د. لينا الطبال
هي مقطوعة موسيقية، ألفها الموسيقي الشيوعي والمغني السياسي الكندي– اللبناني وليم نصار لذكرى مرور سنة على استشهاد السيّد حسن نصرالله.
فقط موسيقى وذكرى وعام كامل على الغياب. دمعة على خدّ العاشق.
إنه أيلول حين بدأ الحب وانتهى.
هذا مقال حول مقطوعة موسيقية ألفها وليم نصار في حب السيد، أستمع اليها الآن.
هي صرخة حين يتمزق الزمن وينفجر الدم، تتطاير الذراع، ويُقذف بالساق الى البعيد كجذع مقطوع، والصدر ينفتح فتتناثر العظام، واللحم الممزق يلتصق بالتراب. يبقى الرأس، عينان معلقتان يحدقان في العدم ويصرخان في وجه العالم: لماذا؟
ثم يصمت بعدها كل شئء.
تستمع الى، لحن، فرح، حزن، احتفال، نغمات شفافة ونقية تشتعل كالبارود، لكن عليك أن تحذرها فهي أقوى من صواريخهم.
الروح حين ترفض أن تُسحق فهي ترقص وتتمرد، وهكذا هي تماما مقطوعة فالس لشهر أيلول.
الروح بكامل تناقضاتها:
مقاومة واحتفال،
صرخة وابتسامة،
حرب وموقف ثابت،
هي قطعة موسيقية تعطي المعنى لكون الإنسان إنسان. انها جسر بين الحزن والهوية.
قد تقتل الرصاصة الجسد، والصاروخ يقصف حي سكنى ويمحيه، الا ان النغمة توقظ الأرواح وتستحضرها. أرواح الشهداء التي قصفوها هنا ترقص وتفرح معك، تغني للنصر وتنتصر معك.
الرصاصة تنتهي لحظة انفجارها، لكن اللحن يعيد إنتاج ذاته في وعي الناس بلا توقف.
هل عرفت الآن، يا صديقي، لماذا يخافون النغمة؟ لأن اللحن هو ذاكرة متجددة.
الموسيقى تحرس الذاكرة،
تَعيش،
تَتكاثر، وتتحول إلى رمز مقاوم يستحيل محوه، تنتقل من أذن إلى أذن، ومن جيل إلى جيل.
يا لتعاسة جنرالات الاحتلال: لا طائرة مسيرة بإمكانها اغتيال لحن ولا دبابة تستطيع أن تدهس سيمفونية.
الموسيقى تقصف وهي اشد خطرا عليهم من فرقة مدفعية مدججة بالأسلحة، هل فهمت الآن يا وليم؟
“فالس لشهر أيلول” التي أهديتها إلى روح السيّد هي قصف موسيقي مكثف. في لحظة عزف واحدة، رددت على هذا الوحش ما يعادل ثمانين طنًا من المتفجرات.
لقد استعدت يا وليم، كل الدمار الذي زرعوه في الضاحية والجنوب ولبنان، وقلبت عليهم المشهد. بلحظة فقط يا وليم، لحظة تذكير بأن الشهادة لا تُمحى بالزمن.
كل يوم يقتلوننا على البث المباشر بلا حرج، يعرضون جثثنا على الشاشات. أشلاء الأجساد تكاد تقفز من أماكنها إلى وجهك، وتتحول الشاشة إلى لوحة من الأحمر والأسود والرمادي.
كل هذا عادي، مباح، لا مشكلة فيه.
لكن نغمة حزينة تجعل “يوتوب” يقرع أجراس الخطر!
يقرر الحجب،
يحذف المقطوعة، وكأن العالم سينهار. نغمة قصيرة قادرة أن تهزّ أركانه اكثر من مشهد مذبحة.
يا للسخرية، يرتعدون من نغمة؟
نعم، الموسيقى عندهم هي الجريمة الكاملة.
سمفونية فالس لشهر أيلول، نعم أنا أسميها سمفونية، ولنشرحها كما شرحها لي مؤلفها وليم نصار. “لن أقول حركات بل تداعي الآلات”.
هل تريد سماعها بالكلمات؟
الأولى: صرخة البداية جاءت كارتطام حاد… الوتر نفسه ينهار، اللحن يرفض أن يصدق أن السيّد قد رحل. لا كلمات، فقط صمت مشدود، وصفعة في وجه الصمت: السيّد رحل. تصور الموسيقى لحظة إعلان الخبر والارتباك الذي حصل في نفوس العاشقين.
الثانية: عدم تصديق الخبر ثم جاء النداء، الدعوة إلى التشييع.
الثالثة: حزن يتدفق من الوجوه، الكمان يبكي، والتشيلو يئن، والآلات كلها تتنفس مع الناس. صوت الألة الأرمنية “دودوك” ينوح بصمت وعمق، الموج يتصاعد و تنفجر الدموع، ذاكرة قرون من الألم، ثم نتابع المقاومة.
خطوات ثابتة ودقات القلوب تنضم إلى اللحن، والموكب يتحول إلى سيمفونية بشرية.
الموسيقى تسير بين المشيعين وتصبح جسد إضافي ترفع الراية، وكل نبضة قسمٌ جديد.
وفي النهاية. لم تكن هناك نهاية.
آلة ال Bagpipe الايرلندية التي تقصد المؤلف أن يستخدمها في نهاية المقطوعة، وعلى الرغم من عزفها النغمة الحزينة ذاتها التي بنيت عليها المقطوعة الموسيقية، إنما هي تأكيد على استمرارية المقاومة رغم رحيل سيد المقاومة.
القفلة جاءت نصف لحن، نصف صمت، نغمة معلقة في الهواء تهمس: السيّد لا يزال بيننا.
الموسيقى تعود دائما. الموسيقى، مثل الشهادة، لا تموت.
ومع ذلك، حُجبت المقطوعة. واتهموا اللحن بدعم الارهاب.
رحل السيّد. عام كامل على رحيله، عام سقط فيه كل شيء وتكسر. لكن رحيلك كان العبور نحو ضوء آخر.
يقولون إن الأرواح لا ترحل، إنما تتحرر. وانت حررت وتحررت.
يقولون أيضا ان الروح لا تنطفئ، وانت روحك تطوف حولنا كنسمة، كدعاء، كصوت. حضورك سرّ لا يغيب.
سقط السيّد كما قبله من الشهداء، وكما بعده سيسقط الشهداء.لكن الشهداء لا يرحلون. وحين نظن أنهم رحلوا، يكونون قد عادوا إلينا في هيئة أخرى: نسمة فجر، دمعة أثناء صلاة، ومضة في القلب لا تنطفئ، أو مقطوعة موسيقية.
هذه المقطوعة الموسيقية عندما سمعتها أحسست أنها أقرب إلى نفسي من الموسيقى التي ألفها الموسيقي الفارسي والتي واكبت تشييع السيد.
فعلها وليم نصار مجددا، ومتفردا، من بين جميع العاملين في مجال الأغنية الملتزمة، فبعد أغنية رفيقي زياد الرحباني، يطلق وليم نصارسراح سمفونية مدتها أقل من دقائق أربعة قال فيها: “وداعا لأصدق الناس” … وعلى طريقته.
وليم نصار، تحية.
باحثة وأكاديمية لبنانية مقيمة في فرنسا

