Close Menu
rabsnews.com

    اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

    اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

    اختيارات المحرر

    تنمر سياسي تركي من زي رئيسة بلدية يفجر غضبا رقميا وأردوغان يستقبلها

    فبراير 11, 2026

    «من أول يوم».. حملة لحماية الأجنّة من التشوهات تحت مظلة 100 مليون صحة

    فبراير 11, 2026

    «لعبة وقلبت بجد» الفن فى خدمة المجتمع.. شكرا الشركة المتحدة

    فبراير 11, 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    الأربعاء, فبراير 11, 2026
    اخر الأخبار
    • تنمر سياسي تركي من زي رئيسة بلدية يفجر غضبا رقميا وأردوغان يستقبلها
    • «من أول يوم».. حملة لحماية الأجنّة من التشوهات تحت مظلة 100 مليون صحة
    • «لعبة وقلبت بجد» الفن فى خدمة المجتمع.. شكرا الشركة المتحدة
    • ملتقى دولي بين الذاكرة والإبداع
    • عادل السنهورى يكتب: «لعبة وقلبت بجد» الفن فى خدمة المجتمع.. شكرا الشركة المتحدة
    • ماذا يجري مالياً في لبنان؟ تقريرٌ يتحدث
    • “بوسمانتسي” سجن اللاجئين المنسي على حدود الاتحاد الأوروبي
    • النصر في غياب رونالدو… نتائج متباينة وتغييرات خططية
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام واتساب
    rabsnews.comrabsnews.com
    Demo Ad 2 Ad 3
    إشترك الآن
    • اخبار محلية (لبنان)
    • اخبار عالمية
    • رياضة
    • صحة
    • فن
    • موسيقى
    • موضة
    • انتاج
    • احداث
    • اسعار العملات والتداول
    • برامج
    rabsnews.com
    أنت الآن تتصفح:الرئيسية » “التقنية كسرت هيبة السلطة”.. قراءة في مستقبل الدول | سياسة
    مجتمع

    “التقنية كسرت هيبة السلطة”.. قراءة في مستقبل الدول | سياسة

    Info@rabsgroup.comInfo@rabsgroup.comيناير 28, 2026لا توجد تعليقات13 دقائق
    فيسبوك تويتر واتساب
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    من يتأمل مسار تشكل الدول عبر التاريخ يدرك سريعا أن التحولات التقنية لم تكن مجرد أدوات مساندة، بل كانت محركات كبرى أعادت صياغة مفهوم الحكم وحدود السلطة وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

    فكما أعادت الثورة الصناعية ترتيب العالم، فإن الثورة التقنية اليوم تحدث زلزالا سياسيا واجتماعيا لا يقل عمقا، وتضع شكل الدولة التقليدية أمام اختبار وجودي حقيقي.

    مع تقدم الصناعة وتطور السلاح، أصبحت الحروب أكثر كلفة وأشد تدميرا. لم يعد ممكنا استمرار نموذج الإمبراطورية الذي يعتبر حدود الدولة هي حدود القوة العسكرية “حيث تصل الخيول”. ومع اتساع دائرة الخطر، اتجه الفكر السياسي إلى نموذج جديد: الدولة الوطنية ذات الحدود الواضحة، التي تسمح بالنفوذ والتأثير عبر آليات الاقتصاد والدبلوماسية، بدل التوسع بالقوة.

    ولم تقف الثورة الصناعية عند إعادة رسم الجغرافيا. فالكثير من المفكرين يرون أن تحرير العبيد لم يكن فقط تحولا أخلاقيا، بل استجابة لحاجة المصانع إلى عمال أحرار غير مرتبطين بالحقول. كما ساهمت الصناعة في تفكيك الطبقات الصلبة لصالح بنية اجتماعية أكثر ديناميكية، ودفعت نحو تعميم التعليم باعتباره ضرورة اقتصادية قبل أن يكون حقا إنسانيا.

    بهذه التحولات، تشكلت ملامح الدولة الحديثة: مؤسسات، قوانين، تعليم، حدود، مواطنون لا تابعون.

