Published On 13/1/2026
|
آخر تحديث: 20:04 (توقيت مكة)
لم تكن بلقيس عوض مجرد ممثلة سودانية من جيل الرواد، بل واحدة من الفنانات اللاتي أسهمن بهدوء وثبات في تشكيل ملامح المسرح والدراما في السودان. على مدى عقود، اختارت أدوارها بعناية، وقدمت الفن بوصفه رسالة إنسانية ومعرفية، لا وسيلة للظهور أو النجومية السريعة.
ولدت بلقيس عوض في الخرطوم في أربعينيات القرن الماضي، ونشأت في بيئة أتاحت لها التعليم والاحتكاك المبكر بالثقافة والفنون. درست علم النفس والاجتماع، وهو ما انعكس بوضوح على أدائها التمثيلي، إذ عرفت بقدرتها على فهم الشخصيات من الداخل، وتقديمها بأداء هادئ وعميق بعيدًا عن المبالغة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
بدأت مسيرتها الفنية في سن مبكرة على خشبة المسرح، قبل أن تصبح لاحقًا واحدة من الوجوه النسائية البارزة في المسرح القومي بأم درمان. وقدمت أعمالًا مسرحية شكلت جزءًا من ذاكرة المسرح السوداني، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة كممثلة جادة في زمن لم يكن الطريق فيه ممهدًا أمام الفنانات.
إرث فني
ارتبط اسم بلقيس عوض بالمسرح السوداني منذ بداياتها الأولى، حيث شكّل المسرح المساحة الأوسع لتجربتها الفنية. شاركت في عدد من الأعمال التي تُعد من علامات المسرح السوداني، من بينها مسرحيات “الغول والغريب”، و”زهرة النرجس”، و”مركب بلا صياد”، و”هو وهي”، و”نكبة البرامكة”. وقدّمت خلالها أدوارًا متنوعة اتسمت بالعمق والالتزام الفني، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة على خشبة المسرح في زمن كان المجال فيه محدودًا أمام الفنانات.
وعلى شاشة التلفزيون، حضرت بلقيس عوض في عدد من المسلسلات الدرامية التي واكبت تطور الدراما السودانية، من بينها “أقمار الضواحي”، و”آخر قطار”، و”سكة الخطر”، و”بنت المدير”، و”قطر الشمال”، و”سكة ضياع”. وتميّز أداؤها بالبساطة والصدق، مع اعتمادها على التعبير الهادئ بعيدًا عن المبالغة، ما جعل حضورها قريبًا من الجمهور.
أما في السينما، فكان ظهورها أقل مقارنة بالمسرح والتلفزيون، لكنها شاركت في فيلمين هما و”يبقى الأمل”، و”العدل قبل القانون”، وقدّمت من خلالهما أدوارًا داعمة عكست اهتمامها بالمضمون الإنساني والاجتماعي للأعمال التي تختارها.
ويُعد الأرشيف الإذاعي المجال الأوسع في مسيرة بلقيس عوض، إذ شاركت في آلاف الأعمال الدرامية المسموعة، وقدّرت مشاركاتها بأكثر من خمسة آلاف تسجيل إذاعي. كما كانت من أوائل الفنانات السودانيات اللاتي قدمن مسلسلات إذاعية باللغة العربية الفصحى، من بينها مأساة يرول، و”بوذا الأشراف والرؤيا”، ما أسهم في إثراء الدراما الإذاعية السودانية وتوسيع جمهورها.
امتد حضور بلقيس عوض إلى التلفزيون والإذاعة والسينما، حيث شاركت في عدد من المسلسلات التلفزيونية التي واكبت تطور الدراما السودانية، كما تركت بصمة خاصة في الإذاعة، من خلال مشاركتها في مئات الأعمال الدرامية المسموعة، وأسهمت في ترسيخ حضور الدراما الإذاعية باللغة العربية الفصحى، في وقت كانت فيه هذه التجربة محدودة الانتشار.
الرحيل
في سنواتها الأخيرة، ابتعدت بلقيس عوض عن الأضواء، مكتفية بتاريخ فني حافل. ومع اندلاع الحرب في السودان، اضطرت إلى مغادرة الخرطوم والإقامة في مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، مثل آلاف السودانيين الذين فرضت عليهم الظروف مسارات جديدة. هناك، تدهورت حالتها الصحية، ورحلت عن عمر ناهز الثمانين عامًا في أحد مستشفيات المدينة، بعد معاناة مع المرض، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية.
رحلت بلقيس عوض بعيدًا عن خشبة المسرح التي أحبتها، وبعيدًا عن العاصمة التي شهدت ذروة عطائها، لكنها تركت خلفها إرثًا فنيًا يستعاد كلما ذكر جيل الرواد. إرث لا يُقاس بعدد الأعمال فقط، بل بصدق التجربة، وهدوء الحضور، والأثر العميق الذي تركته في الذاكرة الثقافية السودانية.

