صدرت توجيهات رئاسية الأربعاء الماضي، بتعديل آليات التعاقد الحكومي على الدواء والمستلزمات الطبية، بحيث تصبح التعاقدات المستقبلية ثلاثية الأطراف بين هيئة الشراء الموحد والمستشفيات والشركات الموردة، بدلًا من الصيغة السابقة التي كانت بها الهيئة هي من تورد احتياجات المستشفيات بعد شرائها من الشركات، وذلك بحسب مصدرين، أحدهما بوزارة الصحة والثاني في هيئة الشراء الموحد.
وفقًا للتوجيهات الجديدة، يقتصر دور هيئة الشراء الموحد على الرقابة ومتابعة تنفيذ التعاقدات، دون أن تكون طرفًا ماليًا مباشرًا في التوريد أو السداد.
وجاء القرار الأخير بعدما شهدت مستشفيات هيئة التأمين الصحي، بداية من الشهر الماضي، أزمة حادة في توافر عدد من الأدوية الحيوية، حسبما رصد «مدى مصر»، فيما اتفق ثلاثة من أصحاب شركات الدواء أن هيئة الشراء الموحد هي المسؤول الأساسي عن تلك الأزمة، بعدما توقفت عدد من شركات الدواء عن التوريد لها بسبب تراكم مستحقاتها لدى الهيئة.
محمود فؤاد، رئيس مجلس إدارة جمعية «الحق في الدواء»، يوضح أن أزمة قوائم انتظار المرضى للمستلزمات الطبية والأدوية في المستشفيات دفعت الرئيس عبد الفتاح السيسي للاجتماع بوزير الصحة، خالد عبد الغفار، لبحث الموقف، الأربعاء الماضي، وبعدها خرجت التوجيهات الرئاسية بتعديل آليات التعاقد الخاصة بهيئة الشراء الموحد.
ويؤكد فؤاد أن هذا التعديل يعني فعليًا انتهاء الدور التنفيذي للهيئة في التعاقد والدفع، واقتصاره على دور رقابي، فيما تتحمل المستشفيات مسؤولية طلبات التوريد والسداد.
بموجب قانون إنشاء الهيئة الصادر في 2019، أصبحت هيئة الشراء الموحد هي الجهة الوحيدة المخوَّلة بشراء الأدوية والمستلزمات الطبية لكل الجهات الحكومية، مقابل رسم لا يتجاوز 7% من قيمة الشراء، فيما مُنعت المستشفيات من التعاقد المباشر، إلا في حالات الضرورة وبموافقة خاصة من إدارة الهيئة.
ويوضح المصدر بوزارة الصحة لـ«مدى مصر» أن الهدف من إنشاء الهيئة كان خفض الأسعار من خلال شراء الدواء والمستلزمات بشكل مجمع، بدلًا من اعتماد كل جهة على الشراء بشكل منفرد، فيما كان الهدف الثاني هو ضمان توحيد المواصفات الطبية بين المستشفيات، بحيث يحصل المريض في أي مستشفى على المستلزمات بنفس الجودة، بدلًا من أن يعتمد الأمر على أمانة أو مهارة من يضع شروط المناقصات في كل جهة.
ولكن، بحسب المصدر، «اللي حصل أن أصبح قيادات في الهيئة غرضها فقط توفير الأموال، وده مكنش غرض الهيئة. الغرض الأساسي أن مريض في مستشفى في منفلوط على سبيل المثال ياخد شاش بنفس جودة المريض اللي يتعالج في مستشفى في العاصمة الإدارية».
ويقول باحث في مجال الصحة لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إنه رغم إنشاء الهيئة بهدف خفض تكلفة شراء الأدوية والمستلزمات الطبية عن طريق الشراء المجمع، وتقليل الفساد في مناقصات المستشفيات، خاصة مع صعوبة الرقابة على كل مناقصة تُجرى داخل المرافق الصحية، إلا أن غياب جهة رقابية تُشرف على الهيئة، وغياب النص على ذلك بالقانون، تسبب في إثارة مخاوف من انتقال العمولات التي كانت تُوزع على مستوى المستشفيات إلى مقر مركزي واحد.
احتكرت الهيئة بعد إنشائها السوق بشكل يصفه أحد أصحاب شركات المستلزمات الطبية بأنه «مرعب»، مضيفًا لـ«مدى مصر» أنه في السابق، كانت وزارة الصحة تحدد القوائم الأساسية للأدوية، وتفتح بعض المناقصات المركزية لأصناف مثل الأمصال وأدوية الأمراض المزمنة، وتشرف على حركة التوريد. وكانت المستشفيات الحكومية، سواء التابعة لوزارة الصحة أو الجامعات أو هيئة التأمين الصحي، تطرح مناقصات أيضًا وتخصص جزءًا من موازناتها للشراء، لشراء احتياجاتها. أما بعد دخول هيئة الشراء الموحد كوسيط «إجباري» في كل العمليات، فقد تغيّر شكل المعادلة: الهيئة أصبحت الطرف المسيطر، تجني أرباحًا، فيما تتخلف عن سداد مستحقات شركات الدواء، التي لم تعد قادرة على الاستمرار في الإنتاج أو الاستيراد بنفس المعدلات السابقة.