    الثورة التقنية.. الدولة من جديد على الطاولة

    اليوم، نشهد ثورة أخرى ربما أشد تأثيرا: الثورة التقنية. الذكاء الاصطناعي، الإنترنت، المنصات الاجتماعية، البيانات الضخمة. كل هذه الثورة أعادت تشكيل الوعي البشري وطبيعة العلاقات الاجتماعية، تماما كما أعادت الصناعة تشكيل الإنتاج والحرب.

    لكن الفارق الأكبر يكمن في أن التقنية كسرت هيبة السلطة. فقد تغير مفهوم المعلومة، ولم تعد حكرا على المؤسسات. تغير مفهوم النفوذ، ولم يعد رهنا بالسلاح أو الحدود. وتغير مفهوم التنظيم، إذ باتت مجموعات صغيرة من الشباب قادرة على إسقاط حكومات، أو فرض تغييرات عميقة بمجرد هاتف وشبكة واتصال.

    جيل Z، الجيل الأكثر اتصالا في التاريخ، أسقط حكومات، وغير قواعد اللعبة السياسية، وأثبت أن الدولة بصيغتها التقليدية لم تعد مطلقة أو محصنة.

    ملامح الدولة القادمة

    من خلال تتبع المسار التاريخي، والتأمل في التحول الرقمي المعاصر، يمكن رسم أركان أساسية ستعيد تشكيل الدولة في المستقبل:

    الركن الأول: الحرية في عصر التقنية وصعود الدولة الثقافية

    لم تعد الحرية اليوم امتيازا يمنحه نظام سياسي أو يقيده، بل أصبحت نتيجة حتمية للثورة التقنية التي نقلت القوة من المؤسسات إلى الأفراد، ومن يد السلطة إلى فضاء المعلومات المفتوح. فالتقدم الرقمي لم يوسع هامش الحرية، بل ألغى إمكانية التحكم بهامشها من الأصل؛ وباتت مراقبة الأفراد أو فرض قوالب فكرية عليهم مهمة شبه مستحيلة في عالم تنتشر فيه المعلومة انتشار الضوء.

    لقد أثبتت العقود الأخيرة أنه حتى أكثر الدول ليبرالية- تلك التي تفخر بتراثها الديمقراطي- ما زالت تمارس شكلا من أشكال الوصاية على الحريات الفردية. فالجدل المحتدم في فرنسا حول البوركيني، حيث تدار معارك سياسية وثقافية حول لباس شخصي على الشاطئ، يكشف أن الحرية نفسها لا تزال “مدارة” من قبل الدولة، وأن السلطة لا تزال تتدخل في خيارات الفرد الدقيقة تحت عناوين رمزية.

    وكذلك فإن إجبار لاعب رياضي على وضع شعار أو رمز سياسي أو ثقافي- وتهديد مستقبله الرياضي في حال الرفض- يمثل دليلا ساطعا على أن السلطة الحديثة ما زالت تتدخل في الأفكار لا في السلوك فقط، حين تمنع أو تفرض رموزا تعبيرية تتجاوز حدود الملعب إلى المجال الأيديولوجي.

    لكن كل هذه المحاولات، مهما بدت قوية، أصبحت غير قابلة للاستدامة في عصر التقنية. فالتجسس، ومراقبة السلوك الخاص، وتوجيه العقائد، والتلاعب بالمعتقدات، لم تعد أدوات فعالة في عالم يتصل فيه كل فرد بشبكة أوسع من الدولة نفسها. إذ بات الفضاء الرقمي هو الحاضنة الجديدة للوعي، والعلاقات، وتبادل الأفكار، الأمر الذي يجعل التحكم في مساحة الحرية مهمة تتجاوز قدرات أي سلطة مهما كانت.

