كشفت دراسة حديثة، أعلنت عنها مؤسسة منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية، عن وجود قبول مجتمعي متزايد لحق المرأة في الولوج إلى الأماكن والفضاءات العمومية (المقهى، السينما، المسرح، الحدائق العمومية، الفنادق…)، إذ عبر أكثر من 75 في المائة من المستجوبين عن تأييدهم مقابل 21 في المائة عارضوا ذلك.
وأضافت المؤسسة في هذه الدراسة، التي أنجزها فريقها العلمي سنة 2024، وعرضت نتائجها، نهاية الأسبوع الأخير، بعنوان “النساء، الفضاء العام والحريات الفردية”، أن البحث اعتمد على عينة تمثيلية شملت 1528 مشاركا ومشاركة من مختلف الجهات الإدارية للمملكة، مع مراعاة التوازن في الجنس، الفئة العمرية، الوسط، والموقع الجغرافي.
وأشارت إلى أن الفريق البحثي للدراسة التي تمثل المحطة الثالثة من مشروع بحثي امتد منذ 2022 حول الحريات الفردية في المغرب، عمل على رصد التمثلات والممارسات الاجتماعية المرتبطة بحضور النساء في الفضاء العام ومدى تمتعهن بحرياتهن الفردية داخله، من قبيل “حرية التنقل، ارتداء الحجاب، التحرش، الشعور بالأمان، حرية التصرف في الجسد..”، وتناولت، أيضا، “مستوى الوعي بالقوانين ذات الصلة بحقوق النساء في المغرب (على مستوى الدستور، أو مدونة الأسرة، أو القوانين التي تجرم العنف والتحرش)، وكذا العلاقة بين القوانين والحريات الفردية”.
ولوج المرأة للفضاء العام .. حرية مشروطة
أظهر البحث أن أكثر من 75 في المائة من العينة عبروا عن تأييدهم لحق النساء في الحضور في الفضاءات العامة كالمقاهي ودور السينما والفنادق، مقابل 21 في المائة يعارضونه.
وبالمقابل ووفقا للدراسة، تبقى الأماكن العامة غير آمنة كليا بالنسبة لغالبية النساء، حيث يعتبر أقل من 5 في المائة أنها “آمنة جدا”، و42 في المائة أنها “آمنة إلى حد ما”، و25 في المائة يرون أنها “آمنة”، مع امتياز طفيف للمناطق الحضرية والقروية على حساب المناطق شبه الحضرية في الشعور بالأمان. رغم ذلك، عبرت نسبة مهمة من النساء عن شعور متزايد بالحرية داخل الفضاء العام، ما يشير إلى تحول نسبي في تجربتهن اليومية.
وأظهرت البيانات البحثية، كذلك، أن فئة الشباب ما بين (18-34 سنة) هي الأكثر تأييدا لولوج النساء للفضاء العام دون استثناء، حيث تصل نسبة القبول إلى أكثر من 80 في المائة، وكلما ارتفع السن زادت نسبة الرفض حيث يؤيد 77 في المائة من الفئة العمرية (18-24) و(35-44) على حق النساء في الولوج إلى الفضاء العام. بينما كانت النسبة لدى الفئة العمرية 65 سنة فما فوق، حوالي 55.9 في المائة.
أما من حيث المستوى التعليمي، فكلما ارتفع، زادت نسبة قبول المرأة في الفضاء العام، وزادت نسبة قبول عمل المرأة خارج المنزل، حيث عبر 87 في المائة من ذوي التعليم العالي عن دعمهم، مقابل 70 في المائة من غير المتمدرسين، أي أن “نسبة القبول تظل مرتفعة بشكل عام باختلاف المستويات التعليمية وحتى لدى الفئة التي لم تنل حظها من التعليم، وهذا تحول قيمي له أهمية ودلالة”.
ومن الفروقات بين الجنسين، عبرت 83.7 في المائة من النساء عن دعمهن لحق المرأة في ولوج الفضاء العام، مقابل 66.4 في المائة من الرجال، مما يبرز فجوة إدراكية في تصورات كل من الجنسين.
كما تلعب الحالة العائلية دورا في تحديد الموقف من حرية المرأة، حيث يبدي العزاب والمطلقون نسبا أعلى من التأييد تصل إلى أكثر من 60 في المائة، بينما يبدو الرفض أكثر نسبيا بين المتزوجين والأرامل، سواء في ما يتعلق بولوج المرأة للمقاهي أو بالسفر وولوج الفنادق.
