إبداعات سعودية تأخذكم في رحلة عبر الزمن
مع انطلاق شتاء إثراء وموسم الخبر، يُطلق مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “معرض صدى المألوف”، الذي يركز على مفهوم “البيت” من خلال 28 عملًا فنيًا، يشارك فيه 28 فنانًا وفنانة سعودية، بتنظيم القيّمة الفنية غيداء المقرن، مع دعم 17 عملًا من المركز. يتناول المعرض موضوعات غنية تمس الذكريات والحنين والعادات والطقوس التي شكلت الحياة المنزلية السعودية خلال القرن العشرين، وكيف لا تزال تؤثر على الهوية الثقافية حتى العصر الحالي.
يتجاوز المعرض المفهوم المادي للمنزل، ليغوص في أعماق الذكريات والقصص التي تحتفظ بها جدرانه وزواياه. حيث تتجسد ضحكات الأطفال في كل ركن، وتروى قصص الأمهات من خلال روائح المأكولات التي تعبق في الأجواء، بينما تستمر الجدة في جلستها أمام التلفزيون، رمزًا لاستمرارية الأسرة وترابطها، مما يخلق شعورًا بالأمان والحب. تتردد أصداء هذه التجارب المشتركة في كل زاوية من زوايا البيت، لتخلق حنينًا جماعيًا نحو “الزمن الجميل”. إنه شعور يتجاوز الزمن، حيث يحيا الماضي في كل لحظة، ويذكرنا بأن البيت ليس مجرد جدران، بل هو عالم مليء بالذكريات، والحب، والارتباطات التي لا تُنسى، تروي حكاياتنا وتربطنا بجذورنا.

فور دخولكم إلى المعرض، ستنتقلون عبر سبع مساحات فنية تمثل محطات من الحياة اليومية في البيت السعودي. تبدأ الرحلة من خارج البيت ومبنى المنزل، ثم إلى المدخل الذي يُعد الحد الفاصل بين العالم الخارجي وخصوصية المنزل. بعد ذلك، تدخلون غرفة المعيشة أو المجلس، حيث تجسد أجواء الضيافة ولمة العائلة. تليها غرفة النوم، التي تمثل مساحة التأمل والهدوء، ومن ثم المطبخ الذي يحتفي بطقوس إعداد الطعام، مشكلاً تجربة حسية تستحضر الروائح والذكريات. وأخيرًا، تصلون إلى قاعة الذكريات، التي ترصد ملامح الثقافة الشعبية وتُجسد التواصل الإنساني وتبادل الذكريات بين الأجيال. كل مساحة وزاوية تعكس جوانب الحياة اليومية للبيت السعودي.
لقد شهد البيت السعودي تحولات ملحوظة على مدار القرن الماضي، بدءًا من البيوت الطينية في الأربعينيات وصولًا إلى المباني الحديثة المصنوعة من الخرسانة والطوب في السبعينيات، ثم إلى التصاميم المتأثرة بالأسلوب الأوروبي في التسعينيات. هذا التنوع يعكس سردًا ثقافيًا ديناميكيًا. في هذا المعرض، تتداخل الأجيال، حيث يجتمع الأجداد والآباء والأطفال لإعادة الاتصال بذكريات بعيدة تثير البهجة. يضم المعرض مزيجًا من المقتنيات المألوفة والمواد اليومية التي كانت تُستخدم في الحياة اليومية، بالإضافة إلى نماذج من الفن المعاصر التي تحتفي بالتقاليد وتوثق الثقافة السعودية في القرن الماضي.
وفي هذا السياق، أكدت فرح أبو شليح، رئيسة متحف إثراء، أن معرض “صدى المألوف” يعكس التزام المركز بدعم الممارسات الفنية السعودية، وتوثيق التحولات الثقافية والاجتماعية التي تشهدها المملكة في حاضرها المتجدد. يسعى المعرض، من خلال استحضار مفهوم البيت كفضاء رمزي، إلى قراءة الذات والمجتمع في سياق يتسم بالحركة والتطور. تعيد الأعمال المعروضة تفسير تفاصيل الحياة اليومية بصريًا، بوصفها مكونات للوعي الجمعي والتجربة الإنسانية المعاصرة. وأشارت إلى أن المركز يواصل رسالته في تعزيز الحوار الثقافي وتمكين الإبداع كوسيلة للتعبير، وإعادة اكتشاف التراث في صورة نابضة بالحياة تُلهم مختلف شرائح المجتمع.
أعمال معرض صدى المألوف


يشارك في هذا المعرض الاستثنائي أكثر من 28 فنانًا وفنانة سعودية، من بينهم عبيد الصافي، عبير السلطان، الآء دربزوني، دانا التركي، أحمد ماطر، فلوة ناظر، هيفاء القويز، كوثر العطية، مضاوي القويز، مشاري الدوسري، راشد الشعشعي، وراشد السبيعي، تحت إشراف القيّمة الفنية غيداء المقرن. وقد أكدت المقرن أن البيت هو مهد الأحلام الأولى، يحتضن الخصوصية والتطلعات واستكشاف الذوات. في “صدى المألوف”، تتلاقى ألعاب الطفولة مع رموز الثقافة الشعبية، حيث تبدو الأشياء عادية من الخارج لكنها تحمل عوالم كاملة في باطنها.
تستحضر الأعمال المعاصرة موضوعات الهوية والنشأة ضمن بيئة تتجه نحو التطور، مستخدمة مواد متعددة الطبقات وأضواء خافتة، مما يجعل الذاكرة تظهر كمشاعر بدلاً من كونها مجرد تاريخ. كما قال الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي، فإن بيئة الإنسان تشكل وعيه بذاته.
تستمد الأعمال الفنية إلهامها من تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل نسيج المجتمع السعودي. تبدأ من طقوس اللقاء وتبادل الأحاديث، وصولًا إلى تقاليد المائدة والعائلة، لتعيد صياغتها بلغة بصرية معاصرة تستكشف معنى الانتماء وتحوّلاته عبر الزمن. ومن خلال هذا المسار، لا يكتفي المعرض باستحضار صورة المنزل، بل يعيد اكتشافه كرمز للتحوّل والتواصل الإنساني. تعيد كل مساحة تعريف مفهوم الألفة، وتطرح أسئلة حول الذات والجماعة، وكيف يستمر المكان في تشكيل ملامح الهوية السعودية المتجددة.
بهذا المعنى، يصبح المعرض تأملاً في التطور الثقافي والاجتماعي، ورحلة عبر ذاكرة حيّة تعيد رسم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بين ما كنا عليه وما نصير إليه. يُعد “صدى المألوف” امتدادًا لمسيرة “إثراء” في دعم ومواكبة حركة التنوع والتطور في الساحة الفنية الإبداعية في السعودية، بالإضافة إلى تعزيز الحوار بين الفنانين والجمهور والمؤسسات الثقافية والفنية، وتشجيع الإقبال على التراث والتطلع نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
الموقع: معرض صدى المألوف، إثراء، الظهران
الأوقات: حتى 26 سبتمر2026، من 9 صباحًا وحتى 11 مساءً
التذاكر: يمكنكم الحصول على التذاكر بأسعار تبدأ من 35 ريالًا سعوديًا من هنا
مصدر الصور: مزود.
> اشترك بنشرة واتس أون مجانًا لتحصل على تحديثات حصرية عن كل ما تبحث عنه