    وفي ضوء هذا التحول الجذري، يصبح الأساس في الدولة القادمة -الدولة الثقافية- هو الاعتراف بالحرية الفردية كحق يولد مع ولادة الإنسان، وكمكون بنيوي في المجتمع لا يمكن مصادرته أو الحد منه إلا بقدر ما يقتضي القانون حماية الآخرين من ضرر مباشر وقابل للإثبات. ويتضمن هذا الركن المبادئ الآتية:

    الحرية حق أصيل لكل فرد في الاعتقاد والفكر والتعبير، علنا وسرا، دون قيد، ما لم يتحول ذلك إلى إساءة قانونية مباشرة للغير.
    الآراء تعالج بالآراء، والاختلاف يدار بالحوار، وتحال التجاوزات إلى القضاء المختص حصرا، دون أي تدخل أمني أو سياسي.
    للفرد حرية السلوك داخل نطاقه الخاص، ويلتزم في الفضاء العام بالأخلاقيات العامة المتوافق عليها مجتمعيا، باعتبارها إطارا ضامنا للتوازن بين الخصوصي والعمومي.
    يحظر على الدولة والأفراد والجماعات ممارسة أي شكل من التجسس أو استخدام الوسائل غير المشروعة لكشف السلوك الخاص، كما يحظر التجريم والعقاب بناء على الظنون أو المعتقدات أو المعلومات المستخلصة بطرق استراقيه.

    يعد احترام هذه المبادئ أساسا لبناء الدولة ما بعد الحديثة، وضمانا لكرامة الإنسان، ومسارا حتميا لانتقال الدولة من نموذج السيطرة إلى نموذج الإدارة الثقافية.

    الركن الثاني: صناعة القرار الوطني في عصر “ديمقراطية أصحاب المصلحة”

    لم يعد منطق الدولة التمثيلية التقليدية قادرا على الاستمرار في شكله القديم، حيث يمثل مئات المندوبين مصالح مئات الملايين من المواطنين. فهذه الصيغة، التي بنيت في القرن الثامن عشر على بطء المراسلة وصعوبة التواصل وضيق قنوات المشاركة، فقدت مبرر وجودها في عالم تتحرك فيه المعلومة بسرعة رقمية مذهلة، وينتقل فيه الرأي العام بين الأطراف خلال أجزاء من الثانية، وتنتج فيه الهيئات المهنية والنقابات قدرا من المعرفة المتخصصة يفوق ما يمكن للبرلمانات العامة استيعابه أو مواكبته.

    إن الثورة التقنية لم تطور فقط أدوات التواصل، بل غيرت فلسفة المشاركة السياسية ذاتها. فقد أصبح المواطنون ليسوا ناخبين فقط، بل هم صناع مصلحة مباشرون في مجالاتهم، ويمتلكون القدرة التقنية والمؤسساتية للتعبير عن رأيهم بسرعة ودقة وانضباط لا توفره الديمقراطية التمثيلية التقليدية. وهذا ما يفرض ظهور نمط جديد من إنتاج القرار، نمط لا يقصي النخب لكنه لا يجعل السياسة حكرا عليها، ولا يلغي المجتمع ولكنه لا يتركه فوضى.

    ومن هنا يمكن القول إن الشكل الطبيعي للديمقراطية في العصر التقني هو ما أطلق عليه هنا: “ديمقراطية أصحاب المصلحة “Stakeholders Democracy”، وهي الديمقراطية التي تبنى على مبدأ بسيط وعميق: من يملك المعرفة المتخصصة، ومن يتأثر مباشرة بالقرار، يملك الحق في المشاركة الفعلية في صناعته. لا بالتفويض البعيد، بل بالمساهمة المباشرة، المؤسسية، المنظمة.

    وفي هذا النموذج، تتقدم الهيئات المهنية والنقابات ومجالس الاختصاص لتصبح الدائرة الأولى للتشريع، لأنها الأكثر دراية بتفاصيل السياسات وآثارها العملية. فهي القادرة على صياغة مشروعات القوانين والقرارات وفق خبرتها المتراكمة وارتباطها المباشر بحاجات المجتمع. وبذلك يتحول المجتمع المهني من متلقٍ للقرارات إلى منتج لها.

