في مساء السادس من يوليو (تموز) عام 1986، في ملعب أزتيكا الكبير بمكسيكو سيتي، شهد العالم واحدة من أكثر اللحظات إثارة في تاريخ كرة القدم، الهدف الذي سجله دييغو مارادونا بيده في مرمى إنجلترا خلال ربع نهائي كأس العالم والذي أطلق عليه لاحقاً اسم “يد الله”.
فقد ارتقى مارادونا إلى كرة عالية بقبضته اليسرى، ثم وجهها نحو المرمى أمام أعين ملايين المشاهدين، بينما أعلن الحكم التونسي علي بن ناصر احتساب الهدف، وسط دهشة الإنجليز وذهول العالم.
ما جعل الحادثة تتجاوز حدود المباراة هو أنها كشفت عن الفجوة العميقة بين ما تراه الجماهير عبر الشاشات، وما يراه الحكام من أرض الملعب. وبعد اللقاء، أقر بن ناصر بأنه “لم يكن يرى بوضوح” بسبب تكدس اللاعبين أمام المرمى، وأنه انتظر إشارة مساعده البلغاري بوغدان دوتشيف الذي التزم الصمت، إذ لم تكن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم في ذلك الوقت تسمح بتدخل المساعدين إلا في نطاق محدود.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح التحكيم عنواناً دائماً للجدل في كرة القدم، وباتت صفارة الحكم تحاكم كما تحاكم الفرق. فالجماهير حول العالم تميل إلى تحميل الحكم مسؤولية كل خسارة أو قرار مثير، باعتباره “الطرف الأسهل” للوم، غير أن الدراسات الحديثة تكشف عن أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، وأن التحكيم ليس فعلاً فردياً وحسب، بل منظومة تتقاطع فيها الضغوط الجماهيرية والعوامل النفسية والتقنيات الحديثة.
الواقع البحثي عن التحيزات والتحكيم
ضمن دراسة نشرت في مجلة “فرونتيرز” للرياضة والنشاط البدني تحت عنوان “تحيز الحكام في كرة القدم الاحترافية”، تبين أن الحكام في الدوري النرويجي منحوا الفرق الأكثر نجاحاً عدداً أكبر من ركلات الجزاء مقارنة بالفرق الأخرى. وأظهرت النتائج أن الأندية الكبيرة نالت ما يعادل 110 في المئة من ركلات الجزاء التي حددها فريق خبراء مستقل، في حين حصلت الفرق الأقل شهرة على نحو 12.5 في المئة فقط، مما يشير إلى وجود ميل غير مقصود لدى الحكام لمصلحة الأندية ذات النفوذ أو الشعبية الأكبر.
وتفيد دراسة أخرى نشرتها مجلة “الرياضة والعلم” بأن الجماهير تؤثر في قرارات الحكم بوضوح، فوجد تحليل لأكثر من 5 آلاف مباراة ضمن الدوري الإنجليزي الممتاز، أن بعض الحكام يميلون إلى منح الفريق المستضيف قرارات أكثر إيجابية عند اللعب على أرضه.
كما أظهر بحث منفصل أن استخدام نظام الفيديو المساعد للحكم (VAR) رفع دقة قرارات الحكام من نحو 92.1 في المئة إلى نحو 98.3 في المئة في 13 دورياً مهماً.
لكن ليست كل الدراسات تشير إلى تراجع التحيز التحكيمي، إذ أظهرت دراسة نشرت عام 2024 في مجلة “العلوم الرياضية والطب وإعادة التأهيل” أن إدخال تقنية الفيديو لم يحدث تغييراً كبيراً في حجم التحيز لدى الحكام، سواء تجاه الفريق صاحب الأرض أو تجاه فرق بعينها، بل اقتصر تأثيره في الغالب في تقليل عدد الأخطاء الفادحة فقط.
وخلص بحث آخر نشر عام 2015 ضمن سلسلة أوراق بحثية صادرة عن “معهد البحوث الاقتصادية الألماني” إلى أن قرارات الحكام لا يمكن اختزالها في الأخطاء الفردية أو ضعف الرؤية، بل تتأثر بعوامل أوسع تشمل الخبرة الشخصية والضغوط الجماهيرية والإعلامية والسياق الاجتماعي والاقتصادي المحيط بالمباراة.
