◄ أرفض تقديم سيرة والدي في عمل فني
رانيا فريد شوقي ليست مجرد اسم ينتمى إلى عائلة فنية كبيرة، بل تجربة إنسانية وفنية تشكلت بوعى، وصقلتها السنوات، ووقّعتها بالاجتهاد لا بالوراثة. اختارت أن تمشى فى الضوء دون أن تحتمى بظل أحد، وأن تصنع لنفسها مسارًا خاصًا، تتقدم فيه بثبات واحترام للفن والجمهور معًا.
بعيدًا عن الكاميرا، تبدو أكثر قربًا من إنسانيتها: امرأة صادقة مع نفسها، لا تجيد الأقنعة، وتتعامل مع الفن كرسالة حياة لا كسباق أضواء. ربما لهذا السبب ظل حضورها ثابتًا، لا يخبو، ولا يستسلم لموجات الصعود والغياب، لأنها لم تراهن يومًا إلا على الصدق. فنانة تعرف قيمة الزمن، وتحترم تراكم التجربة، وتؤمن بأن الفن الحقيقى لا يعلو صوته، بل يرسخ أثره بهدوء تمامًا مثلها.
◄ تقولين إن ما يهمك اليوم «الإنسان داخل الشخصية»، كيف تكتشفين ذلك أثناء قراءة الدور؟
ـ أقترب من مشاعر الشخصية وأندمج معها بصدق، إلى حد الإحساس بها وكأنها تعيش بداخلى. دائمًا أسأل نفسى: هل هذه الشخصية شريرة بالمطلق، أم أن للشر أسبابًا ودوافع؟ هل هى خيّرة بطبعها، أم تقف فى منطقة رمادية بين الخير والشر تشبه البشر الحقيقيين؟ كما يهمنى فهم قيمة الدور وأهميته.. ماذا يضيف لى كفنانة؟ وما الذى يقدمه للجمهور؟ هل تمثل هذه الشخصية حالة موجودة فى المجتمع تستحق أن تُجسّد على الشاشة؟
◄ ما الذي جعلكِ تصلين إلى قناعة أنه ليس كل دور يستحق أن يُقدَّم؟
ـ هناك أدوار كثيرة سطحية، لا تضيف للعمل ولا تضرّه، حتى لو حُذفت من الأحداث لن تؤثر فى البناء الدرامى. هذا النوع من الأدوار لا يشغلنى، لأنى حريصة دائمًا على الخروج من دائرة التكرار، وأبحث عن الشخصية التى لها تأثير، حتى لو كان هادئًا، لكنها تظل فى الذاكرة لأنها صادقة وتعبر عن واقع أو وجع أو قضية إنسانية تستحق أن تُروى.
◄ هل مررتِ بتجارب شعرتِ بعدها أن الظهور لم يكن له معنى حقيقى؟
ـ أكيد، بنسبة قليلة من الأدوار، لأننى أدقّق جدًا فى اختياراتي، ولا أحب أن أقدم أى دور إلا عندما أكون مقتنعة بقيمته وتأثيره. أحاول دائمًا اختيار الشخصيات التى تضيف لى فنيًا، وتحمل معنى حقيقيًا، سواء على المستوى الإنسانى أو الاجتماعي.
◄ اقرأ أيضًا | رانيا فريد شوقي تدعو لتامر حسني بعد الكشف عن أزمته الصحية
◄ كيف تفرّقين بين الهدوء في الاختيار والغياب عن الساحة؟
ـ التواجد على الساحة من خلال شخصية غير فعّالة، لا ترضى الناس أو تضيف شيئًا حقيقيًا، لا معنى له بالنسبة لى. أحيانًا يكون الهدوء والابتعاد المؤقت اختيارًا أذكى، لأنه يمنحنى مساحة للتفكير، والمراجعة، والاختيار الصحيح.
◄ هل أصبح الرفض بالنسبة لكِ موقفًا فنيًا أكثر منه قرارًا مهنيًا؟
ـ ليس موقفًا استثنائيًا ولا قرارًا دراميًا، هو ببساطة اختيار شخصى مرتبط بطريقتى فى العمل. دائمًا أفضل التركيز على الدور الذى يضيف لمسيرتي ويحدث تأثيرًا حقيقيًا. القرار مهنى فى المقام الأول، ومبنى على طموحاتى ورؤيتى لنفسي، ورغبتى في مواصلة المشوار بخطوات محسوبة تعبر عنى.
◄ ما الذي تغيّر فى رانيا فريد شوقى كإنسانة حتى تغيّرت اختياراتها كممثلة؟
ـ كل مرحلة عمرية تختلف فيها اختيارات الإنسان وطريقة حياته، وحتى أسلوب تفكيره. أحب أن أحاسب نفسى وأسأل: أنا مقصّرة فى إيه؟ كيف أستطيع أن أكون أفضل؟ أحب العمل على نفسى وتطويرها باستمرار.
