مع إسدال الستار على عام 2025، مرّ المشهد الفني في المملكة العربية السعودية بمحطات بارزة شكّلت منعطفًا مهمًا في مسار الثقافة والفنون.
وشهد العام أحداثًا غير مسبوقة على الساحة المحلية، إلى جانب إنجازات فردية لنجوم الفن، وحصاد من التكريمات والجوائز لأعمال تلفزيونية وسينمائية، وفيما يلي رصد لأهم الملامح الفنية التي ميّزت الساحة السعودية خلال عام 2025.
شهد المشهد الثقافي السعودي محطات مفصلية عكست التحول المتسارع الذي تعيشه الفنون في المملكة، وكان من أبرزها عدد من المبادرات والأحداث التي حملت أبعادًا تعليمية وثقافية وفنية ذات طابع دولي.
إطلاق النسخة الأولى من أسبوع الرياض للفن
سجل عام 2025 انطلاقة أول نسخة من أسبوع الرياض للفن، الذي رسخ مكانته كتظاهرة فنية متكاملة ذات طابع مؤسسي.
وشارك في الأسبوع أكثر من 240 فنانًا يمثلون أكثر من 25 دولة، قدموا ما يزيد على 500 عمل فني ضمن برنامج حافل بالمعارض والحوارات الفنية.
وتوزعت الفعاليات على عدة مواقع رئيسية في العاصمة، كان أبرزها حي جاكس كمركز رئيسي للمعارض والبرامج الثقافية، إلى جانب مجمع الموسى للفنون وعدد من المساحات الفنية والمعارض الخاصة.
وقدمت هذه الفعاليات تجربة فنية ممتدة داخل المشهد الحضري للرياض، مؤكدة قدرتها على استضافة أحداث فنية كبرى ذات حضور دولي وتأثير ثقافي واسع.
افتتاح متحف البحر الأحمر في جدة
وفي إطار مشروع إحياء جدة التاريخية المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، افتُتح متحف البحر الأحمر رسميًا في مبنى باب البنط التاريخي، بحضور الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة، والأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة هيئة المتاحف.
ويقدّم المتحف قراءة معاصرة للبحر الأحمر باعتباره فضاءً حيًا تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ والفن، موثقًا إرثه المادي وغير المادي والطبيعي.
واستهل المتحف نشاطه بالمعرض المؤقت “بوابة البوابات” للفنان السعودي معاذ العوفي، في خطوة جمعت بين الذاكرة البصرية والرؤية الفنية الحديثة.

تأسيس جامعة الرياض للفنون
وفي خطوة نوعية تعزز البنية الأكاديمية للفنون، أعلن وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود عن تأسيس جامعة الرياض للفنون، وذلك خلال النسخة الأولى من مؤتمر الاستثمار الثقافي 2025 في العاصمة الرياض.
وتهدف الجامعة إلى أن تكون منصة تعليمية متخصصة في مجالات الإبداع، من خلال شراكات دولية وبرامج أكاديمية حديثة. ومن المقرر أن تضم الجامعة مستقبلاً 13 كلية، على أن يبدأ إطلاق برامجها بشكل تدريجي بثلاث كليات رئيسية هي: المسرح، والموسيقى، وصناعة الأفلام، مع الكشف عن التفاصيل الكاملة للبرامج الدراسية في الربع الأول من عام 2026.
ويأتي هذا المشروع في إطار دعم مستهدفات رؤية المملكة 2030، الرامية إلى بناء قطاع ثقافي قوي يسهم في التنمية الاقتصادية وصناعة الفرص.

الفوز باستضافة إنترفيجن للموسيقى
في الحادي والعشرين من سبتمبر 2025، أُعلن فوز السعودية بحق استضافة النسخة الثانية من المسابقة الموسيقية الدولية “إنترفيجن”، والمقرر تنظيمها في العام التالي.
وتُعد هذه التظاهرة الفنية منصة عالمية للاحتفاء بتنوّع الأساليب الموسيقية وتلاقي الثقافات عبر الإيقاع والصوت، كما تسعى إلى تسليط الضوء على المواهب الغنائية والإبداعية ضمن إطار دولي يجمع فنانين من مختلف دول العالم تحت راية الفن والموسيقى.
بينالي الفنون الإسلامية 2025 في جدة
جاءت النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية في مدينة جدة لتؤكد استمرارية هذا الحدث العالمي الذي أطلقته مؤسسة بينالي الدرعية، بعد انطلاقته الأولى عام 2023.
وحملت نسخة 2025 عنوان “وما بينهما”، مقدّمة طرحًا معرفيًا وفنيًا واسعًا للفنون الإسلامية، من خلال عرض يقارب 500 قطعة تاريخية وأعمال فنية معاصرة، بمشاركة جهات وفنانين من نحو 21 دولة.
وشكّل البينالي مساحة تفاعلية للحوار بين الماضي والحاضر، عابرًا للحدود الزمنية والجغرافية، ومبرزًا مكانة المملكة بوصفها مركزًا للفنون الإسلامية وحاضنة للبعد الروحي والثقافي المرتبط بالحرمين الشريفين.