«فوجئنا بعد إنشاء الهيئة أنها هيئة اقتصادية هدفها الربح: تشتري المستلزمات الطبية وتربح 7% عن ثمنها الأساسي، وتربح من وزارة الصحة ومن المستشفيات الحكومية»، يقول المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، فيما يتساءل صاحب شركة دواء: «ما الغرض من إنشاء هيئة تأخذ من ميزانيتها (ميزانية وزارة الصحة) وتكسب منها؟»
وينبه مصدران آخران من أصحاب الشركات إلى أن الهيئة التي يُفترض أن تُسهّل عمليات التوريد، تحصل على مخصصات الأدوية من وزارة المالية، لكنها لا تُسدد هذه الأموال مباشرةً إلى الشركات الموردة. وبدلًا من ذلك، «تودع تلك المبالغ في البنوك كودائع، وبعد انقضاء عام، تبدأ في فكها لتجري عملية التسوية مع الشركات».
يتفق أصحاب الشركات الثلاث على أن هناك شركات تعتمد على علاقات داخلية وتدفع عمولات لعدة مسؤولين داخل الهيئة لضمان صرف مستحقاتها، التي غالبًا لا تُصرف كاملة، موضحين أن هذا التعقيد في الصرف يمتد إلى تعقيد آخر في التوريد، إذ لا يُنفَّذ طلب المستشفى إلا بعد مراجعته واعتماده، عبر قائمة محددة من الموردين المعتمدين، حتى إن احتاج الطبيب إلى نوع مختلف من أصناف الدواء.
ويوضح رئيس «الحق في الدواء» أن شركات توزيع كبرى مثل «المتحدة» تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب المديونيات، فيما يعجز مصنعون عن تسويق إنتاجهم من دون اللجوء لشركات وسيطة أكبر قدرة مالية. ووفقًا لفؤاد، فإن تراكم هذه الأزمات يضع سوق توزيع الدواء في مصر أمام مخاطر حقيقية، مشيرًا إلى أن حجم ديون شركات الدواء فقط لدى «الشراء الموحد» وصلت إلى 24 مليار جنيه.
وبحسب المصدر في وزارة الصحة، تجاوزت حجم ديون الهيئة لشركات الأدوية والمستلزمات الطبية 40 مليار جنيه في الفترة الأخيرة.
وسط اتهامات متكررة لهيئة الشراء الموحد بالمسؤولية عن الوضع الحالي، تدخل رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي لحل الأزمة، فعقد اجتماعين مع شركات دواء كبرى لها مستحقات لدى الهيئة، في نوفمبر وديسمبر الماضيين، وفقًا لفؤاد. ووعدت الحكومة في أحد الاجتماعات بصرف عشرة مليارات جنيه، لكن ذلك الوعد لم ينفذ، ما ساهم في تفاقم أزمة نقص الأدوية وخروج عدد من الشركات من السوق.
وبحسب أحد أصحاب الشركات الثلاث الذين تحدث معهم «مدى مصر»، جرى اجتماع آخر منذ شهرين ضم ممثلين عن الهيئة، إلى جانب شركات توزيع كبرى مثل «ابن سينا» و«فارما» و«المتحدة»، وكان هدفه الضغط على تلك الشركات لإقناع المصانع بقبول تأجيل مستحقاتها لفترات أطول. أرسلت شركات التوزيع إيميلات للمصانع التي تتعامل معها، تطلب منها تأجيل المطالبة بالمستحقات المتأخرة، لكن بعضها رفضت، مؤكدة أن استمرار التأخير يهدد وجودها ذاته، بعدما أصبحت غير قادرة على تغطية تكاليف الإنتاج.
نتيجة لأزمة المديونيات بين الهيئة والشركات، قرر السيسي عدم التجديد للواء بهاء الدين زيدان، أول رئيس عينه لهيئة الشراء الموحد، في منتصف يناير الماضي، بعد أن مدد له في منصبه بعد انقضاء أول أربع سنوات، وعين نائب زيدان، هشام ستيت، بدلًا منه. ومع ذلك، استمرت الأزمة، و من هنا جاء القرار الأخير بتقليص دور الهيئة.