    أما مجلس الشعب (أو البرلمان الوطني) فيتحول إلى غرفة تنسيق عليا، وظيفته النظر في توازن المصالح، وفحص آثار التشريعات على النسيج الوطني، وترجيح ما يحقق الصالح العام. وبهذا يصبح البرلمان مؤسسة ضبط وتوازن لا مؤسسة احتكار للقرار.

    التقدم الرقمي لم يوسع هامش الحرية، بل ألغى إمكانية التحكم بهامشها من الأصل

    تنتج القرارات في هذا النموذج عبر تفاعل مؤسسي ثنائي:

    قد تبدأ المبادرة من البرلمان ثم تحال إلى الهيئات المتخصصة.
    أو تبدأ من النقابات والهيئات المهنية ثم ترفع إلى البرلمان لإقرارها أو تعديلها.

    وهكذا تتحقق المشاركة الشعبية ليس عبر تفويض سياسي عام، بل عبر مشاركة مهنية مباشرة، تنتج تشريعا سريعا، دقيقا، منضبطا، شبيها بانضباط عنوان “IP” في الشبكات الإلكترونية: سريع، محدد، ويصل إلى وجهته دون ضوضاء.
    وبهذا تصبح الثورة التقنية ليست وسيلة لتحسين الديمقراطية فحسب، بل قوة تغير شكلها وتعيد تعريفها. واللامركزية التنفيذية هي الامتداد الطبيعي لديمقراطية أصحاب المصلحة.

    وكما فرضت الثورة التقنية إعادة تعريف صناعة القرار، فرضت أيضا إعادة تعريف جهاز التنفيذ. فالإدارة المركزية التي كانت في الدولة الحديثة أداة لضبط الفوضى، صارت اليوم عقبة أمام الفاعلية؛ لأنها تتعارض مع تنوع المناطق، وتفاوت الموارد، وتسارع الزمن.

    لقد ظهر بوضوح في العقود الأخيرة أن المركزية الإدارية أصبحت تضعف قدرة الدولة على الاستجابة، حتى في الدول القوية ذات المؤسسات الراسخة.

    فما نشهده في الولايات المتحدة- وهي دولة فدرالية واسعة الحريات- من تململ متكرر للولايات تجاه أداء الحكومة الفدرالية، دليل على أن المركز مهما كان قويا لا يستطيع مواكبة احتياجات الأطراف المتنوعة في عصر تعمل فيه المجتمعات بسرعة الزمن الرقمي.

    وفي الدولة الثقافية- دولة ما بعد الحداثة- تصبح اللامركزية ضرورة لا رفاهية؛ إذ لكل منطقة خصوصياتها ومواردها التي لا يمكن إدارتها بكفاءة من مركز بعيد. كما سمحت التقنية بتكامل الطاقات عبر الاتصال اللحظي، مما جعل التنسيق بين الأقاليم أسهل من أي وقت مضى، وحول المركز من آمر منفرد إلى منسق عام.

    إن الإدارة اللامركزية هنا ليست تجزئة للدولة، بل تكاملا وظيفيا:

    القرار يصنع وطنيا عبر “ديمقراطية أصحاب المصلحة”.
    والتنفيذ يتم محليا عبر إدارات قادرة على تفعيل القرارات وفق خصوصياتها الاقتصادية والبشرية والطبيعية.

    وبهذا يصبح بناء الدولة الحديثة -أو بالأحرى دولة ما بعد الحديثة- قائما على ثلاثية العصر التقني: تشريع معرفي تشاركي- تنفيذ محلي فعال- تنسيق وطني شامل.

    وهكذا تستعيد الدولة قدرتها على النهوض، وتتجنب الاضطرابات المتولدة عن فجوات القرار والتنفيذ، وتتحول إلى دولة منسجمة مع روح عصرها، لا متصادمة معه.

    الركن الثالث: تمكين المجتمع وبروز السلطة الخامسة

    في بنية الدولة الثقافية أو ما بعد الحديثة، لم يعد المجتمع مجرد فضاء اجتماعي يدار من فوق، بل أصبح فاعلا مؤسساتيا يمتلك أدواته الخاصة وقدرته على التأثير في صناعة السياسات وتحقيق الرقابة العامة.

