سعاد خليل
عندما نفكر في الفنان، غالبًا ما تتبادر إلى أذهاننا أعماله وإبداعه، أما ما يميز بعض الشخصيات عن غيرها، فهو الإنسانية التي تسبق الفن.
والفنان سالم عيسى أحد هؤلاء القلائل الذين يتجاوز عطاؤهم حدود الإبداع، ليصبح مثالًا حيًا للكرم، الوفاء، والصبر.
في هذه الصفحات، سأحكي عن سالم عيسى كما عرفته، عن رحلاتنا المشتركة، عن المواقف الإنسانية التي تكشف عن قلبه الكبير، وعن القوة الداخلية التي تجعل منه نموذجًا نادرًا للفنان والإنسان في آن واحد.
عرفت الفنان سالم عيسى منذ أكثر من خمسين عامًا، وعلاقة ودية وإنسانية امتدت طوال هذه السنوات، جعلتني أراه ليس فقط فنانًا مبدعًا، بل إنسانًا استثنائيًا في عطائه وكرمه وصفائه. هذه الشهادة ليست مجرد سرد لمسيرته الفنية، بل محاولة لتوثيق جوهر شخصيته الإنسانية، الذي كان حاضرًا في كل موقف وكل تجربة.
المسيرة الفنية والإنجازات
في مجال الفن، يمتلك سالم عيسى سيرة ذاتية غنية بالإنجازات والتكريمات، فقد شارك في مهرجانات محلية وعربية وعالمية، وتقلد مناصب مهمة، منها مدير مكتب رئيس الهيئة العامة للإعلام والثقافة، ومدير مكتب رئيس ديوان وزارة الثقافة بالمنطقة الشرقية، ومدير مكتب وزير الثقافة والفنون، والمدير التنفيذي لمهرجان المسرح الفكاهي، حتى أصبح الرئيس الفخري لمهرجان درنة الزاهرة. كل هذه المناصب والتكريمات تعكس تقدير الآخرين لموهبته وكفاءته، لكنها لا تعكس سوى جزء من شخصيته الحقيقية.
الإنسانية في التعامل مع الآخرين
فالإنسان سالم يظهر بأوضح صورة في علاقاته الشخصية. صدره رحب، ويده دائمًا ممدودة للمساعدة. لا يعرف الكلل في تقديم الدعم لكل من يقصده، ولا يتردد في التضحية براحته أو وقته من أجل الآخرين. وكنتُ شخصيًا شاهدة على هذا الجانب الإنساني في رحلات عدة، عندما رافقني في مشاركاتي المسرحية في القاهرة وتونس والأردن وسوريا، إضافة إلى مشاركاتنا في ليبيا. في كل رحلة، كان سالم عيسى حضورًا داعمًا ومرشدًا ورفيقًا صادقًا، يشاركنا الفرح والإرهاق والنجاح، ويجعل لكل تجربة أثرًا لا يُنسى.
الصداقة والوفاء
إن صداقته الوفية للفنان الراحل صالح الأبيض كانت خير مثال على جوهره النبيل. فقد ترك سالم عيسى أعماله وأسرته ورافق صالح في رحلات علاجه إلى تونس والصين، ولم يفارقه حتى فارق الحياة. هذا النوع من الصداقة والوفاء لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال الصامتة التي تتحدث عن نبل الشخصية وصدق العاطفة.
مواجهة المرض واستمرار العطاء
حتى عندما تعرض لمرض خبيث ، واجه سالم عيسى امتحانًا قاسيًا جسديًا وروحيًا، لكنه لم يحول معاناته إلى سيرة ألم أو دراما شخصية. كان ما قدّمه طوال سنوات من عطاء صادق ووقوف إلى جانب الآخرين ويدٍ ممتدة للمحتاجين كشفاء روحي، كما لو أن أعماله الخيرة كانت شفاعة له في مواجهة المرض. تعافى، واستعاد عافيته، واستمر في عمله الإبداعي، يمارس الفن كما اعتاده دائمًا: فعل حياة، ورسالة، وعطاء دون انتظار مقابل.
الثبات في مواجهة الجحود والفقد
ما أثر في نفسي بشكل عميق، أن هذا الإنسان أحسن إلى الكثيرين، وفتح قلبه ويده دون حساب، لكن بعضهم قابله بالجحود. ومع ذلك، لم يحمل في داخله حقدًا، ولم يسمح لخيبة الإنسان أن تغيّر ملامحه أو مساره. بقي كما هو، نقيًا في عطائه، ثابتًا في أخلاقه، مؤمنًا بأن الخير لا يُقاس برد الفعل، بل بصدق النية واستمرارية الفعل.
ورغم فاجعة استشهاد ابنه على يد التنظيمات الإرهابية، لم يستغل سالم عيسى هذا الحدث الجلل لتحقيق مكاسب أو حضور إعلامي، ولم يحوّل الفقد إلى شعار أو أداة لتأثير عاطفي
. اختار الكرامة طريقًا، والصبر لغة، واستمر في العطاء الإنساني والفني بلا ضجيج، محافظًا على جوهره الذي عرفته منذ أول لقاء بيننا.
