تونس ـ «القدس العربي»: شهدت المنطقة المغاربية خلال سنة 2025 حركة ثقافية غنية ومكثفة، وتواصلت سلسلة من المهرجانات والملتقيات التي تعتبر من العلامات الثقافية البارزة في المشهد، بدءًا من معارض الكتاب إلى مهرجانات الصيف الكبرى، وصولاً إلى فعاليات المسرح والسّينما التي تجمع بين الحضور الجماهيري والاتجاهات الفكرية والفنية المتنوعة.
نقرأ لنبني
وفي تونس انطلقت في 25 نيسان/أبريل الماضي فعاليات الدورة 39 لمعرض تونس الدولي للكتاب تحت شعار «نقرأ لنبني»، في قصر المعارض بالكرم بالعاصمة. وتواصلت الفعالية حتى 4 آيار/مايو بجلسات حوارية، توقيعات كتب، ولقاءات مع كبار الكُتّاب والمثقفين. شهدت الدورة مشاركة واسعة من دور نشر تونسية وعربية ودولية، بلغ عددها نحو 313 دار نشر من 29 دولة، مع أكثر من 109 ألف عنوان كتاب، ما مثل زيادة نوعية مقارنة بالسنوات الماضية.
وقد اختُيرت الصين ضيف شرف للدورة، حيث مثل جناحها المجهز مساحة للتبادل الثقافي واتفاقيات تعاون بين المثقفين التونسيين والصينيين. كما احتضن المعرض مجموعة من الفعاليات الخاصة بالقراءة الرقمية والذكاء الاصطناعي في مجال النشر.
وتميز المعرض هذا العام ببرامج متعددة شملت ورشات عمل للأطفال، زيارات مدرسية، جلسات نقاش مع مفكرين عرب وأجانب، وإطلاق جوائز أدبية في مجالات الرواية، الشعر، الترجمة، والكتابات الفلسفية. وقد عزز ذلك دور معرض تونس الدولي للكتاب كمنصة فكرية حيوية لا غنى عنها في المشهد الثقافي التونسي الثري بالأحداث الثقافية.
الموسيقى والحضور اللافت
على امتداد صائفة 2025، احتضنت تونس فعاليات الدورة 59 من مهرجان قرطاج الدولي، الذي يعد من أعرق المهرجانات الفنية في المنطقة، واستمر من 19 تموز/يوليو إلى 21 اب/اغسطس. وأسهمت هذه النسخة في تقديم مزيج متنوع من العروض الغنائية والموسيقية، تجمع بين فنون متنوعة وفنانين محليين وعالميين.
وشهد المهرجان عروضًا لنجوم مثل لطيفة، إبراهيم معلوف، نانسي عجرم، إلى جانب ليالي المهرجان التي احتفت بالتراث الموسيقي التونسي والعالمي. كما جاءت العروض في إطار محاولة لإعادة الحيوية إلى المسرح الموسيقي في تونس وتجذير التواصل الثقافي بين الأجيال.
ولا يخلو مهرجان بهذا الحجم من جدليات، فقد شهدت الدورة إلغاءات لفعاليات فنية بسبب حساسية بعض التفاصيل الثقافية والسياسية، وهو ما أثار نقاشات واسعة في الفضاء العام التونسي حول دور المهرجانات في فترات التوتر الاجتماعي والسياسي.
وفي ساحة الفنون والموسيقى أيضًا، استمر كل من مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية ومهرجان الحمامات الدولي في رسم علامات ثقافية صيفية لا تزال تجذب عشّاق الموسيقى العالمية والمحلية. وتميزت دورة الحمامات لسنة 2025 ببرنامجها الذي امتد من 11 تموز/يوليو إلى 13 آب/أغسطس، وضمت 36 عرضًا فنيًا متنوعًا، مع مشاركة فنانين من 15 دولة، وتنوعت البرمجة في الاتجاهات الموسيقية المختلفة من الكلاسيكية إلى التجريبية إلى غيرها. وافتتح المهرجان بعرض تونسي مميز بعنوان «رقوج العرض» تكريمًا لروح الفنان الراحل كافون وحضرته شخصيات فنية بارزة من العالم.
السينما والمسرح
وفي أواخر السنة، نظمت وزارة الشؤون الثقافية فعاليات أيام قرطاج السينمائية في نسختها السادسة والثلاثين، التي تُعَدُّ من أهم المهرجانات السينمائية في أفريقيا والعالم العربي. وحمل الحدث طابعًا احتفاليًا واحترافيًا، مع عروض أفلام طويلة وقصيرة، جلسات نقاش، وورشات إنتاج سينمائي.
وانطلقت الدورة السادسة والثلاثون لأيام قرطاج السينمائية في تونس ببرنامج متنوع يضم 165 فيلمًا من 23 دولة، بين أفلام طويلة وقصيرة ووثائقية، مصنّفة في مسابقات رسمية وأقسام خاصة تعكس رؤية المهرجان نحو الانفتاح على السينما العالمية مع الحفاظ على جذوره العربية والأفريقية.