    فالتطورات التقنية التي قلصت المسافات، وأعادت تشكيل أنماط المشاركة العامة، جعلت من تمكين المجتمع أحد الأركان الرئيسة في بناء الدولة الجديدة، دولة تتجاوز المركزية التقليدية، وتستند إلى المشاركة الواسعة والمعرفة المتخصصة.

    لقد أنتجت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر مفهوم السلطة الرابعة ممثلة بالإعلام، لما اكتسبه من قدرة على مراقبة السلطات الثلاث وتشكيل الرأي العام. أما اليوم، ومع العولمة الرقمية وتوسع المؤسسات غير الحكومية، فيظهر مفهوم جديد يتجاوز الإعلام ويستند إلى التخصص والحيادية والعمل الميداني العابر للحدود: السلطة الخامسة، أي سلطة المجتمع المدني.

    وتنبع قوة هذه السلطة من تنوع مؤسساتها ومرجعياتها: منظمات حقوقية مثل “أمنستي إنترناشونال”، منظمات مكافحة الفساد مثل الشفافية الدولية، الشبكات الإغاثية العالمية، المراكز البحثية المستقلة، الجمعيات المهنية والتنموية.. جميعها باتت تشكل منظومة مؤسسية قادرة على التأثير في القرار العام، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

    وتتميز السلطة الخامسة بثلاث خصائص تجعلها جزءا بنيويا من الدولة الثقافية:

    الحيادية والتخصص: فهذه المؤسسات ليست طرفا سياسيا يسعى للمنافسة على السلطة، بل تعمل وفق معايير مهنية وحقوقية وتخصصية، تمنحها مصداقية أعلى في التدقيق والمساءلة وتقييم الأداء العام.
    قدرة واسعة على تمكين المجتمع: تعمل السلطة الخامسة على رفع الوعي، بناء القدرات، حماية الفئات الهشة، تعزيز الشفافية، وإنتاج المعرفة القابلة للاستخدام العام، مما يجعلها جسرا بين الدولة والمجتمع، لا خصما لأي منهما.
    تأثير عابر للحدود: في عصر الاتصالات الفورية، لم يعد تأثير المجتمع المدني محصورا بحدود الدولة؛ بل أصبح جزءا من شبكة عالمية تضع معايير جديدة للحوكمة الرشيدة، وتفرض على الدول- طوعا أو ضغطا- أن تلتزم بقدر أكبر من الانفتاح والمساءلة.

    وبذلك، تصبح السلطة الخامسة ركنا من أركان الدولة ما بعد الحديثة، دولة تستمد استقرارها وتقدمها من مجتمع فعال قادر على إنتاج المبادرات، مراقبة الأداء، والتفاعل مع التحولات التقنية الكبرى.

    ولا يكتمل بناء الدولة الثقافية إلا بوجود مجتمع مدني مستقل، قوي، وواعٍ بذاته، يشكل خط الدفاع الأول عن الحقوق العامة، ومحركا مستداما للنهضة الاجتماعية والسياسية.

    الركن الرابع: الاقتصاد التعاوني (الاقتصاد المتوازي)

    لم يعد من الممكن الحديث عن الدولة ما بعد الحديثة أو الدولة الثقافية من دون مقاربة جادة لمسألة الاقتصاد، ليس بوصفه أداة إدارة مالية فحسب، بل بوصفه آلية توزيع للفرص والثروة والقدرة على الفعل داخل المجتمع. وقد أظهرت العقود الأخيرة، بوضوح متزايد، أن النظام الاقتصادي العالمي القائم على البنوك، والفوائد، والمنتجات المالية المعقدة، قد أخفق في تحقيق أحد أهم وعوده: تعميم النمو وعدالة توزيع الثروة.

    تشير تقارير دولية موثوقة إلى أن أعلى 1% من سكان العالم يملكون ما يقارب 45-50% من إجمالي الثروة العالمية، بينما لا تتجاوز حصة النصف الأفقر من البشر 2-3% فقط.