مهرجان الدرعية للرواية
شهدت الدرعية في منتصف نوفمبر 2025 انطلاق “مهرجان الدرعية للرواية”، الذي استقطب نخبة من الروائيين والكتّاب من داخل المملكة وخارجها، إلى جانب مشاركات عربية ودولية. وجاء المهرجان بوصفه مساحة جامعة للاحتفاء بفنون السرد بمختلف تجلياتها، من الرواية المكتوبة إلى أشكال الحكي المعاصر.
وتضمّن برنامج المهرجان مجموعة متنوعة من الفعاليات، شملت عروضًا قصصية وقراءات أدبية وجلسات حوارية وورش عمل متخصصة، مع اهتمام خاص بإعادة وصل الموروث الحكائي الشفهي بأساليب السرد الحديثة، بما يعكس تفاعل الماضي مع الحاضر في المشهد الروائي.
أول مزاد لدار سوذبيز في السعودية
وفي حدث غير مسبوق، استضافت الدرعية في الثامن من فبراير 2025 أول مزاد تنظمه دار Sotheby’s العالمية داخل المملكة، تحت عنوان “أصول” (Origins).
وشهد المزاد إقبالًا واسعًا ونجاحًا لافتًا، حيث تجاوزت قيمة المبيعات 17 مليون دولار.
وتنوّعت المعروضات بين أعمال فنية سعودية وعالمية، وساعات نادرة، ومنسوجات فاخرة، شملت أعمالًا لفنانين سعوديين وعرب بارزين مثل محمد السليم ولؤي كيالي وعبد الحليم رضوي، إلى جانب أعمال لفنانين عالميين من أمثال بابلو بيكاسو وبانكسي، مسجلة أرقامًا قياسية عكست تنامي مكانة السوق الفنية السعودية.

مشاركة السعودية في بينالي البندقية للعمارة 2025
وواصلت المملكة حضورها الدولي من خلال مشاركتها في بينالي البندقية للعمارة 2025، حيث قدّم الجناح السعودي طرحًا معماريًا معاصرًا يربط العمارة بسياقها الاجتماعي والثقافي.
وجاءت المشاركة عبر معرض “مدرسة أم سليم: نحو مفهوم معماري مترابط”، الذي استمر لمدة ستة أشهر، ومثّل المملكة فيه مكتب “سين معماريون” بإدارة المعماريتين سارة العيسى ونجود السديري، تحت إشراف القيّمة الفنية بياتريس ليانزا، وبمشاركة القيّمة المساعدة سارة المطلق.
وأبرز المعرض نضج الخطاب المعماري السعودي وقدرته على مخاطبة جمهور عالمي بلغة فكرية تتجاوز البعد الشكلي.

أول حضور لمعرض سالوني ديل موبيلي في الرياض
وسجّل عام 2025 محطة مهمة في مجال التصميم مع استضافة الرياض لأول مرة لمعرض “سالوني ديل موبيلي. ميلانو” العالمي، تحت عنوان “تصميم يتشكّل”، ليكون هذا الحدث الظهور الأول للمعرض في منطقة الشرق الأوسط.
وتحول مركز الملك عبدالله المالي (كافد) إلى مساحة نابضة بالحوار والتبادل الإبداعي، بمشاركة 38 علامة تصميم إيطالية، إلى جانب برنامج مهني شمل لقاءات أعمال B2B، وجلسات نقاش ومحاضرات شارك فيها معماريون ومصممون وخبراء من القطاع.
وأسهم الحدث في تعزيز موقع المملكة على خارطة التصميم العالمية، ودعم نمو هذا القطاع ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

تطوّر أسبوع مسك للفنون 2025
شهد أسبوع مسك للفنون في نسخته الجديدة تحولًا نوعيًا، إذ انتقل من كونه منصة للعرض إلى فضاء داعم للإنتاج الفني وبناء المسارات المهنية.
وأقيمت فعالياته خلال الفترة من 5 إلى 10 ديسمبر 2025 في صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون بالرياض، وتنوّعت بين معارض فنية، وأسواق إبداعية، وورش عمل، وعروض أدائية حيّة، إلى جانب برامج إقامات وجلسات تدريبية.
وأسهم هذا التوسع في تعزيز دور الأسبوع كأحد المحركات الأساسية لتنمية المشهد الفني المحلي وربط الفنانين الشباب بسوق الفن.

جسور للتواصل الثقافي
واصلت المملكة العربية السعودية خلال عام 2025 توسيع نطاق حضورها الثقافي على الساحة الدولية، عبر إبرام شراكات نوعية مع عدد من الدول، إلى جانب تعزيز التعاون مع منظمات ثقافية عالمية، في إطار رؤية تستهدف ترسيخ الثقافة كأداة للتنمية والتواصل الحضاري.
وفي الثاني عشر من فبراير، تولّت المملكة رئاسة المؤتمر الثالث عشر لوزراء الثقافة في العالم الإسلامي، الذي انعقد تحت شعار “أثر الثقافة على التنمية الاجتماعية والاقتصادية”، مع تركيز خاص على قضايا الحقوق الثقافية، وصون التراث، ودورهما في بناء المجتمعات وتعزيز الاستدامة.
كما وقّعت وزارة الثقافة برامج تنفيذية مشتركة مع منظمة “الإيسيسكو”، هدفت إلى دعم مشروع المعجم التاريخي المصوّر لفن الخط العربي، إلى جانب توسيع مجالات التبادل الثقافي والتعاون المعرفي مع الدول العربية والإسلامية.
وعلى الصعيد العالمي، شاركت السعودية في معرض “إكسبو 2025 أوساكا” من خلال جناح حمل شعار “اكتشف السعودية”، مقدّمًا تجربة تفاعلية متعددة الحواس تعكس ملامح التحول الثقافي والتنموي الذي تشهده المملكة، وتبرز مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وفي إطار توظيف التقنيات الحديثة لخدمة الثقافة، وقّعت وزارة الثقافة اتفاقية تعاون مع شركة “تيك توك”، تهدف إلى الاستفادة من المنصات الرقمية في تعزيز التجربة الثقافية، ونشر الوعي بالهوية الثقافية السعودية، والوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور محليًا وعالميًا.


