نجيب مجذوب
إذا كان الشِّعر ديوان العرب كما يقال، فإن الخط العربي فنّهم التشكيلي التجريدي بلا منازع. ورغم ذلك هناك جَمْهَرَة من المثقفين والفنانين الذين لا علم لهم بتاريخ فن الخط العربي، وليست لديهم أدنى دراية بأصوله وجمالياته، ينازعون في هذه الحقيقة التاريخية حينما يزعمون بأن الإشادة بهذا الفن العريق وبتاريخه الزاهر مجرد مبالغة، تُعبر عن حنين إلى الماضي وعن تعظيم للذات ليس إلا. ففي نظرهم تنتمي الإشادة بفن الخط العربي إلى تصور سلفي تقليدي للتراث العربي الإسلامي عموما، يجدُ في هذا الموروث الفني التليد ملاذه لإبراز خصوصية حضارية عربية، وأصالة فنية نعوض من خلالهما عن تأخرنا في مواكبة الفنون التشكيلية المعاصرة، وعن توجّسنا أحيانا من هذه الأخيرة. يعتقد هؤلاء بأن الإسهاب في إبراز قيمة فن الخط العربي والتنويه بجاذبيته الجمالية يعبر عن نرجسية مرضيّة واضحة تعد سمة كل ذات مجروحة؛ وعن فهم تراثي للتراث يرتكز على منظور ساذج وبدائي للفن للتعويض -ولو نفسيا- عن مأزق ثقافي حاضر وعن فشل حضاري لدخول العصر. حتى إن بعض هؤلاء قد يزعم بلا تردد وبلا أدنى تدبر بأن ممارسة فن الخط العربي ملاذ من فشل في استكمال مسار تعليمه العصري، بحكم أن مسلك الخط العربي كان يتبع تاريخيا لمنظومة التعليم الديني التقليدية التي غالبا ما تأسر التلميذ في مصيدة الخلط بين القصبة والسبحة. وفي هذا القول الكثير من التجني والظلم وسوء التقدير؛ فالعديد من الخطاطين اللامعين اليوم تخرجوا من معاهد وكليات الفنون الجميلة العصرية، ونالوا منها أعلى الشهادات والاعترافات في مجال تخصصهم. ويصدر هذا الزعم أحيانا عن فنانين تركوا بصبتهم الواضحة في سجل الفنون التشكيلية الحديثة في المشهد الثقافي العربي.
على سبيل المثال لا الحصر، سأل كاتب صحفيٌّ ذات يوم الفنانَ التشكيلي المغربي فريد بلكاهية الذي يعد أحد رواد الفن التشكيلي المعاصر، ومن مؤسسي الحداثة التشكيلية البصرية في البلاد العربية: “لكن ما العيب في أن يعلن الفنان عن ارتباطه بثقافته ووجدان أمته؟”. فرد بلكاهية بجواب أورده هنا كاملا توخيا للأمانة:
“العيب هو أن ذلك يبعده عن جوهر الفن، ليجد نفسه متورطا في فخ الدعاية وضحية للأوهام. خُذ عندك مثلاً حكاية الخط العربي. هذا كله كلام فارغ المفروض أن نخجل منه. هل رأيتَ مرة في حياتك فناناً يهودياً يكتب بالعبرية ويقول هذا فن خاص بنا نحن معشر اليهود؟ أيضاً لماذا لا يقوم اليابانيون والصينيون واليونان مثلا بتشكيل لوحات من أبجدية لغاتهم ويقيمون لها المعارض والتظاهرات؟ ليسوا سُذجاً مثلنا لتختلط عليهم الأمور، مثلما اختلطت علينا. كل شعوب الأرض تعرف أن الخط خط مهما كان جميلاً، أما الإبداع التشكيلي فهو فعلاً شيء آخر. لكن ماذا تفعل لدعاة الهوية عندنا. لقد طبّلوا لحكاية الخط العربي، واعتبروه فنا عبقرياً يميزنا عن باقي العالمين. هذه أمور مضحكة صدقني… “(فريد بلكاهية في حوار أجراه معه ياسين عدنان ونشر بتاريخ 26 شتنبر 2014 على موقع جريدة “أحداث أنفو” المغربية.)