وفي ما يخص المديونية الموجودة حاليًا، يقول المصدر بوزارة الصحة إن وزارة المالية بدأت في سداد جزء من المستحقات الشركات لحلحلة الأزمة، لكن القرار فتح تساؤلات جديدة حول الجهة التي ستتحمل الديون المتراكمة على الهيئة. بحسب أحد أصحاب شركات الدواء، يجري حاليًا البحث عن قروض وائتمانات بنكية لتغطية المستحقات، فيما طُرح مقترح ببيع قطعة أرض تابعة للشركة المصرية لتجارة الأدوية، التي ضمت إلى هيئة الشراء في عام 2020.
صاحب شركة المستلزمات الطبية يوضح لـ«مدى مصر» أنه بحسب ما نُقل للشركات من الهيئة، فإن توجيهات الرئيس جرت بالفعل، لكن يرجح أن يبدأ تنفيذها في نهاية يوليو 2026 مع بداية السنة المالية الجديدة، وبعد الانتهاء من تصفية كامل المديونيات المتراكمة. أيضًا جزء من التأجيل يرتبط أيضًا بانتقال كوادر كانت تتولى هذه الملفات داخل المستشفيات، ما قد يسبب في ارتباك إداري يحتاج وقتًا لترتيبه.
انعكس كل هذا على سوق أدوية المستخدمة في التأمين الصحي. بحسب رصد «الحق في الدواء» الذي يوضحه فؤاد، بقوله إن السوق يشهد نقصًا واسعًا في أدوية حيوية داخل مستشفيات التأمين الصحي، على رأسها أدوية القلب مثل «اجراستات» وبدائله، و«كارديكسين» و«لانوكسين»، بالإضافة إلى «إيزوبتين» للحقن الوريدي. وطالت الأزمة كذلك أدوية تُستخدم في حالات الإجهاض وتنظيف الرحم مثل «ميزوتاك» و«ميزوبروست»، إلى جانب أصناف هضمية ومضادات حيوية ومسكنات أساسية مثل «سبترين»، «دوفلاك»، «الترادول» و«كونترامال»، فضلًا عن قطرات العيون مثل «كوسوبت» و«ارتيلاك».
أشرف، سائق في الخمسينيات من عمره، أُصيب بمرض السكري منذ خمس سنوات. منذ ثلاثة أشهر يحاول الحصول على علاج أنسولين باسم «جلفاز 100/50» في أحد المستشفيات التابعة للتأمين الصحي الشامل دون جدوى. في كل زيارة لوحدة أسرة البغدادي الصحية في الأقصر، يُطلب منه الحجز، ثم يُمنح موعدًا في نهاية الشهر، ليُقال له لاحقًا إن الدواء غير متوفر داخل الصيدلية التابعة للتأمين الصحي. قيل له أيضًا إن البدائل للدواء التي تحتوي على نفس المادة الفعالة غير موجودة. «أنا مريض، ومضطر أستنى شهور كاملة علشان يمكن ألاقي دوا».
يتاح للمرضى المشتركين في التأمين الصحي الأدوية المحلية والبديلة مجانًا، فيما يسددون 35% من السعر السوقي للأدوية المستوردة. ولكن، مع تزايد ديون الهيئة، صدر قرار في يوليو الماضي برفع مساهمة المرضى المستفيدين من التأمين الصحي في الأدوية إلى 70% بدلًا من 35%، وهو القرار الذي نفت وزارة الصحة صدوره. يقول فؤاد لـ«مدى مصر» إن القرار صدر عقب اجتماع عُقد في منتصف يوليو الماضي، جمع وزير الصحة ورئيس هيئة التأمين الصحي الشامل ورئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، بحثوا فيه المديونيات المتراكمة على هيئة الشراء الموحد لصالح شركات الأدوية.
كانت فكرة إنشاء هيئة الشراء الموحد بدأت بعد ملاحظة جهات في الدولة أن شركات المستلزمات الطبية تحقق مكاسب ضخمة من خلال توريد المستلزمات للمستشفيات الحكومية، بالتوازي مع أزمات نقص المستلزمات المنتشرة في قطاع التأمين الصحي نتيجة ضعف الميزانية.
تدخلت هيئة الخدمات الطبية بالقوات المسلحة، لتنظم مناقصة في العاصمة الألمانية برلين، عام 2017، دعت إليها الشركات العالمية، لشراء الأجهزة والمستلزمات الطبية، بدلًا من قيام المستشفيات والهيئات المختلفة ووزارة الصحة بشراء مستلزمات كل منها بمفردها. وبعد بدء هيئة الخدمات توريد المستلزمات الطبية، أصدر السيسي قانونًا بإنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والتوريدات الطبية وإدارة التكنولوجيا كهيئة ذات شخصية اعتبارية تتبع رئيس مجلس الوزراء بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية.