وافتتح المهرجان بفيلم «فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، وهو عمل درامي تاريخي يقارب فصولًا من النضال الفلسطيني في الثلاثينات، ما وضع القضية الفلسطينية في صلب الحدث منذ لحظة الافتتاح.
وضمن المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة يبرز حضور أعمال تونسية مهمة مثل «سماء بلا أرض» لأريج السحيري، «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية، و«وين يأخذنا الريح» لآمال قلاتي، إلى جانب عدد من الأفلام العالمية التي تتناول موضوعات إنسانية واجتماعية من زوايا مختلفة. كما شملت عروض المهرجان أقسامًا متنوعة مثل السينما الوثائقية، والقصيرة، ونافذة على سينما أمريكا اللاتينية التي تقدّم أعمالًا تحمل نظرات جديدة نحو الطبيعة والهوية.
بالإضافة إلى ذلك، عرضت في قسم بانوراما السينما التونسية حوالي 15 فيلمًا تونسيًا يعكس تنوّع المشهد المحلي. كما حضرت مسابقة السينما الواعدة التي تتيح الفرصة لأصوات جديدة من مختلف أنحاء العالم.
ولم تقتصر الحركة الفنية على الموسيقى والسينما، بل امتدت إلى المسرح من خلال الدورة 26 من مهرجان أيام قرطاج المسرحية التي أقيمت من 22 إلى 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تحت شعار «المسرح، وعي وتغيير». وتميزت الدورة ببرامجها الثرية التي ضمت أكثر من 70 عرضًا مسرحيًا محليًا وعالميًا، وورشات مهنية ومناقشات نقدية حول مسارات المسرح المعاصر.
وكان العرض الافتتاحي «الملك لير» من بطولة الفنان المصري يحيى الفخراني واحدًا من أبرز اللحظات التي جذبت اهتمام الجمهور والنقاد. وهو ما يؤكد استمرار تونس كمركز للمسرح العربي وجسر للتواصل الثقافي بين تونس والعالم.
الفن التشكيلي
تميّزت سنة 2025 بزخم واضح في المشهد التشكيلي التونسي، حيث توزّعت المعارض بين الفضاءات الرسمية والخاصة، مؤكدة تنوّع التجارب والأساليب. فقد احتضنت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي معارض فردية وجماعية من أبرزها معرض للفنان نجيب بلخوجة في قراءة «استعادية» لأعماله، ومعرض آمال بن عمار الذي اشتغل على الذاكرة النسوية عبر الرسم وفنون التركيب. كما قدّم الفنان الناصر بالشيخ معرضًا نحتياً لافتًا تفاعل فيه الحجر مع الفضاء المعماري. وفي الفضاءات الخاصة، شهد رواق يحيى للفنون معارض لفنانين من أجيال مختلفة، من بينهم محمد بن مفتاح وعبد الرزاق عرعود، حيث تنوّعت الأعمال بين التجريد والتشخيص المعاصر. أما دار الفنون بالبلفيدير، فكانت منصة لعدد من الفنانين الشباب، من بينهم ريم بن سعيد وهيثم دربال، الذين راهنوا على الصورة الرقمية وفنون الفيديو. وساهمت المعاهد الثقافية الأجنبية بتونس، لا سيما المعهد الفرنسي والمعهد الثقافي الإيطالي، في تنظيم معارض مشتركة لفنانين تونسيين وأجانب، معزّزة بذلك الحوار البصري المتوسطي. وقد عكست هذه المعارض مجتمعة انشغال الفنان التونسي بأسئلة الهوية، والتحولات الاجتماعية، والبحث عن أشكال تعبير جديدة تتجاوز القوالب التقليدية.
لقد كانت 2025 سنة حافلة في الأجندة الثقافية في تونس، فقد جسّد فيها المثقفون والفنانون رغبة قوية في تقديم فنونهم وإبداعهم في ظروف صعبة، بينما برز بعض الجدل في الفضاء العام حول محتوى المهرجانات وأهدافها، وكذلك حول السياسات الثقافية العامة. غير أن الحضور الجماهيري الواسع في التظاهرات الثقافية الكبرى يثبت أن الثقافة ما تزال ركيزة أساسية في الحياة الاجتماعية التونسية، ومرآة للتنوع والهوية الوطنية.
بين الانفتاح والتجذّر
كما شكّلت سنة 2015 محطة ثقافية بارزة في المغرب، حيث تواصلت خلالها التظاهرات الكبرى التي كرّست موقع المملكة كفضاء للتلاقي الثقافي بين أفريقيا والعالم العربي وأوروبا. وقد تميّز المشهد الثقافي المغربي بتنوّعه، جامعًا بين الفنون الأدبية والموسيقية والسينمائية، ومؤكدًا دور الثقافة كرافعة للهوية والانفتاح.
