برز مفهوم «العلاج بالفن» في الفترة الأخيرة على المستوى العالمي، ويلقى اهتماماً متزايداً في الإمارات، باعتباره مساراً علمياً جديداً واعداً، ينفتح على علوم المستقبل، ويعزز العلاقة بين الإبداع والعلم، ومجالاً حيوياً في القطاع الصحي، الذي يسجل نمواً متسارعاً.
وفي هذا السياق، شهدت الإمارات العديد من الفعاليات والأنشطة والمبادرات في مجال تعميم مفهوم «العلاج بالفن»، أو «الاستشفاء بالغناء والموسيقى»، ولعل من أبرزها مشروع «الفن في المستشفيات»، الذي أطلقته هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» في مستشفى الجليلة التخصصي لطب الأطفال، ومن خلال التعاون مع مستشفى لطيفة، ويهدف إلى استخدام الفن لتعزيز الصحة النفسية والجسدية للمرضى.
ونظّم «كورال العرب»، بالتعاون مع جمعية المناعة الذاتية، مؤخراً، حفلاً موسيقياً في أبوظبي، هدف إلى إبراز الدور العلاجي للموسيقى، ودعم الوعي المجتمعي حول أمراض المناعة الذاتية، وجاء هذا الحفل ليعيد تقديم مفهوم «العلاج بالفن»، أو الاستشفاء بالغناء، من بوابة إبداعية وصحية مشتركة.
وأكد المايسترو الدكتور أحمد عبد الستار، أن الفن والغناء بشكل خاص، تميز على الدوام بأثره العلاجي.
وقال: «إن الأفكار التقليدية التي تحاول خلق جدار عازل بين الفن والعلم، لم تعد قادرة على الصمود أمام الحقائق العلمية نفسها، علاوة على أنها لم تعد بفائدة، لا على الفن، ولا على العلم، لذا، من الواجب التقدم بخطوات جدية لتجسير العلاقة والتفاعل بين هذين المجالين الحيويين المهمين للإنسان في حياته».
وأضاف: «يعد العلاج بالفن أو الاستشفاء بالغناء مفهوماً جديداً، والعالم كله يستكشف هذه الفرصة المتمثلة في التفاعل بين الفن والعلم في مختلف المجالات، ومن ذلك المجال الصحي، وبالنسبة لنا، نعتبر هذه فرصة كبيرة، أن نبدأ الاهتمام بهذا الجانب، بالوقت نفسه مع أهم الجهات الريادية في العالم».
وتابع: «يمكن النظر إلى النجاح الذي حققه الحفل الذي أقيم مؤخراً في المجمع الثقافي في أبوظبي، بالتعاون مع جمعية المناعة الذاتية، دليلاً على أهمية هذا التوجه، حيث شهد الحفل مشاركة تفاعلية قوية من الجمهور، وانضم الحاضرون بالغناء إلى حفل «كورال العرب»، في لحظات مؤثرة من الانسجام الجماعي، ويمثل هذا التفاعل نموذجاً عملياً لاستخدام الغناء وسيلة دعم نفسي وجسدي، ضمن نهج العلاج بالموسيقى، الذي يكتسب زخماً متزايداً في الأوساط العلمية والطبية».
اتجاه معترف به
ومن جهتها، أكدت الدكتورة إيمان الهاشمي مؤسسة جمعية المناعة الذاتية، وأول ملحنة إماراتية، إلى أن مفهوم العلاج بالفن خرج من خانة الظن والاعتقاد، إلى حقل التجربة والممارسة، وبات اتجاهاً طبياً معترفاً به، يمكنه أن يحقق المزيد من النجاحات بمرور الوقت.
وقالت: «نشهد في العقود الماضية تطوراً في العلوم الصحية والطبية باتجاهات مختلفة، ومن خلال الاستعانة بمجالات غير متوقعة، ومن ذلك الاتجاه نحو الثقافة والفنون، في ممارسة تتجاوز مجرد الدعم النفسي والجسدي، إلى الجانب العلاجي، ونتائج الممارسة الطبية في هذا المجال واعدة جداً، ما يعزز أهمية الانفتاح على الثقافة والفنون في المجال الصحي».
أحدث الاتجاهات
من جهته، قال محمد مرشد أول عازف ساكسفون إماراتي: «نحن بحمد الله نعيش في دولة تواكب أحدث الاتجاهات في العالم في كل المجالات، وتشجع على تطبيق أفضل الممارسات العالمية، لذا، فإن المجال مفتوح أمامنا لنصنع تجربتنا الخاصة، بالاستفادة من النمو الكبير الذي يشهده القطاع الصحي في الدولة، وكذلك الزخم الكبير في القطاع الثقافي والفني المنفتح على مختلف الساحات الإبداعية في العالم».
وتابع: «أتاح لنا التعاون مع «كورال العرب»، أن نخطو خطوة مهمة في هذا الجانب، فكان الحفل الذي أقمناه فعالية فنية بامتياز، وحفلاً علاجياً ملهماً.
ونجاح هذا الحفل يمثل حافزاً للتفكير بأشكال أخرى من التعاون، الذي يمكن أن يؤدي وظائف مزدوجة: صحية وفنية».
ممارسة مهنية
وقدم الدكتور يزن بسام نعيم طبيب وعضو في «كورال العرب»، وجمعية المناعة الذاتية، ورشة عن أهمية العلاج بالموسيقى، لاقت نجاحاً لافتاً من قبل الحضور، الذين شاركوا فيها بكل سعادة، حيث أكد أهمية التعاون بين المجالين الفني والطبي، لثراء المشهد الثقافي.
وقال: «إن العلاج بالفن ليس مجرد مفهوم، إنه ممارسة مهنية، لها مؤسساتها ومراكزها ومختصيها، وهي رغم حداثتها في البلدان العربية، إلا أن الإمارات من الدول السباقة في مختلف التجارب العالمية، واتباع أحدث الأساليب في كل شيء، وعلى رأسها الصحة والتعليم والثقافة، التي لا تنفصل عنها».

