدة لتعويض ما انتجته فوق حصصها