تعتبر الدراما التاريخية من أهم أنواع الدراما التي ظهرت بقوة، واحتلت مكانة بارزة، خصوصا في السنوات الأخيرة، بفضل بعض الأعمال والتجارب التي جعلت منها دراما ذات قاعدة جماهيرية كبيرة. وكانت الفانتازيا التاريخية ومسلسلاتها التي تم إنتاجها في التسعينيات حاضرة في عقل المشاهد.
كان مسلسل “الزير سالم”، الذي عرض سنة 2000، نقطة تحول مهمة في صناعة الدراما التاريخية، فقد جعل من العمل الدرامي التاريخي ملحمة ينتظرها المشاهد بشغف
الإنتاج الدرامي التاريخي العربي في الثمانينيات والتسعينيات
قدمت الدراما العربية الكثير من الأعمال الدرامية التاريخية، مثل مسلسل الفرسان، الذي يتناول عصر المماليك وقصة صعودهم إلى الحكم.
كما قدمت الدراما المصرية الثلاثية الشهيرة التي تناولت ثلاث شخصيات، وهي: عمرو بن العاص، وعمر بن عبدالعزيز، وهارون الرشيد، حيث قدمت كل شخصية على حدة، وغيرها من الأعمال.
لقد تركت هذه الأعمال الدرامية التاريخية أثرا كبيرا، وأسست لتجارب لاحقة، وإن كان يؤخذ عليها -حسب رأيي الشخصي- ضعف في الأداء اللغوي في العديد من المواضع.
فترى أخطاء لغوية ونحوية أحيانا، وتأثرا باللهجة المصرية، إلا أن هذه الأعمال أثرت في وجدان المشاهد وذائقته أيضا.
أما على صعيد الدراما السورية، فقد شهد عقد التسعينيات، على وجه الخصوص، إنتاج عدد من أعمال الدراما التاريخية، وأهمها مسلسل “العبابيد”، الذي أنتج سنة 1997، والذي يحكي عن حياة أهل تدمر، ومسلسل “إخوة التراب” الذي تناول فترة الحكم العثماني في سوريا، وغيرها الكثير، مثل “حمام القيشاني” بأجزائه المختلفة، و”خان الحرير” الذي يؤرخ لحقبة مهمة من حياة مدينة حلب.
وكان مسلسل “الزير سالم”، الذي عرض سنة 2000، نقطة تحول مهمة في صناعة الدراما التاريخية، فقد جعل من العمل الدرامي التاريخي ملحمة ينتظرها المشاهد بشغف.
أعمال الفانتازيا التاريخية السورية
برزت أيضا مجموعة من أعمال الفانتازيا التاريخية للثنائي هاني السعدي في الكتابة، ونجدة أنزور في الإخراج، في عقد التسعينيات، مثل “الجوارح والكواسر” و”الموت القادم إلى الشرق”. ولاقت هذه الأعمال جماهيرية واسعة؛ لأنها قدمت طرحا جديدا متوسطا ما بين الدراما التاريخية والدراما المعاصرة.
فهي تقدم شخصيات غير حقيقية، ولكن يمكن إسقاط أحداثها على واقعنا، ونرى هذا في الأعمال السابقة الذكر، خاصة الموت القادم إلى الشرق، الذي نستطيع التقاط العديد من الإسقاطات والإشارات من بين طيات أحداثه.
تعامل حاتم علي في الإخراج ووليد سيف في الكتابة مع الشخصيات على أنها إنسانية لا ترتدي ثوب النبوة، وفي الوقت نفسه لم يسقطاها في مستنقع الشيطنة، بسبب البراعة والموهبة منقطعة النظير في كتابة النص
تجربة الثنائي الدكتور وليد سيف والمخرج حاتم علي في صناعة الدراما التاريخية
بقيت الدراما التاريخية تشهد محطات تحول متلاحقة، لكن المرحلة الأهم في صناعة الدراما التاريخية كانت لقاء الثنائي المميز والأبرز في هذا المجال: الدكتور وليد سيف والمخرج الراحل حاتم علي.
تعد هذه التجربة تجربة مهمة لعدة أسباب، حيث كانت أعمالهما وسيلة توثيق مهمة، واستطاعت حجز مكانها؛ لأنها قدمت بطريقة ملحمية وإبداعية خالدة في العقول.
تجربة الثنائي وليد سيف وحاتم علي وجدلية النص التاريخي
إن كتابة النصوص للأعمال التاريخية لطالما كانت معضلة في كثير من الأحيان؛ فالنص هو أساس أي عمل درامي، إلا أن أهميته في العمل التاريخي تكون مضاعفة.
فقد أثارت نصوص أعمال سابقة جدلا، في ناحية واحدة على الأقل من نواحي الطرح التاريخي أو غيره، ما يرفع من سوية العمل التاريخي أو يهوي به، بغض النظر عن الجهد المبذول فيه.
أما الثنائي وليد سيف وحاتم علي، فقد تجاوزا هذه النقطة في أعمالهما بكل اقتدار، حيث خضعت النصوص لكل أنواع المراجعة والتدقيق التاريخي واللغوي، فتجد النص يناقش العصر الذي ينتمي إليه العمل، ويطرق باب شخصياته بطريقة ذكية وأكاديمية، مع إضافة المؤثرات البصرية واهتمام حاتم علي- وهذا أهم ما يميز أعماله- بالتفاصيل الصغيرة التي تخدم الصورة البصرية، وهو ما يؤدي إلى نجاح أي عمل درامي أو سينمائي.