    ولا يقتصر هذا الاختلال على الفارق بين الدول الغنية والفقيرة، بل يتجلى أيضا داخل الدول الصناعية نفسها، حيث تتركز الفرص الاقتصادية ورؤوس الأموال في أيدي شرائح ضيقة من المجتمع، بينما تتحمل الأغلبية أعباء التضخم، والديون، وتآكل القوة الشرائية.

    إلى جانب هذا الخلل البنيوي، كشفت الأزمات المالية المتكررة- من أزمة 2008 العالمية إلى انهيارات شركات كبرى نتيجة المضاربات المالية ومنتجات عالية المخاطر- أن الاقتصاد المالي الافتراضي بات منفصلا جزئيا عن الاقتصاد الحقيقي المنتج.

    وتعد أدوات مثل البيع على المكشوف (Short Selling) مثالا صارخا على منتجات مالية أسهمت في تدمير شركات منتجة كانت توفر آلاف فرص العمل، دون أن تقابل ذلك قيمة إنتاجية حقيقية للاقتصاد والمجتمع.

    في هذا السياق، لا يأتي البحث عن اقتصادات موازية بوصفه تمردا على النظام الاقتصادي العالمي، بل كاستجابة عقلانية لفشله النسبي، وكحاجة فرضتها الثورة التقنية نفسها.

    فقد أوجدت التكنولوجيا الحديثة- من العملات الرقمية اللامركزية كنموذج البيتكوين، إلى التجارة الإلكترونية، والعمل عن بعد، واقتصاد المنصات- فرصا حقيقية لنماذج اقتصادية أكثر مرونة، وأقل احتكارا، وأوسع قدرة على إشراك الأفراد خارج الهياكل التقليدية للبنوك والأسواق المالية.

    الدول التي تعجز عن قراءة المستقبل تدفع إليه دفعا، وغالبا بأعلى الأكلاف الإنسانية والاقتصادية

    ضمن هذه التحولات، يبرز الاقتصاد التعاوني كنموذج قابل للإدماج إلى جانب الاقتصاد السائد، لا بديلا قسريا عنه. وهو اقتصاد يقوم على مبادئ تقاسم المخاطر والعوائد، والمسؤولية المشتركة، وربط الربح بالقيمة المضافة الفعلية، لا بالمضاربة المجردة.

    ويجد هذا النموذج جذوره الثقافية في مجتمعات عديدة، ولا سيما في الثقافات التي عرفت تاريخيا أشكالا متقدمة من الشراكات التجارية، والتأمين التعاوني، والتمويل القائم على المشاركة لا الإقراض الربوي.

    إن دمج الاقتصاد التعاوني ضمن البنية الاقتصادية العامة يفتح المجال أمام توسيع دائرة الإنتاج عبر إدخال المدخرات العائلية، ورؤوس الأموال الصغيرة، والمبادرات المحلية في دورة العمل والاستثمار، بدلا من إبقائها أموالا معطلة أو محصورة في قنوات استهلاكية. كما يتيح هذا النموذج خلق فرص عمل أكثر استدامة، ويخفف من هشاشة المجتمعات أمام الصدمات المالية العالمية.

    يقوم الاقتصاد التعاوني، في جوهره، على منطق الربح والخسارة المشتركة لا على نقل المخاطر من طرف ضعيف إلى طرف قوي، وهو بذلك يقدم صيغة أكثر توازنا بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وفي إطار الدولة ما بعد الحديثة، لا ينظر إلى هذا النموذج كحنين إلى الماضي، بل كأحد مخرجات التقاء الثورة التقنية مع الحاجة الأخلاقية والاقتصادية لإعادة توزيع الفرص.

    إن اعتماد الاقتصاد التعاوني كركن بنيوي مكمل للاقتصاد العالمي السائد يمثل خطوة أساسية نحو بناء اقتصادات مرنة، أقل قابلية للانهيار، وأكثر قدرة على إشراك المجتمع في صناعة ثروته ومساره التنموي، وهو ما يجعل منه أحد أعمدة الدولة الثقافية، لا مجرد خيار اقتصادي ثانوي.