عمرى ما أنظر لغيرى، ولا أعنى تقييم أو محاكمة اختيارات الآخرين، لأن لكل شخص طريقه وظروفه.
◄ هل النضج الفني يأتي مع الزمن أم مع التجارب المؤلمة؟
ـ يأتي مع تراكم التجارب ومرور الزمن، والاثنان يكملان بعضهما، كل فنان له رحلته الخاصة، ووعيه ينضج مع ما يعيشه، ويتعلمه، ويختبره، مما يصنع خبرة حقيقية ورؤية أعمق فى الاختيار والأداء.
◄ هل يشعر الجمهور بفلسفتكِ في الظهور الهادئ؟
ـ أعتقد نعم. الفترة الأخيرة كانت اختياراتى جيدة جدًا، وأخطائى قليلة، كنت حريصة جدًا على ذلك، والجميل أن الناس لاحظت الفرق فى اختياراتى وطريقة تعاملى مع الأدوار.
◄ إلى أى مدى يمنحكِ الصدق الداخلي راحة حتى لو قلّ الظهور؟
ـ بالطبع، أشعر براحة نفسية كبيرة. لا يجب أن أظهر دائمًا من خلال عمل فنى، أستطيع استغلال السوشيال ميديا بشكل مفيد، وأكون قريبة من جمهورى من خلال محتوى ذى قيمة، وليس مجرد ظهور عابر، المهم أن يكون التواصل صادقًا ومؤثرًا، وليس مجرد رقم أو حضور على الشاشة.
◄ هل هناك شخصية رفضتها رغم بريقها لأن الإنسان بداخلها لم يكن حقيقيًا؟
ـ نعم، رفضت بعض الأدوار لأنها كانت جريئة أكثر من اللازم، وأسلوبها أقرب للسينما منها للتليفزيون. تعلمت من والدى درسًا مهمًا: فى التليفزيون، يجب أن أكون ضيفة خفيفة على جمهور البيت، أما فى السينما، فالناس يدفعون تذاكر خصيصًا لمشاهدة العمل، لذا يجب احترام تعبهم ووقت واهتمام الجمهور.
◄ كيف تنظرين إلى فكرة “الحضور الدائم” في زمن المنصات الرقمية؟
ـ الأمر مهم، خصوصًا مع قلة الإنتاج الفني، لكن المنصات ليست جديدة. قديمًا كان هناك سباعيات وسهرات تليفزيونية وأفلام متنوعة طوال السنة، والجمهور كان متابعًا بانتظام، الفرق الآن أن المنصات تجعل المشاهد يرى الحلقة بسرعة وبدون فواصل إعلانية، وهذا يفرض علينا عصرًا مختلفًا بمحتوى متجدد باستمرار.
◄ ما الدور الذى شعرتِ أنه عبّر عنكِ إنسانيًا أكثر؟
ـ لا يوجد دور عبّر عنى بالكامل حتى الآن، ربما مسلسل «نقطة ضعف الأمومة» كان الأقرب، لأنه لمس جزءًا بداخلى بطريقة صادقة وحقيقية، وأشعرنى بالارتباط العاطفى بشكل لم يحدث مع أى شخصية أخرى.
◄ ماذا عن تقديم أعمال السير الذاتية؟ وما موقفك من تقديم سيرة «وحش الشاشة»؟
ـ ضد تقديم “سيرة وحش الشاشة” فى عمل فنى، خصوصًا أنه سبق وقدّم برنامجًا يحكى فيه قصة حياته بنفسه. مع احترامى لكل النجوم الكبار، لا يوجد أحد يشبههم، وتجسيدهم على الشاشة خطر جدًا. كتابة أعمال السيرة ليست سهلة، والمجازفة كبيرة جدًا. أنا لا أرغب فى خوضها لأنها تتطلب جرأة وتحمل مسؤولية ضخمة أمام الجمهور والتاريخ الفنى، ولا أرى أحدًا على الساحة مؤهل للقيام بها، لأنها تحتاج مزيجًا من الجرأة والخبرة والحس الفنى العالى، واحترام تام للتاريخ والشخصية.
◄ ما الخط الفاصل بين توثيق السيرة واحترام الخصوصية العائلية؟ وما أكثر ما يشغلكِ إنسانيًا قبل شغلك فنيًا؟
ـ يجب أن تكون السيرة مكتوبة بعناية شديدة، بحلوها ومرها، بكل تفاصيلها. هذه الشخصيات قد ماتت جسديًا لكنها حاضرة فى وعى الناس وذكرياتهم. فريد شوقى، على سبيل المثال، خلد اسمه ومكانته، ولا يحتاج أن يجسد حياته أحد على الشاشة، لأنه موجود بالفعل فى ذاكرة الجمهور.
الأمر ليس مجرد توثيق أو تخليد، بل السؤال الأهم: هل ما يُقال عن الشخصية حقيقى فعلاً؟ هنا تظهر مشكلة كبيرة: بعض الكتب التاريخية تغلط، وأخرى تنفى، مما يخلق عدم ثقة.