إن الثنائي في الأعمال التي قدماها يتطرقان إلى الحقائق دون إفراط أو تفريط، فيقدمان طرحا موضوعيا يتناول الشخصيات بصفتها شخصيات إنسانية.
وهذا ما وقعت في فخه كثير من الأعمال السابقة، فنجد بعضها سلط الضوء بشكل مبالغ فيه على الإيجابيات وأغفل السلبيات، أو بالعكس، بينما تعامل حاتم علي في الإخراج ووليد سيف في الكتابة مع الشخصيات على أنها إنسانية لا ترتدي ثوب النبوة، وفي الوقت نفسه لم يسقطاها في مستنقع الشيطنة، بسبب البراعة والموهبة منقطعة النظير في كتابة النص. وبهذه الطريقة تم تجاوز مطب جدلية النص التاريخي.
تبقى الدراما والفانتازيا التاريخية منذ نشأتها حجر أساس في الإنتاج الفني والدرامي. وعلى الرغم من المحطات المهمة سابقة الذكر، فإنني أعتقد أن المحطة الأكثر أهمية هي أعمال الدكتور وليد سيف والمخرج حاتم علي
اللغة في أعمال وليد سيف وحاتم علي
تعد اللغة حجر الزاوية في أي عمل سينمائي أو درامي تاريخي، إذ يمكن إنتاج بعض الأعمال الدرامية التاريخية باللهجات المحلية، لكنها لن ترقى إلى المستوى المطلوب؛ لأن الدراما التاريخية ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة.
وقد أولى الثنائي اهتماما كبيرا بهذه النقطة، فإذا ما دققنا في الحوار نجد أن ألفاظه اختيرت بعناية لتناسب العصر الذي تعيش فيه الشخصيات، فلا تستعمل كلمة في غير مكانها، ولا جزافا بطريقة عشوائية.
بحيث يكون النص متقنا، وعندما يأتي دور الممثل في توظيف أدواته وموهبته التمثيلية، تتشكل لوحة بصرية وفنية بديعة يشرف عليها حاتم علي باحترافية كبيرة. وفي نهاية الأمر، فإن هذه اللوحة المتقنة لا يكون مكانها مشهدا عابرا أمام البصر، بل في عقل المشاهد، ويساعد في ذلك اللغة والألفاظ التي تعلق في ذاكرة المشاهدين.
إبداع المخرج حاتم علي في إخراج الدراما التاريخية
أما الإخراج في الأعمال التاريخية، فيجب على المخرج عدم إغفال التفاصيل الصغيرة؛ لأنها مهمة جدا لإنتاج عمل درامي أو سينمائي متكامل. فمثلا، لا بد أن تناسب الملابس التي ترتديها الشخصيات، والأدوات التي تستخدمها، العصر الذي تعيش فيه.
وبالإضافة إلى اهتمامه بالتفاصيل التي تخدم السياق والنص الدراميين، وحسه الفني العالي، فإنه يملك خبرة ليست كمخرج فقط، بل تعددت تجاربه كممثل وكاتب أيضا، مما جعله يكون رؤية متكاملة عن أي عمل فني ينتجه.
وهي رؤية مكتملة الأركان أنتجت أعمالا درامية لا تنسى مع التقادم، إضافة إلى الدقة البالغة التي تسحب المشاهد إلى داخل المشهد المجسد، ليبقى هذا المشهد أو ذاك، أو هذا السيناريو أو الحوار، خالدا في العقول، متجاوزا التأثير اللحظي.
أما الإبداع في كتابة النص وتقاطعه مع تجربة إخراجية فريدة كمخرج مثل حاتم علي، فقد وظف الكاتب الخبرة الأكاديمية والموهبة التي يملكها لاستخدام بعض المشاهد بطريقة معينة، كي تكون رمزا لشيء ما في الماضي، وإسقاطا على الحاضر، واستشرافا للمستقبل. وقد برز هذا الأمر في أكثر من مشهد درامي، وأكتفي في هذا الموضع بالإشارة إلى مشهد تحرير القدس في مسلسل صلاح الدين الأيوبي.
أعتقد أن المفتاح يكمن في توظيف الطاقات بنصوص جيدة وإخراج مميز، لإنتاج أعمال درامية تحافظ على المكانة التي وصلت إليها الدراما التاريخية السورية
نظرة مستقبلية وخاتمة موضوعية
تبقى الدراما والفانتازيا التاريخية منذ نشأتها حجر أساس في الإنتاج الفني والدرامي. وعلى الرغم من المحطات المهمة سابقة الذكر، فإنني أعتقد أن المحطة الأكثر أهمية هي أعمال الدكتور وليد سيف والمخرج حاتم علي، حيث وضعت هذه التجربة الدراما التاريخية في القمة دون منازع.
كما وضعت في الوقت ذاته كل الأعمال التاريخية التي سيتم تقديمها وإنتاجها في المستقبل أمام مقارنة صعبة، تستدعي بذل جهود مضاعفة، خاصة على صعيد النص. فلا نقص في الطاقات التمثيلية، لكنني أعتقد أن المفتاح يكمن في توظيف هذه الطاقات بنصوص جيدة وإخراج مميز، لإنتاج أعمال درامية تحافظ على المكانة التي وصلت إليها الدراما التاريخية السورية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