    إن الفارق الجوهري بين الاقتصاد التعاوني والرأسمالية المالية لا يكمن في أدوات التمويل فقط، بل في الفلسفة الاقتصادية التي تحكم توزيع المخاطر، والعوائد، واتخاذ القرار. فبينما تنطلق الرأسمالية المالية من مبدأ تعظيم الربح عبر الأدوات المالية والوساطة البنكية، يقوم الاقتصاد التعاوني على ربط القيمة الاقتصادية بالإنتاج الفعلي والمشاركة المجتمعية.

    في الرأسمالية المالية، يقف رأس المال في موقع مهيمن، حيث تتحول الأموال إلى سلعة بحد ذاتها. تفصل الملكية عن العمل، في الرأسمالية المالية الحديثة، تتخذ المخاطرة فرديا، ويدفع ثمنها جماعيا، بينما يحتفظ بالأرباح بشكل خاص.

    حين ينجح النظام، يربح الأقوياء وحدهم؛ وحين يفشل، يدفع الجميع الثمن. تنتج الثروة غالبا عبر أدوات مالية مركبة (أسهم، مشتقات، مضاربات)، ويصبح نجاح الفاعل الاقتصادي غير مشروط بإنتاج فعلي أو أثر اجتماعي إيجابي. وقد أدى هذا المسار إلى تضخم الاقتصاد المالي مقارنة بالاقتصاد الحقيقي، وإلى هشاشة دورية تترجم بأزمات مالية متتابعة.

    أما في الاقتصاد التعاوني، فلا ينظر إلى رأس المال كأداة سيطرة، بل كشريك في العملية الإنتاجية. فالتمويل مرتبط بالمشروع نفسه، والربح مشروط بالنجاح الحقيقي، والخسارة موزعة بعدالة بين المشاركين. لا يمكن تحقيق عائد من دون مخاطرة، ولا تفصل المسؤولية الأخلاقية عن القرار الاقتصادي.

    الاقتصاد التعاوني يعيد ربط المال بالعمل، ويحول المستثمر من دائن محصن إلى شريك مسؤول، ما يعزز الانضباط الذاتي، ويحد من السلوكيات عالية المخاطر.

    ختاما:

    لعل العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، لم يعد يحتمل اندلاع حروب كبرى جديدة. فالتقدم الهائل في تكنولوجيا السلاح حول الصراع من مواجهة محدودة النتائج إلى تهديد وجودي شامل، حيث بات الدمار لا يميز بين ما هو مقصود وما هو عارض، ولا بين من يستهدف ومن يصادف وجوده في نطاق الأذى.

    ومع الأسلحة النووية والذرية يمتد أثر الخراب لعقود طويلة تتجاوز زمن الحرب ذاته، بينما أفرزت الثورة التقنية أنماطا أكثر غموضا من العنف: طائرات مسيرة مجهولة المصدر، وهويات قتالية مائعة، يقتل فيها الإنسان دون أن يعرف القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل.

    في هذا السياق، يصبح تحول شكل الدولة مسألة تاريخية لا تنتظر ولادتها القسرية عبر الحروب والفوضى. بل إن من مصلحة الدول القوية والضعيفة على السواء أن يدرس هذا التحول بعقل بارد، وأن يختبر نظريا ومخبريا قبل إسقاطه على الواقع. فالدول التي تعجز عن قراءة المستقبل تدفع إليه دفعا، وغالبا بأعلى الأكلاف الإنسانية والاقتصادية.

    إن الدولة ما بعد الحديثة، أو الدولة الثقافية، ليست ترفا فكريا ولا مشروعا مثاليا معزولا عن الواقع، بل محاولة عقلانية للاستجابة لتحولات علمية وتقنية عميقة فرضت نفسها على السياسة والاقتصاد والمجتمع معا.

    ولعل من الحكمة أن تولد هذه التحولات من رحم التفكير الرشيد والتجربة المتأنية، لا من أهوال الحروب الكبرى التي إذا اندلعت لم تنج منها قوة، ولا تحمي فيها ثروة، ولا ينجو فيها التقدم نفسه.

