في ظل تصاعد العزلة الدولية المفروضة على إسرائيل، لم تعد المواجهة محصورة في ساحات السياسة، بل امتدت إلى الفضاء الثقافي الأوروبي، حيث باتت المشاركة الإسرائيلية في الفعاليات الفنية مثار انقسام حاد.
أحدث هذه الساحات -كما جاء في حلقة “المرصد” بتاريخ (2025/12/22)- كان مهرجان “يوروفيجن” الغنائي، الذي وجد نفسه مجددا في قلب صراع تتداخل فيه الموسيقى مع السياسة، والقيم المعلنة مع الحسابات الواقعية.
ففي خطوة أثارت جدلا واسعا، أصر اتحاد البث الأوروبي على السماح لإسرائيل بالمشاركة في نسخة 2026 من المسابقة، المقررة في العاصمة النمساوية فيينا، رغم استمرار الحرب على غزة وما خلفته من احتجاجات شعبية واسعة داخل أوروبا.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
لم يمر القرار دون كلفة، فقد أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها إسبانيا وهولندا وأيرلندا وسلوفينيا، انسحابها أو مقاطعتها للحدث، معتبرة أن المشاركة الإسرائيلية تتعارض مع مبادئ الخدمة العامة ومعايير الأخلاق التي يفترض أن تحكم الفعاليات الثقافية العابرة للحدود.
في الشارع الأوروبي، كانت الرسالة أوضح؛ احتجاجات حاشدة شهدتها مالمو السويدية خلال نسخة 2024، ثم بازل السويسرية في نسخة 2025، حيث رفض المتظاهرون ما وصفوه بمحاولات “تطبيع ثقافي” مع حرب الإبادة في غزة. مشاهد باتت مألوفة كلما ارتبط اسم إسرائيل بمحفل فني أو رياضي.
وعادة ما يلجأ اتحاد البث الأوروبي إلى آلية التصويت لحسم القضايا الخلافية، إلا أنه هذه المرة اعتبر مشاركة إسرائيل “مسألة تقنية” لا تستدعي تصويت الأعضاء، في محاولة معلنة لإبقاء المسابقة بعيدة عن السياسة. غير أن هذا التوصيف لم يمنع تفجر الخلاف داخل الاتحاد نفسه.
في أيرلندا، أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون رفضها بث المسابقة، مؤكدة أن المشاركة في ظل الظروف الراهنة لا تنسجم مع مبادئها. أما في إسبانيا، فقد ذهبت القناة الرسمية خطوة أبعد، حيث بثت تقريرا عن مشاركة إسرائيل مرفقا بصور القصف والمجازر في قطاع غزة.
خسارة إسبانيا تحديدا شكلت ضربة موجعة للمسابقة، لأنها من أكبر المساهمين ماليا وتحصل تلقائيا على مقعد في النهائيات، ما يعني أن غيابها لا يحمل بعدا سياسيا فقط، بل أثرا ماليا وجماهيريا مباشرا.
ازدواجية المعايير
في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلنت آيسلندا انضمامها إلى قائمة المقاطعين، مبررة قرارها بغياب أي أجواء للسلام أو البهجة تبرر إقامة المسابقة. في المقابل، رحبت وسائل الإعلام الرسمية في ألمانيا والنمسا بقرار الاتحاد، معتبرة أن “القواعد والقيم” أقوى من الضغوط الشعبية.
هذه المواقف أعادت إلى الواجهة قرار اتحاد البث الأوروبي عام 2022، حين استبعد روسيا بالإجماع بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، مبررا ذلك بالحفاظ على سمعة المسابقة. مقارنة عززت الاتهامات بازدواجية المعايير، ودَفعت موسكو لاحقا إلى إطلاق مسابقة “إنترفيجن” كبديل ثقافي مواز.
كوريا الشمالية في الإعلام الغربي
على الضفة الأخرى من المشهد الإعلامي العالمي، تبرز كوريا الشمالية كحالة فريدة. دولة استعصى الاقتراب منها إعلاميا لما يقرب من 8 عقود، ما جعل الصورة القادمة منها شبه حصرية بالعروض العسكرية واللقطات الرسمية.
في العرض العسكري الأخير في بيونغ يانغ، بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس حزب العمال، ركزت التغطيات الغربية على صاروخ “هواسونغ 20” الباليستي العابر للقارات، والذي وُصف بأنه الأكثر تطورا في الترسانة الكورية الشمالية، وقادر على بلوغ البر الرئيسي للولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، عرضت بيونغ يانغ صواريخ فرط صوتية، وطائرات مسيّرة انتحارية، ومنصات إطلاق متعددة، في مشاهد عززت الانطباع السائد عن بلد يعيش في حالة استعداد دائم للحرب.
الإعلام الغربي يبرر هذه الصورة بغياب الوصول الميداني، إذ نادرا ما يسمح للصحفيين بدخول البلاد. لكنّ خبراء إعلاميين يرون أن هذه الندرة تحولت إلى أرض خصبة للتضخيم والتأويل، حيث تُبنى قصص كاملة على صور محدودة أو مصادر مجهولة.
أحد أبرز الأمثلة كان الظهور الأول لابنة كيم جونغ أون في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. صورة واحدة أشعلت موجة من التكهنات حول الخلافة، رغم غياب أي مؤشرات رسمية. الأمر نفسه تكرر مع شقيقته كيم يو جونغ، التي قُدمت في بعض التغطيات بوصفها “المرأة الأقوى” في النظام.
شائعات متكررة
على مدار سنوات، راجت في الإعلام الغربي قصص عن تسريحات شعر موحدة، ومقاس واحد لبدلات الجنود، وطقوس سلوك صارمة، تبين لاحقا أن كثيرا منها بلا أساس. ومع ذلك، حافظت هذه الروايات على حضورها بسبب الجاذبية الخاصة لأي خبر قادم من بلد يوصف بأنه “مغلق”.
حتى قطار كيم جونغ أون تحول إلى أسطورة إعلامية، تنسج حوله روايات عن طوله اللامتناهي ومستوى الحماية والرفاهية داخله، في وقت يشير فيه باحثون إلى أن كثيرا من هذه القصص مصدرها تسريبات استخباراتية أكثر من كونها عملا صحفيا تقليديا.
يعترف مسؤولون أميركيون سابقون، بينهم روبرت غيتس ودونالد غريغ، بأن كوريا الشمالية تعد من أصعب الأهداف استخباراتيا في العالم. ومع ذلك، يقر بعضهم بأن الصورة السائدة لا تعكس الواقع كاملا، مشيرين إلى مظاهر حياة لا تتطابق دائما مع السردية النمطية.
في هذا السياق، جاء افتتاح منتجع “وونسان كالما” السياحي على الساحل الشرقي للبلاد ليربك الصورة الجاهزة. مشروع ضخم يضم فنادق ومنشآت ترفيهية، مفتوح للكوريين الشماليين، لكنه لا يزال مغلقا أمام الأجانب.
Published On 22/12/2025
|
آخر تحديث: 21:55 (توقيت مكة)

