Published On 30/12/2025
|
آخر تحديث: 17:34 (توقيت مكة)
يروى أنه في زمن غابر، وتحديدا في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، اعتاد ملك روماني على قص زهور الخشخاش في حديقته باستمرار، رغم مظهرها الجميل اللافت. ما كان يزعج الملك هو شيء واحد.. لقد كانت هذه الزهور الجميلة أطول من غيرها. وقيل إن تلك الممارسة لم تكن سوى إشارة رمزية تعكس هوس الملك في التخلص من الشخصيات البارزة.
مع مرور الوقت تمت استعارة مصطلح “الخشخاش الطويل” ليشير إلى الأشخاص المتميزين في المجتمع، قبل أن يطور علماء النفس مصطلح “متلازمة الخشخاش الطويل” للإشارة إلى رفض التفوق الفردي، ومحاربته بنقده أو السخرية منه والتقليل من أهميته.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ما “متلازمة الخشخاش الطويل”؟
متلازمة الخشخاش الطويل أو (Tall Poppy Syndrome)، هي ظاهرة في علم النفس تشرح الميل الاجتماعي إلى محاربة المتفوقين بدلا من تشجيعهم والاحتفاء بإنجازاتهم. ولا تصنف هذه المتلازمة على أنها مرض نفسي إنما تعكس نمطا ثقافيا اجتماعيا شائعا له جذور نفسية عميقة وتأثيرات فردية وجماعية خطيرة.
وتدفع هذه المتلازمة الأشخاص إلى تقويض مكانة الأفراد الناجحين أو البارزين، لمجرد أنهم تميزوا أو تفوقوا على غيرهم. إذ يشبَّه الشخص الناجح هنا بزهرة خشخاش نمت أطول من غيرها في الحقل، فيتم قصها لتبقى على قدم المساواة مع بقية الأزهار.
هذا السلوك لا يخفي بالضرورة نية عدائية واعية، ففي كثير من الحالات يكون تلقائيا أو قد يجد له أصحابه مبررات أخلاقية، مثل اتهام الناجح بالغرور، أو الادعاء أن إنجازه غير مستحق، أو التقليل من قيمته عبر نسب النجاح إلى الحظ أو العلاقات.
الأسباب النفسية والاجتماعية الكامنة وراء المتلازمة
المقارنة الاجتماعية والشعور بالتهديد
أحد أبرز المحركات النفسية لمتلازمة الخشخاش الطويل هو المقارنة الاجتماعية. عندما يحقق شخص ما نجاحا واضحا، قد يشعر الآخرون -دون وعي- بأن هذا النجاح يفضح إخفاقاتهم أو يهدد صورتهم الذاتية. وبدل التعامل مع هذا الشعور بشكل صحي، يلجأ البعض إلى التقليل من قيمة الناجح كآلية دفاع نفسي.
الغيرة والحسد المقنع
في حالات كثيرة، لا تظهر الغيرة بشكلها الصريح، بل تتوارى خلف خطاب أخلاقي أو نبرة نقدية. فبدل الإقرار بالحسد، يُعاد تصوير الشخص الناجح على أنه متعال، أناني، أو بعيد عن الواقع. وبهذا الأسلوب يحافظ الفرد على صورة إيجابية عن نفسه، بينما يمارس في الوقت ذاته سلوكا تقويضيا يهدف إلى النيل من الآخر.
القيم الثقافية التي ترفض التميز
بعض المجتمعات تعلي من شأن الانسجام الجماعي على حساب الفردية. في هذه البيئات، ينظر إلى التفوق الفردي على أنه تهديد للنسيج الاجتماعي، لا إضافة له. وعليه، يصبح “قص الخشخاش الطويل” وسيلة لإعادة فرض الامتثال والتماثل.
مظاهر معاداة التفوق في الممارسات اليومية
لا تنحصر متلازمة الخشخاش الطويل في إطار ثقافي أو سياسي محدد، بل تتجلى بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يظهر النفور من التميز في أكثر من سياق. ويمكن ملاحظة آثار هذه الظاهرة في بيئات العمل، والمؤسسات التعليمية، والعلاقات الاجتماعية والإعلامية، إذ تتعدد صور استهداف التفوق، لكن نتيجتها واحدة: إضعاف الأفراد وتقويض المؤسسات في آن واحد.