وعلى الرغم من التباين، إلا أن الجميع يتفق على أن الأماكن العامة آمنة إلى حد ما بالنسبة للنساء، وأن درجة الحرية تزداد مقارنة بالماضي.
حرية الجسد لكن خارج الفضاء العام
أقر 67 في المائة من المشاركين بحق المرأة في التصرف بجسدها داخل الفضاء الخاص (هذا الموقف يبدو مفهوما على اعتبار أن المرأة أكثر دفاعا عن حقوقها في الفضاء الخاص باعتبارها أكثر استثمارا له وأكثر الأفراد قضاء للوقت بداخله)، غير أن هذا القبول يتراجع بشكل كبير في الفضاء العام، حيث رفض 55 في المائة هذه الحرية، مقابل 42 في المائة يؤيدونها.
كما كشفت الدراسة عن تقبل أكبر لدى فئة الشباب وسكان المدن، مقارنة بسكان القرى والفئات الأكبر سنا. التحرش .. خطر يومي في المدن الكبرى عبرت 82 في المائة من النساء عن كون المرأة أكثر عرضة للتحرش في الفضاء العام، وهو رأي شاركهن فيه81 في المائة من الرجال المستجوبين.
وتتركز هذه الظاهرة أكثر في المدن الكبرى، خصوصا بين صفوف الشابات ما بين 18 و34 سنة، ما يبرز العلاقة بين العمر والمجال الحضري كعوامل مفاقمة.
كما كشفت الدراسة أن التحرش يبقى ظاهرة حضرية وشبه حضرية تخص المدن الكبرى بشكل خاص، إذ سجلت نسب أعلى للتحرش في المجال الحضري قاربت 20 في المائة، ووصلت إلى 13.48 في المائة في المجال شبه الحضري، بينما لم تتجاوز 10 في المائة في المجال القروي.
أما الفئة الأكثر تعرضا هي الفئة العمرية بين 18 إلى 34 سنة والتي تبلغ فيها نسبة الإناث 52 في المائة، ونسبة الذكور 48 في المائة.
الحجاب بين الشريعة والقناعة الشخصية
أظهر البحث أن 66.8 في المائة من المشاركين يرون في الحجاب عنصرا من عناصر أخلاق الفضاء العام، باعتباره استجابة لتعاليم دينية وأخلاقية، إضافة إلى اعتباره سترة ووقارا، بينما يعتبره آخرون تعبيرا عن قناعة دينية شخصية.
في هذا الصدد، أكد 71.68 في المائة على أن حرية المرأة هي حق في الاختيار لا يختزل في المظهر، فيما رأى 57 في المائة أن الشريعة الإسلامية لا تتعارض مع حرية المرأة في الفضاء العام، مقابل 28 في المائة عبروا عن موقف مخالف. فهناك اتجاه عام نحو تقبل بل تحيز نحو تواجد الحجاب في الفضاء العام.
قوانين للحماية مجهولة وتأثير محدود
كشفت المعطيات البحثية أن 86.2 في المائة من المشاركين لا يعرفون مضمون الفصل القانوني الذي يجرم التحرش، و39 في المائة يقرون بجهلهم بمقتضيات مدونة الأسرة.
ومع ذلك، بعد تقديم توضيحات بخصوص القانون 103.13 المتعلق بتجريم التحرش الجنسي، أبدى 73 في المائة دعمهم لمضامينه، ما يبرز أهمية التوعية القانونية.
في حين أجمع 53.29 في المائة من المشاركين على أن القوانين الحالية لا تضمن حماية كافية لكرامة النساء، فيما دعت 50.33 في المائة إلى مراجعة مدونة الأسرة لتحقيق مساواة فعلية.
إلا أن المقلق، حسب الدراسة، هو أن 91 في المائة من المشاركين غير منخرطين في أي إطار جمعوي يعنى بحقوق النساء، و87 في المائة لم يشاركوا في أي مبادرة مدنية ميدانية داعمة لقضاياهن وحقوقهن.
تزايد مؤشر الانفتاح مقابل استمرار التناقض
خلصت الدراسة إلى تزايد مؤشرات الانفتاح والتقبل لحقوق النساء وحرياتهن الفردية خاصة داخل الفضاءات العامة والأماكن العمومية، خاصة في صفوف الشباب وسكان المدن.
ومع ذلك، فإن استمرار التناقضات بين القيم التقليدية والنصوص القانونية يضعف من فعالية الحماية القانونية والاجتماعية للنساء.
كما تؤكد النتائج على الحاجة الملحة لتكثيف الجهود التوعوية والتشريعية والمجتمعية من أجل فضاء عام آمن ومنصف يضمن كرامة المرأة المغربية.