فن الخط العربي «حكاية» قديمة، وإن كانت جميلة، تنتمي للزمن الغابر…! الخط العربي إذن «دعاية» و«وهم» و«سذاجة» تُبعدنا عن جوهر الفن، وهو «كلام فارغ المفروض أن نخجل منه» في نظر بلكاهية…! كم من بلكاهية يعيش بين ظهرانينا اليوم ويؤمن بهذا التصور «الفلكلوري» والعدمي لفن الخط العربي؟ وكم منهم يتبنى وجهة النظر هاته ويدافع عنها؟ وفي هذا السياق يجدر التذكير بأن الفنان فريد بلكاهية كان مديرا لمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء من سنة 1962 إلى غاية 1974، ويعد أحد مؤسسي الحداثة التشكيلية بالمغرب. فلا غرابة إذن إذا كان فن الخط العربي قد ظل لمدة طويلة غير مرحب به في العديد من أكاديميات ومعاهد الفنون التشكيلية الجميلة بالعواصم العربية، ولا ينتعش سوى في منتديات التعليم التقليدي وحلقات الذكر والدروشة. إن فن الخط العربي لم يسلم هو أيضا من المعارك الإيديولوجية «الدونكيشوتية» بالأمس القريب بين الحداثيين و«دعاة الهوية» بتعبير فريد بلكاهية. وهل سلم منها اليوم؟
لكنْ، والحق يقال، إن هذا التصور الفلكلوري السلبي لفن الخط العربي يساهم في نسجه أيضا الطرف الآخر، أي بعض الخطاطين التقليديين الذين لا يتوقفون عن إبراز الجانب المقدس و«الرباني» في الخط العربي من خلال ربطه دائما بالنصوص المقدسة وبالدين، إذ لا يَدَّخرون جهدا في عرض تفسيرات غنوصية روحانية وتقديم تأويلات ميتافيزيقية لأشكال الحروف ومعانيها، مستشهدين في هذا الصدد بنصوص ابن عربي وإخوان الصفا وأهل التصوف، وربما بعض السَّحَرة أيضا…! إن بعض أهل صنعة الخط العربي يتميزون بعدم توفّقِهم في تقديم فنهم لغير أهله، لا سيما حينما يصرون على إضفاء بعد ميتافيزيقي على فن إنساني تجريدي محض وهندسة جمالية خالصة…
فإذا كان دعاة التصور الفلكلوري يعبرون في المجمل عن فهم سلبي لفن الخط يرى فيه مجرد حكاية قديمة تنتمي للماضي ومكانه المتاحف لا غير، بما أنه استنفذ أغراضه منذ عقود، بلى قرون، وبلغ ذروته وخبا بريقه حيث لم يعد من الممكن إبداع أجمل وأفضل مما كان…- فإن أنصار التصور المثالي (وهم الأكثرية اليوم) يبالغون في تقديس هذا الفن وتبجيل أعلامه وتحنيط أصوله وقواعده وأسرارها ورفعها عن كل زمان ومكان، مؤمنين بأن فن الخط العربي محفوظ بما حفظ به الله تعالى الذكر الحكيم، مستدلين على ذلك بكثرة معارض فن الخط اليوم وتعدد جوائزه ومسابقاته. فإذا كان أصحاب التصور الفلكلوري يزعمون «موتَ» فن الخط، وفي هذا الكثير من التهوين والتصغير وعدم الإنصاف، فإن دعاة التصور المثالي والتقديسي من جهتهم يتحدثون بمناسبة وبغير مناسبة عن نهضة خطية مباركة اليوم، وفي هذا غير قليل من إنكار الجمود الذي لحق بمجال الإبداع فيه وغياب روح التجديد والتطوير عنه. فكثرة معارض فن الخط وتعدد مهرجاناته وجوائزه لا تعد دليلا على نهضته وتطوره، طالما ظلت حبيسة منطق الاجترار والتقليد والتكرار. فنزعة المحافظة على موروث فني ثمين، مثل فن الخط، قد تضره أكثر مما تنفعه. وهنا أستطرد لأسأل على سبيل المثال لا الحصر: ما موقف أهل صنعة الخط العربي من التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي اليوم على مستوى إنتاج اللوحة الخطية؟ هل سمعنا وقرأنا للخطاطين العرب ما يجيب على تساؤلاتنا الجوهرية في هذا الشأن، في توقيت بات فيه الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل جميع الفنون البصرية في العالم؟ فلا يكفي في هذا الصدد الإجابة بأن لا شيء يغني عن الفرشاة ويعوض القصبة في مجال الخط…
زبدة القول لا أحد من التصورين المذكورين آنفاً (الفلكلوري العدمي من جهة والمثالي التقديسي من جهة أخرى) ينفع فن الخط العربي اليوم. لهذا يتعين الانعتاق من تجاذب التصورين معا، والانفتاح على تصور فني جديد لممارسة الخط العربي بوصفه فنا وليس مهنة، يعتبر هذا الفن العتيق كائن حي، وإبداع جمالي تجريدي مثل سائر الفنون الجميلة الأخرى، يستجيب لذائقة الناس المتقلبة ولتطورات عصره؛ وذلك من خلال الحرص على تطويره وبعث الروح فيه من جديد، دون التفريط في جماليته وأصوله وهيكلية حروفه، ليعود كما كان من قبلُ ملح المائدة العربية الإسلامية وزينة الحلي والأواني والجدران والخشب والأوراق. الخط العربي لم يمت كما يزعم بعض دعاة الحداثة، وهو فن إنساني غير مقدس عكس ما يقوله الخطاط التقليدي الذي لا يعدو كونه نساخا فقد مهنته بفعل تطورات العصر. ولا شيء يقتل فنا بصريا تجريديا أكثر من جموده وتحنيطه، والادعاء بأن هناك سرا ميتافيزيقيا يحركه ودينامية داخلية خاصة به تطوره وتحافظ عليه. يتعين إذن التخلص من سطوة التصور المثالي التقليدي لفن الخط الذي يروجه «دعاة الهوية»، وبموازاة ذلك عدم الانصياع لدعاة حداثة فنية تلقي بالطفل مع ماء الاستحمام كما يقال، ومن ثمة التأكيد على أن الخط العربي فن راق وأنيق، رغم تراثيته الجلية، أثبت قدرته على مسايرة الحداثة بفضل خطاطين تشكيليين وُفّقوا في إبداع لوحات خطية جميلة بعيدة كل البعد عن بهرجة الحروفية العربية المعاصرة وتهافتها، عبر تفريطها في جمالية الخط وأصوله بغرض التحايل وإخفاء عجز الفنان المزعوم وفشله. ففي أشكال حروف الخطوط العربية الكلاسيكية من الحداثة ما لم تمشقه بعدُ يد خطاط… وإن هذا التصور الفني التجديدي هو القادر فعلا على رفع التحديات الكبرى التي يواجهها اليوم فن الخط العربي في عصر الذكاء الاصطناعي.