في أماكن العمل، تتجسد هذه المتلازمة عندما يواجه الموظف المتميز بالتشكيك أو العرقلة بدل التشجيع والدعم. فقد يحرم من فرص الترقية، أو تقلص صلاحياته، أو يوصم بالسعي إلى لفت الانتباه. ولا يقتصر ضرر هذا المناخ على الفرد وحده، بل ينعكس سلبا على الأداء المؤسسي، لأنه يبعث رسالة ضمنية مفادها أن التميز غير مرغوب فيه.
أما في المؤسسات التعليمية، فقد يتعرض الطلاب المتفوقون للسخرية أو العزلة الاجتماعية، مما يدفع بعضهم إلى إخفاء تفوقه أو خفض مستوى أدائه اتقاء للاستهداف. وهكذا تتشكل بيئة تعليمية تكافئ الوسطية لا التفوق، وتحد من نمو القدرات الأكاديمية الحقيقية.
وفي الدوائر الاجتماعية، ينظر أحيانا إلى النجاح المهني أو المادي بريبة، خصوصا عندما يكون معلنا. أما في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فيتعرض الناجحون لحملات تشويه أو ما يشبه الاغتيال المعنوي، حيث يجري تضخيم أي هفوة أو خطأ لتبرير الهجوم عليهم والنيل من صورتهم.
النجاح تحت ضغط التحيز الاجتماعي
تشير دراسات عدة إلى أن متلازمة الخشخاش الطويل لا تعمل في فراغ، بل تتقاطع مع أشكال مختلفة من التمييز الاجتماعي داخل بيئات العمل. فالأفراد الذين يحققون نجاحا لافتا قد يواجهون أحكاما قاسية أو توصيفا سلبيا لسلوكهم، في حين يُنظر إلى السلوك نفسه على أنه إيجابي أو قيادي عندما يصدر عن آخرين ينتمون إلى الفئة المهيمنة. وتزداد حدة هذه الضغوط عندما يتعلق الأمر بأشخاص ينتمون إلى مجموعات أقل حضورا أو نفوذا، إذ يصبح النجاح في حد ذاته سببا لمضاعفة الاستهداف بدل الاحتفاء.

الآثار النفسية للمتلازمة على الأفراد والمجتمع
الأشخاص الذين يتعرضون باستمرار لسلوكيات متلازمة الخشخاش الطويل قد يعانون من:
انخفاض الثقة بالنفس نتيجة التشكيك المستمر بقدراتهم.
القلق الاجتماعي والخوف من التعبير عن الطموح أو الإنجاز.
الإرهاق النفسي بسبب الحاجة الدائمة للدفاع عن الذات.
الانسحاب أو تقليص الطموح كآلية لتجنب الصراع.
وبذلك، قد يتحول النجاح مع الوقت من مصدر فخر إلى عبء نفسي. وعلى المستوى الأوسع، تؤدي متلازمة الخشخاش الطويل إلى:
هدر المواهب، إذ يهاجر المتميزون إلى بيئات أكثر تقديرا.
انخفاض الابتكار بسبب الخوف من التميز أو الخروج عن السائد.
انتشار ثقافة الرداءة حيث يصبح “عدم البروز” هو القاعدة الآمنة.
إضعاف القيادة لأن القادة الفعالين غالبا ما يكونون هدفا للنقد والتقويض.
هل للمتلازمة جانب إيجابي؟
رغم ذلك، يرى بعض الباحثين أن نقد التفاخر المفرط قد يكون صحيا، إذا كان الهدف تعزيز التواضع والمسؤولية الاجتماعية. لكن الفرق الجوهري يكمن بين تشجيع التواضع ومعاقبة التميز. فعندما يتحول النقد إلى أداة لإسكات الطموح، يصبح سلوكا هداما لا توازنيا.

