أعاد الجدل حول تنظيم الفعاليات الثقافية والرياضية في كربلاء فتح ملف الحريات وحدود الرقابة المفروضة على الحياة العامة ومحاولات تنميط المجتمع وفرض اتجاه واحد للسلوك والفضاء العام، في ظل تصاعد خطاب اجتماعي وديني يسعى إلى التدخل في تفاصيل النشاطات المدنية، مقابل تساؤلات متزايدة عن دور الدولة وقدرتها على حماية الحريات التي كفلها الدستور، وإدارة التنوع الاجتماعي بعيداً عن منطق المنع والوصاية.
وضجّت الأوساط الحقوقية خلال الأيام الماضية ببيان صادر عن “اللجنة التنسيقية لمشروع قدسية كربلاء” عبّرت فيه عن رفضها لصور جرى تداولها لفتيات محجبات تتراوح أعمارهن بين 12 و16 عاماً ظهرن وهن يشاركن في مسابقة رياضية، معتبرة أن هذه المشاهد تمثل خرقاً لما وصفته بخصوصية المدينة وقيمها الدينية والاجتماعية، في واقعة أثارت ضجة واسعة.
دولة مدنية أم دينية؟
وتقول عضو مجلس النواب السابق ريزان شيخ دلير، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “الجدل المتكرر حول الفعاليات الرياضية والثقافية، ولا سيما تلك التي تشارك فيها النساء، لا يتعلق بحدث معين بقدر ما يعكس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الدولة وهوية النظام السياسي”.
وتؤكد شيخ دلير، أن “العراق دولة مدنية وليست دينية تُدار وفق تفسيرات متشددة أو وصاية اجتماعية، وأن دولاً إسلامية عدة في المنطقة، من بينها السعودية وإيران، تسمح للنساء بممارسة الأنشطة الرياضية ضمن ضوابط، دون أن يُعد ذلك تعارضاً مع القيم الدينية أو الأخلاقية”.
وتساءلت عن “أسباب تصاعد التشدد داخل العراق في التعامل مع هذا الملف، ومحاولة فرض قيود لا تستند إلى قانون أو نص دستوري”.
وتلفت النائب السابقة، أن “احترام الأماكن الدينية والمقدسة لا يعني فرض القيود على الحياة اليومية للناس، فالمجتمع العراقي، ولا سيما النساء منه، لن يقبل بمسار ينتقص من الحقوق والحريات، وأن أي محاولة لفرض نموذج ديني متشدد على الفضاء العام ستقابل بالرفض”.
ومنذ سنوات برز في العراق تيار اجتماعي وديني يدعو إلى فرض هويات خاصة على عدد من المحافظات بداعي وجود مراقد دينية أو رمزية مذهبية، وهو توجه لم يقتصر على مدن ذات طابع ديني تقليدي، بل امتد إلى محافظات لم تُصنف تاريخياً ضمن هذا السياق، ما أدى إلى تضييق الفضاء العام وفرض قيود على الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، في مسار يراه مراقبون أنه يؤشر توجهاً لفرض نمط واحد للهوية والسلوك على مجتمعات متعددة الخلفيات والتوجهات.
وتمثلت الفعالية الرياضية في إقامة مسابقة لألعاب الساحة والميدان للفتيات، نظمتها مديرية تربية كربلاء بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، وأُقيمت على ملعب الشباب، بمشاركة فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و16 عاماً، وشملت المرحلتين المتوسطة والإعدادية، في إطار نشاط تنافسي رسمي خُصص للإناث فقط، واعتمد كادراً تحكيمياً نسوياً كاملاً لإدارة السباقات وتنظيم المنافسات.
وشهدت المسابقة مشاركة نحو 150 طالبة يمثلن قرابة 40 مدرسة، وانتهت بتتويج الفرق الفائزة وتوزيع الميداليات والكؤوس، غير أن الفعالية تحولت لاحقاً إلى محور جدل واسع عقب تداول صور ومقاطع منها على وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع جهات اجتماعية ودينية إلى الاعتراض عليها، وفتح نقاشاً عاماً حول طبيعة هذه الأنشطة وحدود تنظيمها في الفضاء العام.
خلط القدسية بإدارة الحياة العامة
بدوره، يرى المفكر والباحث الإسلامي رحيم أبو رغيف، في حديث لـ”العالم الجديد”، أن “الجدل المتكرر بشأن بعض الفعاليات الرياضية في كربلاء أو غيرها من المحافظات التي تضم مراقد دينية يستند إلى فهم غير دقيق لمفهوم القدسية، فهي بمعناها الحقيقي تنحصر بالذات الإلهية فقط، ولا تنطبق على الأمكنة مهما بلغت مكانتها الدينية”.
