Published On 25/9/2025
|
آخر تحديث: 11:24 (توقيت مكة)
يقف العراق على أعتاب أزمة اجتماعية متفاقمة، تتمثل في التصاعد المقلق لظاهرة العنف الأسري، التي تنخر بهدوء في نسيج المجتمع.. خلف الأبواب المغلقة، تتكشف مآسٍ يومية تطول النساء والأطفال وكبار السن، مسجلة أرقاما صادمة تعكس واقعا مريرا يتطلب تحركا عاجلا وحلولا جذرية.
هذا المقال يستعرض أبعاد هذه الظاهرة المعقدة، مستندا إلى بيانات رسمية وتقارير دولية، ويسلط الضوء على التحديات القانونية والمجتمعية التي تعيق مواجهتها بفاعلية.
في 2022، تلقت مديرية مناهضة العنف ضد المرأة والأسرة في إقليم كردستان 15 ألفا و896 شكوى، مما يعكس انتشار الظاهرة في مختلف أنحاء البلاد
أرقام تتحدث: واقع مؤلم تكشفه الإحصائيات
تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية العراقية عن حجم الأزمة؛ فخلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من عام 2024، تم تسجيل 13 ألفا و857 دعوى عنف أسري، وهي حصيلة تنذر بالخطر، وتشير إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير، نظرا للأعراف الاجتماعية التي تمنع الكثير من الضحايا من الإبلاغ.
وبحسب الوزارة، شكل الاعتداء البدني النسبة العليا بين هذه الدعاوى، وكانت حصة الإناث منها 73%، مقابل 27% للذكور.
هذه الأرقام لا تمثل سوى قمة جبل الجليد.. منظمات دولية مثل “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” تؤكد في تقاريرها أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير، مشيرة إلى وجود ثقافة إفلات من العقاب، وعوائق مجتمعية تحول دون وصول الضحايا إلى العدالة.
ففي 2022، تلقت مديرية مناهضة العنف ضد المرأة والأسرة في إقليم كردستان 15 ألفا و896 شكوى، مما يعكس انتشار الظاهرة في مختلف أنحاء البلاد.
تشريعات معلقة وجدل برلماني مستمر
على الصعيد التشريعي، يواجه العراق تحديا كبيرا يتمثل في الفراغ القانوني؛ فرغم الدعوات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، لا يزال مشروع قانون مناهضة العنف الأسري، الذي تم إقراره من قبل مجلس الوزراء منذ 2015، معلقا في أروقة البرلمان دون مصادقة.
يواجه مشروع القانون معارضة من بعض الكتل السياسية، التي تعتبر بعض بنوده مخالفة للشريعة أو الأعراف الاجتماعية.
هذا التأخير في إقرار القانون يترك الضحايا دون حماية كافية، حيث تعتمد المحاكم حاليا على مواد في قانون العقوبات العراقي (مثل المادة 41 التي تبيح “تأديب” الزوج لزوجته في حدود معينة)، وهي مواد لا توفر الحماية اللازمة، وتفتح الباب أمام تفسيرات تبرر العنف.
إن غياب قانون رادع ومختص يساهم بشكل مباشر في استمرار هذه الجرائم وتفاقمها.
خلفت عقود من الحروب والاضطرابات الأمنية آثارا نفسية عميقة على المجتمع العراقي، مما ساهم في شيوع السلوك العدواني كوسيلة لحل المشكلات
جذور الأزمة: أسباب متشابكة وتداعيات مدمرة
لا يمكن حصر أسباب تفاقم العنف الأسري في العراق في عامل واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين ظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية متردية. ومن أبرز هذه الأسباب:
الضغوط الاقتصادية: أدت الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى زيادة الضغوط النفسية على أرباب الأسر، مما يجعل البيئة المنزلية أكثر توترا وعرضة للانفجار.
انتشار المخدرات: تشير تقارير وزارة الداخلية إلى وجود ارتباط وثيق بين ارتفاع حالات العنف الأسري وزيادة تعاطي المواد المخدرة.
الأعراف والتقاليد: لا تزال بعض التقاليد البالية، والنظرة الدونية للمرأة، تبرر العنف وتعتبره شأنا عائليا خاصا لا يجوز التدخل فيه.
الآثار النفسية للحروب والنزاعات: خلفت عقود من الحروب والاضطرابات الأمنية آثارا نفسية عميقة على المجتمع العراقي، مما ساهم في شيوع السلوك العدواني كوسيلة لحل المشكلات.
أما التداعيات، فهي لا تقتصر على الضحية المباشرة، بل تمتد لتشمل الأسرة والمجتمع بأسره.. يؤدي العنف الأسري إلى تفكك الروابط الأسرية، وزيادة معدلات جنوح الأحداث، وتدهور الصحة النفسية للأطفال الذين ينشؤون في بيئة عنيفة، مما يخلق جيلا جديدا قد يعيد إنتاج نفس السلوكيات في المستقبل.
يبقى العنف الأسري جرحا غائرا في جسد المجتمع العراقي، ومعالجته ليست مجرد ضرورة قانونية، بل هي أساس لبناء مجتمع سليم ومستقر
نحو حلول مستدامة: مسؤولية مجتمعية وقانونية
إن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تتطلب إستراتيجية وطنية شاملة، تتضافر فيها جهود المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والإعلامية. وتشمل الحلول المقترحة:
الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، وتضمينه عقوبات رادعة وآليات فعالة لحماية الضحايا وتأهيلهم.
تعزيز دور مؤسسات إنفاذ القانون، وتحديدا مديرية حماية الأسرة والطفل، وتوفير ما يلزم من الموارد والدعم لتمكينها من أداء مهامها بفاعلية.
توفير الدعم النفسي والاجتماعي: إنشاء المزيد من مراكز الإيواء الآمنة للضحايا، وتقديم خدمات الدعم النفسي والقانوني لهم.
حملات التوعية المجتمعية: تكثيف الحملات الإعلامية والتثقيفية لتغيير المفاهيم الاجتماعية الخاطئة حول العنف الأسري، والتأكيد على حقوق جميع أفراد الأسرة في العيش بأمان وكرامة.
يبقى العنف الأسري جرحا غائرا في جسد المجتمع العراقي، ومعالجته ليست مجرد ضرورة قانونية، بل هي أساس لبناء مجتمع سليم ومستقر، قادر على تجاوز تحدياته والمضي قدما نحو مستقبل أفضل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