الروابط العائلية
علاقتي بسالم عيسى لم تقتصر على العمل أو الفن، بل امتدت لتصبح علاقة عائلية حقيقية. فهو يعرف عائلتي وأبنائي، ويعاملهم بمحبة واحترام عميقين، حتى صاروا يعتبرونه أقرب الأقارب، ويحظون بالدفء والاهتمام نفسه الذي أراه في شخصه. وأنا بدوري، أحمله في قلبي احترامًا ومودة لم تتأثر بالسنوات أو الظروف، بل ازداد ربطنا بالمودة والوفاء مع مرور الوقت. هذا البعد العائلي يعكس نبل شخصيته وصدق قلبه، ويضيف بعدًا إنسانيًا آخر يجعل شهادتي عنه أكثر صدقًا وعمقًا.
الجمع بين الفن والإنسانية
سالم عيسى هو مثال نادر للإنسان الذي يجمع بين العطاء الفني والرحمة الإنسانية. فحتى في أعلى المناصب التي تقلدها، لم يربط نجاحه أو سلطته بالمكانة الاجتماعية، بل جعلها وسيلة لخدمة الآخرين، وعينًا ساهرة على كل من يحتاج إلى دعم. لقد كان مديرًا مسؤولاً وفاعلًا مجتهدًا، لكنه في الوقت نفسه قريبًا من الناس، صادقًا في تعامله، متواضعًا في كل أمر.
الصمود واستمرارية العطاء
الجانب الإنساني عنده يتجلى أيضًا في بساطته وقدرته على الصمود في مواجهة المصاعب، وفي استمراره في العطاء رغم كل حزن وفقد ومرض. إنه مثال حي على أن الفن ليس مجرد موهبة أو مسيرة مهنية، بل انعكاس لشخصية تتجاوز حدود الإبداع لتصل إلى قلب الآخرين. الإنسانية هنا هي معيار النجاح الحقيقي، وليس الشهرة أو المكاسب.
شهادة شخصية
عندما أكتب عن سالم عيسى، لا أكتب عن فنان عادي، بل عن إنسان جعل من حياته رسالة، ومن عطائه جسرًا يصل بين الناس، ومن صداقته وفاءً خالدًا. هو الذي رافقنا في السفر والرحلات، ووقف معنا في المسرح، وشاركنا النجاحات والإرهاق، ومع كل ذلك، ظل بعيدًا عن كل مظاهر التعظيم الشخصي أو الانشغال بالشهرة. هو مثال للوفاء، للعطاء، للكرامة، وللثبات النفسي والأخلاقي.
إن الحديث عن سالم عيسى ليس فقط عن إنجازات فنية، أو أدوار مسرحية، أو مناصب رسمية، بل عن الإنسانية في أسمى صورها، عن قدرة القلب النبيل على العطاء المستمر رغم كل ألم، وعن القوة الداخلية التي لا تنكسر أمام الصعاب أو الجحود. هو شهادة حية على أن الإنسان يمكن أن يكون عظيمًا قبل أن يكون فنانًا، وأن الجوهر الأخلاقي يمكن أن يبقى مضيئًا حتى في أحلك الظروف.
سالم عيسى، الذي أعرفه عن قرب، يعلّمنا درسًا مهمًا: أن الفن بلا إنسانية قد يبهت، وأن الإنسانية بلا فن قد تبقى صامتة، لكن عندما يجتمع الفن والإنسانية في شخص واحد، يولد تأثير يتجاوز الزمن والمكان، ويترك أثرًا خالدًا في كل قلب التقى به.
في ختام هذه الشهادة، يمكنني القول إن سالم عيسى ليس مجرد فنان يضيء المسرح أو يملأ القلوب بالإبداع، بل إنسان يضيء حياة من حوله بالعطاء والوفاء والصبر. لقد رأيت عن قرب كيف يوازن بين الفن والإنسانية، كيف يواصل العطاء رغم الألم والفقد، وكيف يبقى ثابتًا أمام الجحود، محتفظًا بصفاء قلبه ونقاء روحه.
هذا المقال شهادة مني، شهادة على شخصية عظيمة تعرفت عليها عن قرب، على إنسان لم تسمم الظروف قلوبه ولم يغيره الألم، بل جعله أكثر ثباتًا وعطاءً. انه يعلمنا أن الإنسانية قبل كل شيء هي جوهر الحياة الحقيقي، وأن العطاء الصادق والوفاء الحقيقي هما ما يخلد الإنسان في ذاكرة الآخرين أكثر من أي إنجاز أو لقب.
إنه نموذج حي يثبت أن الفنان الحقيقي هو من يزرع الخير قبل الشهرة، ويترك أثرًا دائمًا في القلوب قبل أن يتركه على الصفحات أو المسرح. ومن هذه الشهادة، أرجو أن يشعر القارئ بما شعرت به، وأن يستلهم من هذه الرحلة الإنسانية درسًا في الصبر، العطاء، والوفاء.


