يواجه الفن تحديات متزايدة تهدد استمراريته وتضعف تأثيره الثقافي والفكري في منطقة الشرق الأوسط. في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، على خلفية غياب الدعم المؤسسي، وتراجع الحريات، وتقلص المساحات الإبداعية، الأمر الذي يحصر الفنان بين طموحاته الشخصية وواقع غير داعم، وبرغم ذلك لم تكن نلك الأزمة وليدة اللحظة، بل تراكمت عبر عقود من التهميش والتقليل من قيمة الفن كأداة للتغيير والتنوير، مما دفع بعض الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الثقافية واستغلالها في تحقيق مكاسب سياسية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي دشنت مهرجان الرياض.
ضعف التمويل
تعاني المؤسسات الفنية في العديد من الدول الشرق أوسطية من نقص حاد في التمويل، حيث تُعتبر الفنون غالباً من الكماليات وليست من الأولويات الوطنية، وهذا النقص ينعكس على جودة الإنتاج الفني، ويحد من قدرة الفنانين على تطوير مشروعاتهم أو المشاركة في معارض ومهرجانات دولية، وزد على ذلك التحولات السياسية التي أعقبت ثورات الربيع العربي وما خلفته من انهيار في الأنظمة المستقرة وحروب في بعض الدول تسببت في هجرة الفنانين إلى الخارج إلى جانب الأزمات الاقتصادية التي تسببت فيها تلك الأحداث التي أجبرت الدول على الاختيار ما بين دعم الفن ودعم الفقراء الذين زادت أعدادهم بمعدلات خطيرة، ليتم توجيه الميزانيات المخصصة للإنتاج الفني في بعض الدول إلى برامج الحماية الاجتماعية، فضلاً عن خضوع المحتوى في بعض الدول، إلى رقابة صارمة تحد من حرية التعبير، ما يؤدي إلى إنتاج أعمال فنية خجولة تخشى الاقتراب من القضايا الحساسة. وهذا التقييد لا يؤثر فقط على مضمون العمل الفني، بل يضعف أيضاً قدرة الفن على لعب دوره التنويري والنقدي في المجتمع.
وأكد الكاتب الصحفي والناقد خالد فرج في تصريح لوكالة فرات للأنباء (ANF) أن “الفن لم يستطع مواكبة التطورات الهائلة التي شهدتها البشرية، وباتت العديد من الدول تفتقر إلى قاعات عرض مجهزة، ومراكز تدريب متخصصة، ومنصات رقمية حديثة تواكب التطور العالمي في مجال الفنون. كما أن ضعف التسويق الفني وعدم استغلال التكنولوجيا الحديثة يحد من وصول الفن العربي إلى جمهور عالمي، فضلاً عن تغير الذوق العام واعتماده على المنصات الإلكترونية التي باتت مقصداً للترفيه والتثقيف، بل ومتابعة تطورات الأحداث، الأمر الذي أثر على القنوات الفضائية ودور العرض السينمائية وكل ما يتعلق بعمليتي الإنتاج والعرض”.
الهجرة الطوعية
وقال المحلل السياسي المصري حسن بديع في تصريح لوكالة فرات للأنباء (ANF) : إنّ “الأزمات السياسية والاقتصادية دفعت العديد من الفنانين العرب إلى الهجرة بحثاً عن بيئة أكثر حرية ودعماً، ليفتقد هذا الشتات لجزء كبير من الطاقات الإبداعية، وخلق فجوة بين الفنانين والجمهور المحلي. كما أثرت الأزمات العالمية، مثل جائحة كورونا والحرب الروسية-الأوكرانية، بشكل مباشر على الإنتاج الفني، حيث أُلغيت العديد من الفعاليات، وتراجعت الميزانيات، وتغيرت أولويات الدول نحو القطاعات الصحية والاقتصادية”.
في هذا السياق، برز مهرجان الرياض كواحد من أبرز المبادرات الثقافية في المنطقة، حيث تسعى المملكة العربية السعودية من خلاله إلى إعادة تشكيل المشهد الفني المحلي. فتدشين هذا المهرجان لم يكن مجرد حدث ترفيهي، بل جاء ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الهوية الثقافية، وتحفيز الإبداع، وفتح آفاق جديدة أمام الفنانين، والسيطرة الثقافية في المنطقة لتحقيق أهداف سياسية. ومن خلال مهرجان الرياض، ترسل السعودية رسالة مفادها أن المملكة أصبحت رائدة في الفن، في تحول كبير لبلد كان منغلقاً على هيئات دينية تصادر الحريات، إلى قيادة انفتاح ثقافي إقليمي.
أعمال سطحية
ونتيجة للأزمات، أصبح العديد من الفنانين يعملون بموارد محدودة، مما أثر على جودة الأعمال الفنية. كما أن غياب النقد الفني الجاد أدى إلى انتشار أعمال سطحية لا تعكس العمق الثقافي. وفي ظل الرقابة والخوف من التناول الحر للقضايا الاجتماعية والسياسية، أصبح الفن يميل إلى التكرار والابتعاد عن التجريب، مما أضعف التنوع الثقافي وأفقد الفن جزءاً من هويته. فعلى الرغم من أن الفن كان أداة للتنوير والتغيير، إلا إنه اليوم يعاني من تراجع في تأثيره الفكري، حيث أصبح يُنظر إليه كوسيلة ترفيهية فقط، مما قلل من قدرته على التأثير في الوعي الجمعي. وبرغم هذه التحديات، دفعت الأزمات بعض الفنانين إلى تبني الوسائط الرقمية كبديل عن المعارض التقليدية، وفتح هذا التحول آفاقاً جديدة، لكنه يتطلب بنية تحتية رقمية قوية واستراتيجيات تسويق فعالة.

