حينما قال الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه»: ما نسميه أفولاً، ليس إلا عجز أعيننا عن احتمال الضوء حين يتغير شكله، ربما لم يكن وقتها ناظراً للسماء والنجوم والأقمار، وإنما كان يقصد ما هو أبعد بكثير، ولنتأمل المعنى حين تسقط شهب الكلمات في سماء الفن، ونفاجأ بإطلاق ألقاب وأحكام قاسية على أي فنان أو فنانة ظهرت على وجهه «تجعيدة»، أو أطلت في رأسه شعرة بيضاء، ربما وضعناه حينذاك على رف بعيد لا تكاد تطاله الأيدي، برغم أننا في أشد الحاجة إليه.
ومنذ أيام، حين تساءلت الفنانة القديرة سهير المرشدي: «الدنيا ليست للشباب فقط، وكبار السن لهم دور في المجتمع، فلماذا لا تكبر أدوار الفنانين كلما كبروا في السن»، لم يكن مجرد سؤال عابر، وإنما صرخة من قلب جريح، أنهكه الانسحاب القسري من المشهد، وحين تطلب إيزيس المسرح العربي دورا يليق بامرأة على أعتاب الثمانين، علينا أن نشعر بـ”عار اللامبالاة”، خاصة أن صيحات مشابهة، أطلقها فنانون كبار بحجم عبد الرحمن أبو زهرة، صفية العمري، نجوى فؤاد، وفاروق فلوكس، وآخرين، طلبوا الاهتمام قبل أن يرحلوا، ويلحقوا بزملائهم ممن كانوا في شبابهم نجوما ساطعة واضطروا في نهاية الرحلة إلى قبول أدوار صغيرة، مثل محمود الجندي، وفاروق الفيشاوي، ورجاء حسين، وآخرين.
وبعد أن كشفت خريطة دراما رمضان 2026، استبعاد مسلسلات كبار النجوم: يحيى الفخراني، يسرا، محمد هنيدي، وخالد النبوي، ولأن الدراما الضعيفة هي التي تعتمد على منطق الصدفة، لم نقرأ بعين الصدفة، غياب من قادوا المشهد لسنوات، وتصدروا شاشات رمضان باعتباره موسم «الهيمنة»، وطرح خروجهم الجماعي سؤالاً قاسياً: «هل لم يعد السوق قادراً على استيعابهم؟ أم أن معادلة البطولة تغيّرت بالكامل؟».
في لحظة ما من العمر الفني، لا يخفت النجم فجأة، ربما يتحرك الضوء من مركز الكادر إلى أطرافه، حكاية أزلية مرتبطة بالزمن، تتكرر دورتها كل حين بإذنه، حيث يتم الدفع بالنجم بهدوء إلى الهامش، رويداً رويداً، بالتزامن مع تسلل التجاعيد والشعر الأبيض وارتعاشة الصوت، يشيخ الضوء وينزوي، ويولي البريق وجهه نحو نجوم وليدة، أكثر حيوية «أو هكذا يظنون»، وكأن الفن لا يرى شيخوخة مبدعيه، وكأن التقدم في العمر تحوّل من قيمة درامية إلى عبء إنتاجي، وكأن السوق لم يعد يرى النجوم الكبار كأبطال مؤثرين، بل كأسماء يتم استدعاؤها «شرفياً» فقط عند الحاجة، وكأن الدنيا للشباب فقط، كما قالت إيزيس!.
فهم بعض الكبار قواعد اللعبة الجديدة، ورضخوا لمنطق انتقال السلطة، واعتبروه سُنّة الحياة، غيّروا اتجاه البوصلة، وانحرفت خطواتهم عن مساراتها، تركوا منصات البطولة المطلقة، وارتضوا “مساندة نجوم الشباب”، تخلوا عن قيادة الحكاية واكتفوا بإضافة ثقل فني حتى لو ابتعد عن مركز الصراع الدرامي، والأمثلة كثيرة منها محمود حميدة، حسين فهمي، إلهام شاهين، ميرڤت أمين، خالد الصاوي، والراحل محمود ياسين، وغيرهم ممن أدركوا أن البطولة لم تعد تعترف بالتاريخ، بل بالقدرة على جذب الإعلانات والمنصات وشرائح عمرية “تحت السن”، أصبحت هي الجمهور المستهدف!..
هذا الجمهور المستهدف، هو الذي كرس فكرة التغيير، وكشف تحول الذائقة الجمعية، وفسّر كيف يمكن لمجموعة شباب صغار السن، أن يتخطوا حاجز المليار مشاهدة في مسلسل أوف سيزون بعنوان «ميد تيرم»، ليثبتوا أن الرهان الآن على السرعة، الإيقاع، الدماء الشابة، الملامح الجديدة، لا على الخبرة ولا النضج، ولا العمق التراكمي، ولا التاريخ، ولا حتى الذاكرة الوجدانية!.
صدق الأديب الفرنسي ألبير كامو حين قال:«أقسى ما في الزمن أنه لا يقتلنا دفعة واحدة، بل يجعلنا نشاهد أنفسنا ونحن نفقد أدوارنا»، والقضية هنا لا تتعلق بأسماء محددة، بل بهيكل صناعة كاملة، صناعة أصبحت تتعامل مع الشيخوخة كـ عيب بصري، لا كمرحلة حقيقية ومصيرية، وقيمة إنسانية، تكتفي بتقييدها في قوالب الحكمة المجردة الخالية من أي تأثير درامي، وفي الوقت الذي يبني صناع الدراما العالمية أعمالاً ضخمة على أكتاف كبار السن، يحملونهم إلى منصات جوائز أوسكار، مثل أنتوني هوبكنز، كلينت إيستوود، وجيسيكا تاندي، في الوقت نفسه، يصرّ صناع الدراما في بلادنا على تقبيلهم ووضعهم بجوار الحائط باعتبارهم “بركة”!.
وحين وصف الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر الزمن بأنه لا يمر بنا، بل نحن الذين نمرّْ به، ونترك أجزاءنا معلّقة على جدرانه، بدا كأنه قرأ قصص النجوم الكبار الذي تركوا بصمات غائرة على جدران الفن، وأثر خطوات عظيمة على خشبة المسرح، لتدهسهم السنون، ويُجبروا على التراجع، ويتحولوا من أبطال إلى ظلال باهتة، في سوق مزدحم متلاهث لا يلقي بالاً لتاريخ طويل، فالإنسان، كما قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، لا يُقهر حين يشيخ، بل حين يُعامَل وكأن تاريخه لم يكن!.
وأخيرًا، ليس من المنطق أن نسأل: «لماذا كبر النجوم؟»، ولكن آن الأوان أن نسأل السؤال الطبيعي الأهم: “لماذا صغرت الأدوار؟، وتحت شعار الفن مرآة المجتمع، يتجدد السؤال الذي طرحته «المرشدي»: «هل المجتمع شباب فقط؟»، هل أصبح المجتمع رافضا الاعتراف بالزمن؟ وبالتالي يستبعده الفن من الحسابات؟ هل تتراجع الكاريزما بمرور السنين أم تشعر بالخذلان فتتوارى عن الأعين ليطويها النسيان؟ هل تشيخ النجومية أم يهيل الفن عليها التراب لتنطفئ قسراً، بلا رحمة؟.
اقرأ أيضاًفي ذكراها.. «كريمة مختار» أيقونة الأمومة في السينما والدراما المصرية
أحمد عيد حاضر في دراما رمضان 2026 بـ «أولاد الراعي»
موعد عرض أولى حلقات مسلسل «لعبة وقلبت بجد» لـ أحمد زاهر والقنوات الناقلة