ووفقاً للموقع الرياضي Dutch Referee، شدد معلق كرة القدم البريطاني جون موتسون على صعوبة مهمة الحكم وسط صخب الجماهير، قائلاً إن “الحكم يتخذ قراراته في لحظة ملتهبة بينما يصرخ عشرات الآلاف حوله”، مؤكداً أن التحكيم في كرة القدم من أكثر المهمات تعقيداً، إذ يتطلب سرعة بديهة وشجاعة في آنٍ واحد.
التحكيم في السعودية تحت المجهر
في السعودية، تضاعف الجدل التحكيمي خلال المواسم الأخيرة مع الطفرة التي يشهدها الدوري المحلي، سواء من ناحية النجوم العالميين أو الاستثمارات الضخمة. ومع ارتفاع سقف التوقعات، باتت كل صفارة محل نقاش وأي قرار مثير يتحول إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود المباراة.
وخلال الأسابيع الماضية تحديداً، تصاعدت حدة الجدل بعد سلسلة من القرارات التحكيمية المثيرة، تراوحت ما بين ضربات جزاء مثيرة للجدل وحالات طرد اعترضت عليها الفرق الخاسرة. وانتقلت النقاشات سريعاً من الملاعب إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المشجعون بين من يرى الأخطاء جزءاً طبيعياً من اللعبة، ومن يؤكد أن التحكيم بات يؤثر في نتائج الدوري ويمنح أفضلية لفريق على حساب آخر.
وشهدت المنصات الرياضية خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ونوفمبر (تشرين الثاني) الجاري موجة غير مسبوقة من النقاشات المصحوبة بمقاطع فيديو وتحليلات للجمل التحكيمية المثيرة، وسط مطالبات بزيادة الشفافية ونشر تسجيلات غرف تقنية الفيديو (VAR) كما تفعل بعض الدوريات الأوروبية. وتحول وسم “التحكيم السعودي” إلى قائمة الأكثر تداولاً مرات عدة، خصوصاً بعد مباريات شهدت قرارات حاسمة غيرت مجرى النتائج في الدقائق الأخيرة.
وبحسب بيانات الاتحاد السعودي لكرة القدم، تلقت لجنة الحكام خلال موسم 2023–2024 أكثر من 250 احتجاجاً رسمياً من الأندية على قرارات تحكيمية، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المسابقة، وجاء ذلك بعد موسم شهد تصاعداً ملحوظاً في الجدل حول أداء الحكام المحليين، دفع الاتحاد إلى توسيع الاستعانة بحكام أجانب في عدد من المباريات الحساسة خلال عام 2023.
وفي موازاة ذلك، واصلت لجنة الحكام تنفيذ برنامجها التطويري بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتأهيل أكثر من 120 حكماً سعودياً على استخدام تقنية الفيديو والتعامل مع المواقف عالية الحساسية، في خطوة تستكمل جهوداً بدأت منذ عام 2021 عقب اعتماد التقنية رسمياً في الدوري السعودي خلال موسم 2020–2021.
ماذا حصل مع حكام “يد الله”
بعد هدف “يد الله”، لا يزال حكم المباراة علي بن ناصر موضوع نقاش بين المشاورين والمشجعين على حد سواء. بن ناصر اعترف لاحقاً أن شيئاً ما بدا له خطأ، لكنه قال إنه اتبع تعليمات “فيفا” التي أكدت أن “ما لم يشر إليه مساعدا الحكم علناً، فيجب أن يحتسب القرار كما هو”.
أما مساعده بوغدان دوتشيف، فذكرت تقارير أنه لمح إلى وجود خطأ، لكنه لم يكن مخولاً آنذاك بالتواصل المباشر لتغيير قرار الحكم الرئيس. وعام 2017 أحييت ذكراه بعد وفاته، وكان عنواناً عريضاً في وسائل الإعلام “مارادونا دمر حياتي المهنية”.
من الناحية المهنية، لم يعُد بن ناصر يدير مباريات في كأس العالم بعد تلك المباراة، وعلى رغم أنه واصل مسيرته الدولية، فإن تلك الحادثة طبعت تاريخه. وخلال مقابلة لاحقة، أكد أنه لو كانت تقنية الفيديو موجودة عام 1986 لألغي الهدف على الفور.