    كما يقال: إذا جن ربعك فلا ينفعك عقلك؛ وإذا اشتعل العالم، فلا تنفع دولة قوتها، ولا اقتصادها، ولا تفوقها العلمي، إذ يصبح الجميع في دائرة الخطر نفسها، دون استثناء.

    أخيرا، فإن هذه القراءة لا تدعي امتلاك أجوبة نهائية، بل تسعى إلى فتح نقاش مسؤول حول مستقبل الدولة في عصر تتسارع فيه الاكتشافات أكثر من قدرة السياسة التقليدية على استيعابها.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

    التقنية الدول السلطة سياسة في قراءة كسرت مستقبل هيبة
    السابقالعراق يسجل أعلى إنتاج للكهرباء في تاريخه وسط فجوة طلب كبيرة
    التالي أهمية ممارسة الرياضة في رمضان
    Info@rabsgroup.com
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    عادل السنهورى يكتب: «لعبة وقلبت بجد» الفن فى خدمة المجتمع.. شكرا الشركة المتحدة

    فبراير 11, 2026

    ماذا يجري مالياً في لبنان؟ تقريرٌ يتحدث

    فبراير 11, 2026

    النصر في غياب رونالدو… نتائج متباينة وتغييرات خططية

    فبراير 11, 2026
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    loader-image
    طقس
    بيروت, LB
    9:38 م, فبراير 11, 2026
    temperature icon 27°C
    غيوم متناثرة
    65 %
    1010 mb
    2 mph
    Wind Gust: 0 mph
    Clouds: 75%
    Visibility: 8 km
    Sunrise: 5:53 am
    Sunset: 7:34 pm
    Weather from OpenWeatherMap
    تابعنا
    برامج

    #newmusic

    فبراير 10, 2026

    #lifeisbutadream #newmusic #newmusicrelease

    فبراير 8, 2026

    #lifeisbutadream #newmusic #newmusicrelease

    فبراير 8, 2026

    #newmusic

    فبراير 7, 2026
    الأخيرة

    ريال مدريد يواجه أزمة في الليغا بسبب كأس العالم للأندية | رياضة

    يوليو 6, 2025

    تراث حصرون حي وعلى موعد مع التغيير : و”…بتمون” العنوان

    أبريل 20, 2025

    تزكية الدكتور مايكل الخوري لرئاسة بلدية رشدبين: تكريم مستحق لمسيرة من العطاء

    مايو 5, 2025

    صورة … لائحة حزبية من ١٣ شخصًا تُغيّب 572 عائلة حصرونية

    أبريل 22, 2025
    أخبار خاصة
    اخبار عالمية فبراير 11, 2026

    تنمر سياسي تركي من زي رئيسة بلدية يفجر غضبا رقميا وأردوغان يستقبلها

    تحولت منصات التواصل الاجتماعي في تركيا إلى ساحة غضب عارم تضامنا مع رئيسة بلدية “ميهالغازي”…

    «من أول يوم».. حملة لحماية الأجنّة من التشوهات تحت مظلة 100 مليون صحة

    فبراير 11, 2026

    «لعبة وقلبت بجد» الفن فى خدمة المجتمع.. شكرا الشركة المتحدة

    فبراير 11, 2026

    مع كل متابعة جديدة

    اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

    الأكثر مشاهدة

    ريال مدريد يواجه أزمة في الليغا بسبب كأس العالم للأندية | رياضة

    يوليو 6, 20252٬309 زيارة

    تراث حصرون حي وعلى موعد مع التغيير : و”…بتمون” العنوان

    أبريل 20, 2025334 زيارة

    تزكية الدكتور مايكل الخوري لرئاسة بلدية رشدبين: تكريم مستحق لمسيرة من العطاء

    مايو 5, 2025319 زيارة

    مع كل متابعة جديدة

    اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
    للحصول على آخر الاخبار لحظة بلحظة

    © 2026 جميع الحقوق محفوظة. Rabs News
    • من نحن
    • اتصل بنا

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter