لنحو ساعتين متواصلتين، رافق الجمهور جوقة معهد إدوارد سعيد الوطني في الغناءَ، في مناجاةٍ جماعية محمّلة بمشاعر الحزن والأسى والعجز في ظل استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة ومحافظات الضفة الغربية. واجتمع مئات الفلسطينيين في قصر رام الله الثقافي، مساء أمس السبت، في عرض “غزة الشعب الصامد” لجوقة المعهد، الذي خُصّص ريعه لدعم أساتذة وطلبة المعهد في قطاع غزّة، ولتنفيذ نشاطات موسيقية وفنية للأطفال في مراكز النزوح.
أيقظت الأغنيات الوطنية التي أدّتها الجوقة الحنين إلى اللحظات الجمعيّة التاريخية التي عاشها الفلسطينيون، ووثّقتها الموسيقى الفلسطينية والعربية في قصائد وألحان يحفظها الجمهور، مثل أغنية “نزلنا ع الشوارع” و”هات السكة” و”يا نبض الضفة” و”أناديكم” وغيرها. سلمى الخالدي (64 عاماً) إحدى الحاضرات للعرض، تقول لـ”العربي الجديد” إن الأغنيات “تحرّك الشارع وليس المشاعر فحسب”، فتستذكر أيّام الانتفاضتَين وحصار بيروت وتؤكد أن الموسيقى لعبت دوراً في تحريك الشارع آنذاك.
ترى الخالدي أن الخطورة في الواقع الفلسطيني الحالي هي “كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وكسر إيمانه بالقدرة على التغيير الذي اعتبرته نتيجة لاتفاقية أوسلو التي أوقعت الفلسطيني تحت التخدير والاستعمار الذهني”، الخالدي التي عبّرت عن سعادة مغمورةٍ بالحزن ترى أن غياب المشروع السياسي التحرّري الفلسطيني هو ما يُعيق تحويل هذه المشاعر الجمعيّة إلى حراك فعلي.
كذلك ديانا عوّاد، من بين الجمهور، تحاول تفسير شعورها بالكلمات: “مشاعري تترواح ما بين الفرح والحزن وشعور قاتل بالعجز، أتمنى أن يلعب الجمهور دوراً في دعم خطط المعهد في غزّة من خلال التبرعات”، “الغناءُ صوت والصوت ثقافة ووعي، والموسيقى لغة عالمية ورسالة لها معانٍ عميقة، وكلّ كلمة ولحن لهما جذور في التاريخ الفلسطيني،” تضيف عوّاد.
“غزة الشعب الصامد” لرفض الواقع الأليم
يأتي عرض “غزة الشعب الصامد” ضمن فعاليات مهرجان الياسمين الذي ينظمه المعهد كل سبت حتى 19 يوليو/تموز بهدف حثّ الموسيقيين والجمهور على رفض الواقع الأليم الذي تعيشه فلسطين، والتعبير عن الذّات، والحراك ضد القتل والتهجير وممارسات الاحتلال الاستعمارية، والحشد والمناصرة لتعزيز صمود الفلسطينيين، وفقاً لتعبير القائمين على المهرجان. ويجمع “غزة الشعب الصامد” نحو 55 فنانة وفناناً فلسطينياً بقيادة تامر ساحوري، المدير الأكاديمي للمعهد والمدير الفنّي للأوركسترا العربية الفلسطينية، ويتضمّن أغانٍ للشيخ إمام وأحمد قعبور ووليد عبدالسلام وريم بنّا وجورج قرمز وغيرهم.
يقول ساحوري في حديثه لـ”العربي الجديد” إن “الموسيقى في فلسطين، وعلى مرّ تاريخ القضية الفلسطينية، تعتبر جزءاً من المعركة التي يخوضها الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي”، ويؤمن ساحوري بأن الموسيقى تعكس التاريخ والحاضر والمشاعر التي تراود الفلسطينيين الذين يعيشون النزوح والقتل والتدمير والتهجير، وتجمعهم معاً تحت كلمة واحدة يأمل أن تعمل على شدّ الهمم، على حد تعبيره.
يعزو ساحوري اختيار هذه الأغنيات لتضمينها في عرض “غزة الشعب الصامد” إلى رغبة المعهد في تعزيز دور الثقافة والفنون في المعركة ضد الاحتلال، مشيراً إلى الانتفاضتَين بوصفهما مثاليَن بارزيَن على تأثير الأغنية العميق في الشارع، كما يحاول ساحوري تفسير تغيّر هذه العلاقة مع الزمن، فبرأيه أن السبب قد يكمن في تغيّر الهوّية الوطنية الفلسطينية التي تفكّكت ما بعد أوسلو، في ظل انقسام وضعف الأحزاب السياسية الفلسطينية. ويستدرك ساحوري بإيجابية ويؤكد أن دعم غزّة لا بدّ وأن يجمع الناس رغم اختلافاتهم السياسية، وأن تعود الثقافة لمركزيتها بوصفها موقف صمود وليست مجرّد طرف ثانوي، خاصة في ظل الحاجة إلى دعم أساتذة وطلبة الموسيقى الذين فقدوا أحبّتهم وخسروا بيوتهم وتوقفت مصادر دخلهم نتيجة عدوان الاحتلال.
تحدّثت كذلك مديرة الأوركسترات في المعهد، زينة خوري، لـ”العربي الجديد” حول مواءمة برامج وعروض المعهد بما يحاكي هموم وواقع الشعب الفلسطيني، مؤكدةً أن أرشيف الأغنية الوطنية الفلسطينية والعربية ما زال يعبّر عن الحاضر كثيراً، مشيرةً إلى أهمية تعريف الأجيال الأصغر سناً بتاريخ هذه الأغنيات وسياقاتها الوطنية.
الثقافة جزءٌ من المعركة مع الاحتلال
كما تؤكد خوري على أن الثقافة جزءٌ من المعركة مع الاحتلال، الذي يسعى إلى سرقة التراث الفلسطيني من موسيقى وطعام وأزياء وغيرها من ركائز الهوية الفلسطينية. ومن جهة أخرى، تقول خوري إن المؤسسات الثقافية الفلسطينية تواجه أزمات اقتصادية حادّة تؤثر على العاملين فيها، خاصة في ظل رفض هذه المؤسسات للدعم الأجنبي المشروط، الأمر الذي تطمح خوري أن يشجّع المجتمع المحلي على دعم المؤسسات لتصبح قادرة على الاستغناء عن التمويلات الخارجية، مؤكدةً على أهمية الريع الذي ستقدّمه تذاكر العروض لدعم أنشطة المعهد في مراكز النزوح، وشراكاته مع مؤسسات غزّية مختلفة لتقديم فعاليات ترفيهية للأطفال النازحين، منها دروس الجوقة والموسيقى وفعاليات فنية مع مهرّجين ومخيّمات صيفية، بالإضافة إلى توفير خيام ولوازم أساسية.
يُذكر أن عرض “غزة الشعب الصامد” لاقى ترحيباً كبيراً في العاصمة الأردنية عمّان في شهرَي يناير/كانون ثاني وفبراير/شباط المنصرمَين، إذ رافق جوقة المعهد الفنانُ اللبناني أحمد قعبور ضمن ثلاثة عروض بيعت تذاكرها بالكامل. ويأتي عرض رام الله افتتاحاً لسلسة العروض التي ستشمل “فرقة بنات القدس”، وفرقة “عبور”، وعازف البيانو الفلسطيني إياد زغير، والمغنية والملحنة الفلسطينية ناي برغوثي، ورباعي محمد نجم وغيرهم.

