الفجوة القيمية: المدارس والمقدسات تحت وطأة خطاب الكراهية
مقدمة
استيقظت إدارة مدرسة “والت ويتمان” الثانوية في ضاحية “بيثيسدا” بولاية “ماريلاند”، صباح يوم 16 من يناير الجاري على كتابات تحريضية معادية للإسلام وللفلسطينيين تغطي أجزاء من جدران المدرسة، تضمنت عبارات تدعو صراحة إلى “محو فلسطين نوويًّا” و”طرد المسلمين”، في واقعة أثارت صدمة داخل الوسط التعليمي والمجتمع المحلي، واستدعت تدخلًا عاجلًا لإزالتها وفتح تحقيق في ملابساتها. وبينما كانت جدران مدرسة “والت ويتمان” تئن تحت وطأة ذاك الحبر المسموم بفاصل زمني قصير لم يتجاوز اليومين، شهدت مدينة “مينيابوليس” في ولاية “مينيسوتا” يوم 18 من يناير الجاري حادثة استفزازية من نوع آخر، تمثلت في تنظيم مظاهرة صغيرة أعلن خلالها أحد المشاركين عزمه إحراق المصحف الشريف علنًا، قبل أن تتطور الأجواء إلى احتكاكات مع محتجين آخرين، في مدينة تعيش منذ أيام حالة توتر اجتماعي واحتجاجات متواصلة.
هاتان الحادثتان، المتقاربتان زمنيًّا والمتباعدتان جغرافيًّا، لم تكونا سحابة صيف عابرة في سماء المجتمع الأمريكي، بل بدتا أقرب إلى مؤشرين صارخين على انزياح قيمي عميق، تحول فيه العنف اللفظي والرمزي من سلوك هامشي إلى ممارسة علنية، تتغذى على مناخ اجتماعي متوتر، وتستمد جرأتها من شعور متنام بالإفلات الأخلاقي من المساءلة.
لسنا أمام أفعال شاذة يمكن ردها إلى اندفعات أفراد بعينهم، بل أمام أنماط سلوكية متكررة تعكس تحولًا أعمق في البنية الثقافية للمجتمع، حيث تتقاطع الهويات القلقة مع الغضب المكبوت، وحيث تُفرغ مفاهيم التعدد وحرية التعبير من مضامينها الأخلاقية، لتُستبدل بخطاب إقصائي يهدد أسس العيش المشترك.
أزمة المعنى: حين تتحول الكراهية إلى لغة يومية
تطرح هذه الوقائع المتسارعة إشكالية مفصلية تتعلق بتحلل المناعة القيمية داخل المجتمع نفسه. إن انتقال الخطاب التحريضي من دهاليز الشبكات المتطرفة إلى جدران مؤسسة تعليمية في أحد أرقى أحياء “بيثيسد”، يكشف عن تصدع خطير في منظومة الضبطية الاجتماعية، وعن عجز غير معلن في ردع السلوكيات التي تتغذى على الكراهية.
الإشكالية هنا ليست في “الجرافيتي” بوصفه فعلًا تخريبيًّا، بل في جرأة المضمون وتطبيع اللغة. فالدعوة إلى إبادة شعب بالسلاح النووي داخل فضاء تربوي تعني أن اللغة فقدت وظيفتها الإنسانية والتواصلية، لتتحول إلى أداة عنف رمزي تمهّد نفسيًّا لتقبل العنف المادي. المدرسة، في هذا السياق، لم تُستهدف بوصفها مبنى، بل كونها رمزًا للتنشئة، وفضاءً يفترض أنه محصن ضد نزعات الإقصاء والعداء.
من الجرافيتي إلى اللهب: تصعيد الرمزية العدائية
إذا كانت كتابات الجدران تمثل مرحلة “التلميح العدائي”، فإن محاولة حرق المصحف الشريف في مينيابوليس تمثل انتقالًا واضحًا إلى الفعل الاستفزازي المتعمد، تلك المحاولة المشينة لا تندرج في إطار حرية الرأي أو الجدل الفكري، بل هي فعل صادم يهدف إلى نزع الكرامة الإنسانية عن أفراد، ورسالة كراهية يُراد لها أن تُرى وتُصوَر وتُستثمر في إطار نشر الكراهية.
