
في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات الإنسانية بين الصدق والكذب، تأتي مسرحية «كذبة بالصينية» لتقدّم مقاربة جريئة وذكية لموضوع الخيانة، لكن من زاوية غير مألوفة — زاوية الضحك، والدهشة، والواقعية المفرطة.
بأسلوب بسيط ومواقف يومية مألوفة، نسج فريق العمل خيوط حكاية تبدأ بنكتة وتنتهي بتساؤل وجودي حول حدود الحب والصدق بين الأزواج. النص لا يدّعي التنظير أو الوعظ، بل يكتفي بأن يعكس مرايا صغيرة نرى فيها أنفسنا — بعفويتنا، بتناقضاتنا، وبنقاط ضعفنا.
كوميديا الواقع لا التهريج
اعتمد المخرج زياد النجار على الإيقاع الخفيف والمواقف الكوميدية الطبيعية بعيداً عن المبالغة. لم يكن الضحك هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتفكيك موضوع مؤلم، وجعل الجمهور يتأمل الخيانة من منظور إنساني لا قاسٍ. الكوميديا هنا «بالصينية» فعلاً، تُقدّم بسلاسة، بطبقات متعددة من الدلالات، وبنكهة قريبة من الناس.ابدع بكتابتها وليد عرقجي
أربعة أبطال… ومسلسل من ٣٠ حلقة على الخشبة
اللافت في العرض هو أداء الأبطال الأربعة:
• رودريغ سليمان يجسّد شخصية الرجل الضائع بين ضميره ورغباته بعمقٍ لافت.
• زينة مكي تعكس بصدق المرأة الحساسة الذكية التي تدرك أكثر مما تقول.
• جويل منصور تضيف حضوراً طاغياً يخلط بين الجاذبية والبراءة.
• أمّا وليد عرجي، فبذكائه التمثيلي المعتاد ككتابته، يربط بين الشخصيات بخيوط من السخرية والصدق، مانحًا العرض روحه المرحة وجديته في آنٍ واحد.
تنقّلوا الممثلون بين المشاعر بخفّة وصدق جعل الجمهور يشعر أنه يتابع مسلسلاً من ثلاثين حلقة مكثّفاً في ساعة ونصف. كل تفصيلة، من حركة اليد إلى نظرة العين، كانت مدروسة لكن طبيعية إلى حدٍّ يجعل المتفرّج ينسى أنه في مسرح، ويظن أنه يشاهد واقع يعرض أمامه.
التناغم بين الممثلين خلق توازناً مثالياً بين الجدية والهزل، فكانت كل مواجهة مشحونة بالعاطفة، وكل لحظة صمت تنطق بما لا يُقال. أما الحوار، فبدا عفوياً رغم دقته، يختصر فلسفة العلاقات الحديثة في جمل بسيطة وذكية.

إخراج متوازن وبناء بصري مريح
اختار المخرج ديكوراً منزلياً دافئاً وألواناً هادئة تُضفي طابعاً واقعيّاً يجعل المشاهد جزءاً من المكان. الإضاءة والموسيقى رافقتا التحوّلات النفسية برهافة، دون أن تطغيا على الأداء، ما أعطى للمشهدية المسرحية هوية أنيقة ومتماسكة.
ضحك بنكهة الحقيقة
نجحت «كذبة بالصينية» في أن تطرح سؤالاً قديماً بأسلوب جديد:
هل الخيانة هي كذبة عابرة… أم نتيجة أكاذيب صغيرة تراكمت بصمت؟
المسرحية لا تقدّم إجابات جاهزة، بل تفتح مساحة للتفكير والابتسام في آنٍ واحد.
هي عمل يُعيد الثقة بالمسرح اللبناني الحديث، الذي يستطيع أن يكون خفيف الظلّ دون أن يكون سطحياً، وعميقاً دون أن يكون ثقيلاً.
⸻
الخلاصة
بجرأة في الطرح، وصدق في الأداء، وخفة ظلّ تُخفي وجع الحقيقة،
تقدّم «كذبة بالصينية» تجربة مسرحية ممتعة على مسرح مونو ، قادرة على جعل الجمهور يضحك… ثم يصمت لوهلة، متسائلاً عن مكانه في هذه اللعبة التي اسمها العلاقة.
م/ربيع صوما

