انتفاض النساء على صورة المرشد الأعلى، له ما له من تأثير بصرياً، لكونه تجرّؤاً على السلطة الأبوية الدينية التي يجسّدها خامنئي، التي تملك ما تملك من أدوات عنف، وتضعهن في موقع القاصرات أخلاقياً واجتماعياً، وتبرّر الوصاية عليهن باسم الشريعة وحماية المجتمع.
لمشاهد حرق صورة مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي في الاحتجاجات، على بساطتها كفعل، تأثير رمزي عميق في نفوس أتباع النظام ومعارضيه.
هذا التأثير يتضاعف عندما يكون الفاعل امرأة تتحدّى رأس السلطة الدينية الأبوية، وهذا ما ظهر عبر سلسلة صور متظاهرات يُشعلن سجائرهن من صور خامنئي التي تحترق، ما يجعل النظام أشدّ قسوة مع من يتجرّأ، إلى حدّ إعدامه ثأراً لصورة “القائد الأعلى”.
يتمثّل في مشاهد حرق صور خامنئي حجم الرغبة في كسر الخوف و”التجرّؤ” على الزعيم، الذي حاول فرض “قداسته” بالرعب، فيأتي حرق صورته ليحبط وظيفتها في الهيمنة على العقول ومحاولة إخضاعها، وهو ما يحرص النظام الثيوقراطي في إيران على فرضه. فحرق الصورة تأكيد لرفض فرضها كهويّة تعريف عن شعب بكامله ونشرها في مختلف المساحات كسند ملكية صاحبها لأرواح المحكومين وأجساد النساء. والأهمّ أن حرقها من قلب إيران يحثّ المواطن الآخر على التجرّؤ عليها كما فعل مُشعلها، حيث يشكّل الإسقاط الرمزي للقائد بداية لإسقاطه فعلياً.
تزامناً مع الاحتجاجات في إيران، تحوّل إحراق صورة خامنئي وإشعال نساء سجائرهن من النار المشتعلة فيها، إلى “ترند” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن انتشرت صورة لإحدى الشابّات تقوم بذلك، لتتمثّل بها أخريات ويكرّرن الفعل نفسه.
الفعل الرمزي لحرق صورة المرشد الأعلى علي خامنئي، المتحكّم بأقدار النساء في إيران، له دلالاته وتأثيره المعنوي في مجريات الأحداث، وإن كانت صاحبة الصورة لم تقم بفعلتها في إيران، لكنّ المتظاهرين في إيران أضرموا بالفعل النيران بصور خامنئي وغيره من الشخصيّات، في مناطق مختلفة من إيران، وفق ما أظهرته المقاطع المصوّرة التي نجحت في تجاوز التعتيم الإعلامي، ممّا يشير إلى اتّساع رقعة تحدّي النظام، والمسّ بهيبة “القائد الرمز” الذي يروّج له بوصفه لا يمسّ، فيأتي مشهد حرق صوره ليوصل رسالة واضحة المعاني، يفهمها المؤيّد والمعارض، ويعلن كسر “المحرّم”.
“وفي إيران حيث يقبض النظام بعنف على مصائر النساء، وحيث كلّف التمرّد الرمزي على البطش الكثير منهن أرواحهن، يصبح لتجرّؤ أيّ امرأة إيرانية على صورة المرشد الأعلى دلالاتها الخاصّة. ذلك أن خامنئي يمثّل رأس منظومة الحكم العقدية التي تتحكّم مباشرة بأجساد النساء وحرّياتهن الشخصية، وتحدّد أدوارهن في المجتمع، وتسعى لإكمال السيطرة على ما حاولن الحفاظ عليه من أمور تحرّمها العقيدة الخمينية، وحيث يقاومن محاولة تغليفهن باللباس الأسود الذي يُراد منه محوهنّ.”
انتفاض النساء على صورة المرشد الأعلى، له ما له من تأثير بصرياً، لكونه تجرّؤاً على السلطة الأبوية الدينية التي يجسّدها خامنئي، التي تملك ما تملك من أدوات عنف، وتضعهن في موقع القاصرات أخلاقياً واجتماعياً، وتبرّر الوصاية عليهن باسم الشريعة وحماية المجتمع.
إذ يرى “الفقيه” في نيل النساء أبسط حقوقهن خطراً على المجتمع، ويفرض عليهن قيود اللباس وغيرها تحت طائلة الملاحقة والإذلال، وصولاً إلى القتل كما جرى مع الشابّة مهسا أميني، التي أشعل مقتلها على يد شرطة الأخلاق الموجة السابقة من الاحتجاجات في عام 2022.
وبينما يحاول نظام الوليّ الفقيه كسرهن وتحطيم عزيمتهن، يأتي المعنى القويّ في مشهد تحطيم الإيرانيات المنتفضات في الداخل المعتّم عليه، والخارج الهاربات إليه، القدسية التي يحاول خامنئي فرضها على نفسه، والتي يقدّمها كممثّل للمهدي المنتظر، والمكلّف من قِبل الإله وصاحب الكلمة الأعلى. هي محاولة لإنزال الرجل عن عرشه المتوهّم إلى الواقع، حيث هو مجرّد حاكم في بلد يعاني فيه الشعب من القمع والفقر والقهر.
فبمواجهة نظام يحاول وضع المرأة ما دون الرجل، يشكّل حرق امرأة صورة المرشد لإشعال سيجارة تحدّياً للرجل الأقوى والمرجع الأعلى، واستخفافاً به، تحاول من خلاله قلب التصنيف وتأكيد امتلاكها جسدها.
من أداة تمجيد إلى أداة انتقام
ومن قلب الاحتجاجات المستمرّة منذ 28 كانون الأوّل/ ديسمبر، انتشرت صور ومقاطع فيديو تُظهر أيضاً حرق صور لخامنئي وغيره من الشخصيات على يد متظاهرين غاضبين. مشاهد وإن لم تحمل كلّ الرمزية والمعاني التي تحملها صور النساء، لكنّها هي أيضاً تحمل لغة تحدّي النظام وتحطيم ما يروّجه من بُعد إلهي لوجوده.
ففي العامّ، يشكّل تحطيم التماثيل والصور التي تُنشر في كلّ مكان، محاولة لتحطيم السيطرة التي تفرضها الهيمنة البصرية في الشوارع والساحات، والتي من وظائفها تذكير المواطنين بسلطة الحاكم في كلّ لحظة، وجعله بمظهر الحاكم الأبدي الذي يُحرّم التجرّؤ على التفكير حتى باستبداله، حيث يصير محور الحياة الواجب تقديمها فداءً له.
فتصبح الصورة ما يمكن أن يطال من الحاكم المختبئ خلف حصونه، وتتحوّل من أداة تمجيد إلى أداة عقاب ومهانة. هو نوع من الاحتجاج وإن لم يُسقط الطاغية عن عرشه لكنّه يُنزله من النفوس، ويضرب عصباً أساسياً في النظام القائم على تقديس القادة واصطناع هالة حولهم. احتجاج تبرز قيمته لا فقط من تفاعل المؤيّدين له، بل من غضب الموالين للنظام وشعورهم بأن الرمز قد مُسّ فعلاً.
إقرأوا أيضاً:

