فى زمن سيطر فيه «التريند» على صناعة الموسيقى ليُصبح الشغل الشاغل لدى البعض فى المنافسة ممن يسعون لإثبات جدارتهم ونجاحهم فقط من خلال تصدّر أغانيهم تريند منصات الاستماع إلى الأغانى بغض النظر عن طريقة الوصول، وهو الأمر الذى طال معظم نجوم الأغنية خلال الفترة الحالية ممن يفضّلون «اللقطة» من خلال رفع نسب المشاهدة حتى لو كانت مدفوعة الأجر أحياناً، مما خلق حالة جديدة من الصراع بين المطربين، وبالتبعية بين المتحمّسين لهم من الجمهور.
وأصبحت صورة «رقم واحد فى التريند» على منصة معينة هى الصورة الرسمية التى يحرص المطرب على نشرها مع صباح كل يوم جديد من خلال حساباته الرسمية، والتباهى بأن أغنيته ما زالت تحمل «الرقم واحد»، متفوقاً على الجميع، مع نشر مطرب آخر لصور أخرى من منصات أخرى بتفوقه فى الترتيب على المطرب نفسه، وكأنها حرب لا تهدأ أشعلها التريند «المزيف أحياناً»، رغم أن النجاح لا يحتاج إلى مثل تلك الألاعيب، فالأغنية الناجحة تُجبرك على سماعها فى أى مكان وكل وقت ويُردّدها الجميع دون النظر إلى اسم صاحبها.
وسط كل هذا الصراع الذى وصل إلى ذروته هذا الصيف بين عدد كبير من المطربين، ألقى أمير عيد حجراً ثقيلاً فى تلك المياه الراكدة من الفكر المزيف حول التريند ونِسب الاستماع، عندما وقف على مسرح حفله الأخير فى مهرجان العلمين الجديدة أمام آلاف الشباب «الفئة الأهم فى جمهور الأغنية» يتحدّث عن فكرة القيمة للمنتج الفنى الذى يقدّمه قائلاً نصاً: المهم القيمة مش بالكم.. أنا باعمل الأغانى اللى باحبها، مش علشان أكون براند أو سلعة، علشان نفسى أبقى بابيع أكتر حاجة».
كلمات جاءت تعبّر عن مشروع فنان حقيقى هو فى الأصل صانع موسيقى، وأغلب الظن أنه لا يُفضّل كلمة «نجم» من الأساس فى وصف نفسه، فالرجل قالها صريحة إنه لم يتخيل أن غناءه فى غرفته وحيداً قد يصل يوماً إلى هذا الكم الكبير من الجمهور الذين يدعمون مشروعه ويؤمنون به، فلا يُمكن أن يختلف أحد على أهمية مشروع أمير عيد الغنائى، بل وتفرّده وإن اختلف أحد معه فلا يمكن أن يختلف عليه، هو صانع موسيقى متحرّر فى أفكاره، وهذا سر اختلافه، ملهم فى تجربته، وهذا سر تميزه.. لا يغنى أمير عيد كما يغنى الباقون، لا يلهث خلف تريند زائف، لا يفرح بأرقام استماع تبقى فى النهاية مجرد أرقام لا تعبر أبداً عن قيمة وماهية صاحبها.
قال فى حفله من بين ما قال إنه يحترم جمهوره ويغنى له بحرية، حتى إن حضر نصف الرقم الموجود أو حتى عشرة أشخاص فقط، فسوف يغنى لهم بنفس الحماس. دلّل أمير عيد بتلك الكلمات البسيطة على طبيعة شخصيته الفنية وهدم بها جداراً بناه المطربون بينهم وبين الجمهور الحقيقى فى عالم وهمى، ما بين السوشيال ميديا ومنصات الاستماع، أصلاً حفلات أمير عيد تحتاج إلى مراجعة وإعادة تقييم، فهى بالأرقام -من الواقع وليس العالم الافتراضى- من بين الأكثر حضوراً فى سوق الحفلات المصرية، حالة من الجماهيرية والشعبية تدعو فعلاً إلى النظر إليها بشكل مختلف، خصوصاً مع تنوع فئات الجمهور الذى أصبح حريصاً على حضورها، ففى حفله الأخير انتشر فيديو لطفلين وسط الجمهور يغنيان معه أغنية «تلك قضية» وتبدو عليهما علامات التأثر الشديد لطبيعة الأغنية الإنسانية، ناهيك بالطبع عن حفظهما كلمات الأغنية عن ظهر قلب.
إذن فهو قادر بموسيقاه على التأثير فى أجيال جديدة من الأطفال، وليس فقط فئة الشباب التى صنع معها وبها قصته مع الغناء، فهم يرون فيه صوتاً لجيلهم، بينما أرى فيه أنه خرج من تلك المنطقة ليكون صوتاً لنفسه، فرحلته أراها أقرب إلى رحلة بحث عن الذات، إنسان يفتش عما بداخله ليخرجه فى صورة كلمة ولحن يعبران عما يشعر هو به وليس الآخر.
آمن أمير عيد بنفسه وبمشروعه منذ البدايات، لم تُجبره الظروف والإحباطات يوماً على التنازل عن حلمه وتغيير المسار بالإكراه، بل زادته الإحباطات يقيناً بأنه سيُسمع يوماً ما، سينجح يوماً ما، سيكون نفسه يوماً ما.. وقد كان.

