الخط : A- A+
قبل أسبوع تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبر إحداث مكتب تحقيقات وطني في لندن يحمل اسم “مكتب الشرطة الوطنية” (إن.بي.إس). الوحدة الأمنية التي عُهد إليها باختصاص نوعي ووطني في التعاطي مع الإرهاب والجريمة المنظمة ويغطي عملها كافة التراب البريطاني، تندرج ضمن إصلاح أمني جذري غير مسبوق تم الترويج له في الخطاب السياسي داخل بريطانيا بكونه أكبر الإصلاحات في مجال حفظ الأمن منذ تأسيس خدمات الشرطة في بريطانيا قبل 200 عاما، إذ سيتولى المكتب الجديد مكافحة الجرائم الخطيرة والمعقدة، انطلاقا من توحيد عمل باقي المصالح والوكالات الأمنية وتجميعها تحت مسمى وطني بعد نقل اختصاصات شرطة لندن التي ظلت لسنوات تتولى التحقيق في قضايا الإرهاب حصريا.
التسويق لإحداث مكتب الشرطة الوطنية في بريطانيا تم على أعلى مستوى في وسائل الإعلام المحلية والوكالات الدولية والمنصات الرسمية وفي الخطاب الحكومي، ما يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع للأمن وحفظ النظام العام ومواجهة الجريمة، إذ تطلب الأمر إحداث نموذج أمني جديد للعمل الشرطي ينسخ في الكثير من تفاصيله تجربة إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية بالمغرب، سواء تعلق الأمر بطبيعة الصلاحيات الممنوحة أيضا أو بالاختصاص أو بالنفوذ الترابي لعمله. عمليا، كان المغرب سباقا إلى تجريب نموذج التخصص الوظيفي في مكافحة بعض الجرائم النوعية.
يُثبت هذا التحول النوعي في الانتقال بالعمل الشرطي من المحلية إلى الوطنية حقيقة تظل قائمة وصامدة في مواجهة كل محاولات النيل من المؤسسة الأمنية في المغرب، مفادها وجود عقل أمني استراتيجي يملك قدرة على تقدير المخاطر واستباقها عبر المواجهة وأيضا من خلال تطوير البنيات الأمنية اللازمة. لقد نجح هذا التفكير في إحداث تقدم على مستوى الإدارة الأمنية للبلاد، وحافظ طيلة عشر سنوات على نسق متصاعد من الإصلاح البنيوي جعل المملكة في مقدمة البلدان الآمنة والمستقرة في محيط إقليمي معقد ومتآمر على استقرار المغرب.

تسمح المقارنة بين النموذجين الأمني المغربي والبريطاني بقياس مدى نجاعة الخيارات الأمنية الوطنية. ويكشف التحول البريطاني نحو نموذج أمني وطني شبيه بالنموذج المغربي قدرة القيادة داخل المؤسسة، في شخص عبد اللطيف حموشي، على استباق نتائج التحولات الأمنية الجارية في العالم والحاجة إلى مواكبة مؤسساتية للتقليل من مخاطر التهديدات المحتملة. فطريقة اشتغاله تَجعلك تُحس بوجود الرجل دون أن تَسمعه. في الإحساس العام بالأمن والنظام العام ومكافحة الإرهاب والتهديدات الناشئة وإدارة الأحداث الرياضية الكبرى والتعاون الأمني الدولي.. وهو ما يسمى اختصارا بشرعية المنجز.
لقد انتبه المغرب مبكرا إلى التحولات الجارية في طبيعة التهديدات الأمنية، في المحيط الإقليمي كما الوطني، وكيف أن هذين البعدين لم يعد ممكنا التمييز بينهما في عالم الجريمة، وأنه لا يكفي التركيز المباشر على الجرائم البسيطة داخل المجتمع، لأن الامتدادات الوطنية والإقليمية للمخاطر الأمنية أصبحت واقعا تغذيه التكنولوجيا الرقمية. انطلاقا من هذا التشخيص وقعت مراجعة الكثير من السياسات الأمنية بالمغرب، كان من أبرز إحداث بنية أمنية وطنية تابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، قادرة على مواكبة تحولات الظواهر الإجرامية الأكثر تعقيدا.
يمكن قراءة نتائج القدرة على المواكبة في التجربة المغربية لمكافحة الإرهاب كواحدة من نجاحات الرؤية التوقعية التي بدأت بإحداث بنية أمنية وطنية (بسيج) تلهم اليوم تجارب مماثلة في بريطانيا وربما بلدان أخرى لها تاريخ طويل في العمل الشرطي والاستخباراتي. النموذج الوطني ضد الإرهاب يعد واحدا من أكثر التجارب الرائدة على الصعيد الدولي. فرضية يمكن التحقق منها على ضوء ثلاثة مؤشرات أساسية: أولها، تقلص نشاط الخلايا الإرهابية خلال السنوات العشر الأخيرة، وثانيها، تراجع عدد الشبكات التي تم تفكيكها وتوقيف أعضائها وكشف ارتباطاتهم الداخلية والخارجية، ثم المؤشر الثالث، وهو الأهم، يمكن في إفشال المصالح الأمنية لكل محاولات إعلان ولاية تنظيمية تابعة للجماعات المتطرفة داخل التراب الوطني للمملكة. في ظل هذا التفوق الأمني يعزز المغرب موقع في خريطة الاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب من خلال آلية التعاون الأمني الدولي.
لقد أبانت النتائج والتجارب والمقارنة أن نجاح النموذج الأمني للمغرب ليست سردية وطنية، بل حقيقة تستلهم منها اليوم كبريات الأجهزة الأمنية في العالم، إذ تسعى إلى تجريب هذا النموذج الوطني بكل خصائصه وأفكاره وبنياته في مجتمع تختلف قيمه وثقافاته وسلوكياته لكنه يشترك في البحث عن شرعية المنجَز الأمني.