تتضاعف خطورة هذا السلوك حين يحدث في بيئة اجتماعية مشحونة، تشهد احتجاجات وغضبًا عامًّا وتوترًا مزمنًا. في مثل هذه السياقات، لا يكون الاستفزاز فعلًا فرديًّا بريئًا، بل محاولة واعية لدفع المجتمع نحو التشظي المجتمعي والانفصال القيمي، واختبار قدرته على ضبط التوازن بين حرية التعبير والمحافظة على الأمن العام.
تطبيع التطرف
لا يمكن فصل هذه الأفعال عن سياق أوسع يتمثل في تطبيع السلوكيات المتطرفة داخل الفضاء العام، حين يشعر بعض الأفراد أن بإمكانهم الانتقال من خطاب عدائي إلى فعل صادم دون رادع فعلي، فإن ذلك يعكس خللًا في منظومة القيم أكثر مما يعكس مجرد تحد للقانون.
إن تحول شخصيات ذات سجل عنيف أو تحريضي إلى فاعلين في المشهد العام، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المجتمع بات أقل حساسية تجاه خطاب الكراهية، وأكثر قابلية لتسويغه أو التعايش معه، طالما أنه يُقدَّم تحت شعارات الهوية أو الدفاع عن الذات.
مينيابوليس: صورة مكثفة للصراع المجتمعي
تمثل مينيابوليس اليوم صورة مكثفة لصراع داخلي أوسع. ففي الشارع، تتقابل رؤيتان متناقضتان للمجتمع: رؤية تؤمن بالتعدد والحق في الاختلاف، وأخرى ترى في الإقصاء والاستفزاز وسيلة لفرض تصور أحادي للهوية.
المواجهات التي شهدتها المدينة لم تكن مجرد احتكاكات عابرة، بل تجسيد لصراع سرديات: سردية ترى في التعايش قيمة، وأخرى تعتبر الكراهية أداة تعبير.
المسلم الأمريكي: بين الاندماج والقلق الوجودي
تضع هذه الوقائع المسلمين في الولايات المتحدة أمام معادلة نفسية واجتماعية معقدة. فمن جهة، يعيشون تجربة اندماج مدني طبيعي. ومن جهة أخرى، يواجهون استدعاءً متكررًا إلى موقع الاتهام الرمزي، كلما تصاعد الجدل حول الهوية أو الهجرة أو الصراعات الخارجية.
هذا التوتر المتراكم يخلق شعورًا دائمًا بالهشاشة، خصوصًا لدى الطلاب والشباب. حين يرى طالب أن جدران مدرسته تحمل دعوة لطرده أو لإبادة شعب يرتبط به وجدانيًّا، فإن الرسالة التي يتلقاها ليست مجرد إساءة، بل تشكيك صريح في حقه بالأمان والانتماء.
هيكلة الكراهية: من نزعة فردية إلى ظاهرة اجتماعية
ما نشهده اليوم هو انتقال الكراهية من مستوى الشعور الفردي إلى ممارسة اجتماعية قابلة للتكرار. فالإسلاموفوبيا لم تعد مجرد موقف شخصي، بل تحولت في بعض السياقات إلى فعل استعراضي يوظف الرموز الدينية والصراعات الخارجية لإعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع نفسه.
الإعلام والمسؤولية الأخلاقية
في هذا المشهد المضطرب، يبرز الإعلام بوصفه فاعلًا مركزيًّا لا مجرد وسيط ناقل للأحداث. فهو يقف أمام مفترق حاسم: إما الاكتفاء بعرض الوقائع في إطارها الخبري العابر، بما يحولها إلى مواد استهلاكية سريعة تُفرغ من دلالاتها العميقة، أو الاضطلاع بدور تفكيكي نقدي يضع هذه الوقائع في سياقها الاجتماعي والثقافي، ويسمّي الأشياء بأسمائها الحقيقية دون مواربة: خطاب كراهية، تحريض مباشر أو ضمني، وتهديد حقيقي للسلم المجتمعي.