ويضيف أبو رغيف، أن “الأماكن التي تضم مراقد أئمة أهل البيت تحظى بمكانة روحية واحترام عالٍ في وجدان المؤمنين، إلا أن ذلك لا يصل إلى مستوى إضفاء صفة القدسية المطلقة عليها” مشدداً على “ضرورة التفريق بين قدسية الذات الإلهية وطهارة الأمكنة الدينية، وعدم الخلط بين البعد الروحي وإدارة الحياة العامة”.
ويؤكد أن “ممارسة الرياضة بحد ذاتها لا تمثل محظوراً شرعياً للذكور أو الإناث، إذ أن المحرمات لا ترتبط بنشاط معين، بل بسلوك الفرد أينما كان، سواء في المجال الرياضي أو في غيره من مجالات الحياة”، مشيراً إلى أن “المرأة تمثل جزءاً فاعلاً من المجتمع، ومن الطبيعي أن تمارس الأنشطة التي يمارسها الرجل ما دامت ضمن الذوق العام والقيم العامة”.
و”مشروع قدسية كربلاء” تجمع اجتماعي ديني غير رسمي، يضم شخصيات دينية ومجتمعية وناشطين محليين، ويعمل عبر بيانات ومؤتمرات وفعاليات عامة للدعوة إلى ما يصفه بالحفاظ على قدسية مدينة كربلاء وهويتها الدينية والاجتماعية، من دون أن يكون جهة رسمية أو مؤسسة مسجلة قانونياً، إذ يقدّم نفسه كمبادرة مجتمعية ذات طابع فكري وضاغط، تسعى للتأثير في الرأي العام ومواقف السلطات المحلية إزاء الفعاليات والأنشطة التي تُقام داخل المدينة.
ويرى قانونيون أن الجدل الدائر حول تنظيم الفعاليات العامة، وما رافقه من دعوات للمنع أو فرض القيود، يسلط الضوء على إشكاليات قانونية ودستورية تتعلق بحدود الصلاحيات، والجهات المخولة باتخاذ قرارات التقييد، في ظل نصوص دستورية تكفل الحقوق والحريات العامة، وتشترط أن يكون أي تقييد لها مستنداً إلى قانون صادر عن السلطة المختصة، الأمر الذي يضع هذه القضايا ضمن إطار قانوني لا يمكن التعامل معه عبر الاجتهادات الفردية أو الترهيب الاجتماعي.
الدستور يكفل رعاية النشاطات الرياضية
من جهته، يجد الخبير القانوني أحمد العبادي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “الدستور العراقي كفل رعاية الدولة للنشاطات الثقافية والرياضية، ومنع تقييد الحقوق والحريات العامة إلا ضمن إطار قانوني واضح وصريح، ما يعني أي تقييد يُفرض خارج هذا الإطار يمثل مخالفة دستورية صريحة”.
ويردف العبادي، أن “المادة 35 من الدستور تنص على التزام الدولة برعاية النشاطات والمؤسسات الثقافية بما ينسجم مع تاريخ العراق الحضاري والثقافي”.
ويوضح العبادي، أن “هذا النص يمنح غطاءً دستورياً لممارسة الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية بمختلف أشكالها، من دون تمييز بين الرجال والنساء، كما أن المادة 46 من الدستور نصت بوضوح على عدم جواز تقييد أي من الحقوق والحريات الواردة فيه إلا بقانون، وبشرط ألا يمس هذا التقييد جوهر الحق أو الحرية”.
ويلفت إلى أن “منع الأفراد من ممارسة نشاطات عامة لا يكون إلا بقرار صادر عن جهة مختصة ووفق قانون نافذ، وأن أي تصرف خارج ذلك يدخل في إطار التجاوز على الدستور والحريات العامة”.
يذكر أن محافظة كربلاء شهدت عام 2019 جدلاً واسعاً عقب افتتاح بطولة غرب آسيا على ملعب كربلاء الدولي بعزف فتاة للنشيد الوطني العراقي بآلة الكمان، ما دفع ديوان الوقف الشيعي إلى رفع دعوى قضائية ضد اتحاد كرة القدم.
ولم يقتصر الأمر على “المدن المقدسة”، بل شمله إلى مدن ومحافظات أخرى، حيث اضطر الفنان محمد عبد الجبار، لإلغاء حفله المقرر في البصرة خلال تشرين الثاني نوفمبر الماضي، بسبب اعتراضات وتظاهرات قادها عدد من رجال الدين في المحافظة.
وضمن السياق ذاته، واجه مهرجان بابل الدولي للثقافات والفنون عام 2021 اعتراضات مماثلة بدعوى الحفاظ على العادات والقيم، ما أدى إلى إلغاء الفعاليات الغنائية آنذاك.