ومن أبرز هذه الأحداث الثقافية المغربية، المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، الذي واصل حضوره كأكبر موعد ثقافي سنوي في البلاد. واستقطب المعرض آلاف الزوار واحتضن ندوات فكرية ولقاءات مع كتاب ومفكرين مغاربة وعرب وأجانب، ناقشت قضايا النشر، والقراءة، والتحولات المجتمعية، إلى جانب توقيعات لإصدارات جديدة في الرواية والفكر والتاريخ.
وفي المجال الموسيقي، واصل مهرجان «موازين ـ إيقاعات العالم» تأكيد مكانته كأحد أهم المهرجانات الموسيقية، مستضيفًا فنانين عالميين وعربًا ومغاربة، وجاذبًا جمهورًا واسعًا من داخل المغرب وخارجه. وعكس المهرجان تنوّع الأذواق الموسيقية وانفتاح الساحة الفنية المغربية على التجارب العالمية، رغم الجدل الذي رافقه حول كلفته وجدواه الثقافية.
أما السينما، فقد كانت حاضرة بقوة من خلال المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي حافظ على إشعاعه الدولي، مقدّمًا عروضًا لأفلام من مختلف القارات، ومكرّسًا حضور السينما المغربية ضمن البرمجة الرسمية والأنشطة الموازية. كما شكّل المهرجان فضاءً للحوار بين السينمائيين والنقاد، ودعمًا للأفلام الشابة.
وفي مجال الموسيقى الروحية، برز مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة كموعد ثقافي مميز، جامعًا بين الفن الروحي والتصوف والحوار بين الثقافات، في سياق يعكس الخصوصية الحضارية للمغرب. كما شهدت السنة نشاطًا ملحوظًا في الفنون التشكيلية والمسرحية عبر معارض ومهرجانات جهوية، أسهمت في تنشيط الحياة الثقافية خارج المراكز الكبرى. وبذلك، بدت الثقافة في المغرب خلال العام مجالًا للتفاعل بين الأصالة والتحديث، وعنصرًا أساسيًا في بناء صورة المغرب الثقافية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
الذاكرة ورهانات التجديد
وشهدت الجزائر خلال سنة 2025 حركية ثقافية متواصلة، عكست حرص المؤسسات الثقافية والفنانين على الحفاظ على الدور الرمزي للثقافة في المجتمع، في سياق إقليمي ودولي متحوّل. فقد تواصل تنظيم التظاهرات الثقافية الكبرى التي تشكّل أعمدة المشهد الثقافي الجزائري، مع حضور واضح للبعد التاريخي والوطني، إلى جانب محاولات الانفتاح على أشكال تعبير معاصرة.
ومن أبرز المحطات الثقافية، الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، الذي حافظ على مكانته كأهم موعد ثقافي سنوي في البلاد. واستقطب الصالون عددًا كبيرًا من دور النشر والكتّاب الجزائريين والعرب والأجانب، وشكّل فضاءً للنقاش حول قضايا عديدة.
وفي المجال السينمائي، واصلت الجزائر دعم الإنتاج السينمائي الوطني من خلال مهرجانات سينمائية محلية ودولية، أبرزها التظاهرات المخصصة للسينما الأفريقية والعربية، حيث حظيت الأفلام الجزائرية بحضور لافت، خاصة تلك التي عالجت مواضيع الذاكرة الثورية، والهجرة، والتحولات الاجتماعية. كما عادت قاعات السينما تدريجيًا إلى لعب دورها الثقافي في مدن كبرى.
أما المسرح، فقد حافظ على مكانته كأحد أهم الفنون في الجزائر، من خلال المهرجان الوطني للمسرح المحترف وتظاهرات جهوية أخرى شهدت مشاركة فرق من مختلف ولايات البلاد قدّمت عروضًا تراوحت بين النص الكلاسيكي والتجريب المسرحي المعاصر، مع اهتمام خاص بقضايا الإنسان الجزائري الراهنة. وفي الموسيقى، تواصل حضور مهرجانات الموسيقى الأندلسية، والراي، والموسيقى الأمازيغية، مؤكدة تنوّع المشهد الموسيقي الجزائري وعمقه التاريخي. وعلى مستوى الفنون التشكيلية، نُظّمت معارض في المتاحف الوطنية والفضاءات الثقافية، عكست تلاقي الأجيال الفنية، واشتغال الفنان الجزائري على قضايا الذاكرة، والمدينة، والهوية البصرية.
وبذلك، بدت سنة 2025 في الجزائر سنة ثقافية قائمة على التوازن بين الوفاء للذاكرة الوطنية والسعي إلى تجديد أدوات التعبير، في مشهد يؤكد أن الثقافة تظل ركيزة أساسية في بناء الوعي الجماعي.