الاختبار الحقيقي للإعلام لا يُقاس بسرعة النشر ولا بحجم التداول، بل بقدرته على إنتاج معنى مسؤول، يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وواجب الحذر من إعادة إنتاج الظواهر السلبية عبر التهويل أو التطبيع. فالمعالجة السطحية قد تتحول، من حيث لا تدري، إلى شريك في ترسيخ الخطاب الإقصائي، حين تساوي بين الجلاد والضحية، أو تقدّم الاستفزاز بوصفه “رأيًا مثيرًا للجدل”. أما المعالجة العميقة، فهي تلك التي تكشف البنى التي تغذي هذه الظواهر، وتضعها أمام مساءلة أخلاقية عامة، وتُسهم في تحصين الوعي الجمعي بدل إرباكه أو تسطيحه.
مآلات التغاضي: حين يتحول الصمت المجتمعي إلى شريك في التفكك
إذا استمرّ التغاضي المجتمعي عن هذه السلوكيات، والتعامل معها بوصفها حوادث عابرة أو تعبيرات هامشية لا تستحق الوقوف الجاد عندها، فإن المشهد المقبل ينذر بتحولات أكثر خطورة وعمقًا. فغياب الردع اللازم يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الكراهية بصور أكثر تنظيمًا وجرأة، ويحوّل الاستثناء إلى نمط، والهامش إلى مركز.
في هذا السياق، يصبح تفكك التعايش احتمالًا واقعيًّا، حيث تتحول المدارس من فضاءات يفترض أنها حواضن للاندماج وتعدد السرديات إلى ساحات صامتة للقلق والخوف المتبادل، يشعر فيها الطلاب المنتمون إلى أقليات دينية أو ثقافية بأنهم أهداف محتملة وليسوا شركاء متساوين. ويتزامن ذلك مع تصاعد ردود الفعل المتطرفة، سواء في صورة انكفاء وانعزال دفاعي، أو في شكل نزعات مضادة أكثر حدة، ما يعمق دوائر الريبة ويغذي منطق الانعزال والانكفاء على الذات وعدم الاندماج في نسيج المجتمع.
أما على المدى الأوسع، فإن الخطر الأكبر يكمن في تآكل الصورة القيمية للمجتمع التعددي نفسه، حين يفقد هذا المجتمع قدرته على حماية تنوعه بوصفه قيمة جامعة، ويتحول التعدد من مصدر ثراء إلى عبء قابل للتشكيك. عندها، لا تتصدع الفسيفساء الاجتماعية من أطرافها فحسب، بل تتآكل لُحمتها الداخلية، مهددة بفقدان التوازن الدقيق الذي يقوم عليه العيش المشترك.
وختامًا، ليست عبارات الكراهية على جدران مدرسة في ماريلاند، ولا محاولة إشعال النار في كتاب مقدس في مينيابوليس، سوى أعراض ظاهرة أعمق تتعلق بتبدل المعايير التي تحكم المجال العام. فالمأزق الحقيقي لا يكمن في فعل التخريب أو الاستفزاز بحد ذاته، بل في اعتياديته المتزايدة، وفي قابلية المجتمع لتلقيه بوصفه رأيًا أو حدثًا عابرًا، لا إنذارًا أخلاقيًّا يستدعي وقفة جذرية. حين تُستباح المدرسة ،ويُستهدف المقدس باعتباره أداة تعكس الكراهية، يصبح العنف الرمزي تمهيدًا صامتًا لانهيارات أكبر.
إن ما نشهده اليوم هو اختبار لقيمة التعدد ذاتها: هل تبقى إطارًا محتويًا للاختلاف، أم تنقلب إلى واجهة هشة تخفي تحتها قابلية الإقصاء؟ هنا، لا يكفي شجب الأفعال أو إدانتها أخلاقيًّا، بل يتطلب الأمر استعادة المعنى بوصفه خط الدفاع الأخير عن العيش المشترك. فالمجتمع الذي يفشل في كبح الكراهية عند مستوى الرمز، يكتشف متأخرًا أنها تجاوزت الجدران والنيران، لتطال بنيته الداخلية، وتعيد صياغته على صورة خوفه لا على صورة قيمه.
9

