في ليلة امتزج فيها بريق الأرقام القياسية بهيبة الاعتراف، احتضنت الجزائر سهرة رياضية استثنائية، احتفت بصنّاع مجدها في عام 2025، حيث تحوّل التتويج إلى رسالة وفاء، لمن رفعوا الراية الوطنية في أكبر المحافل العالمية. من ألعاب القوى إلى الجمباز، ومن الرياضات البارالمبية إلى مواهب المستقبل، أعادت سهرة “الأوراسي” رسم صورة عام استثنائي كتبه أبطال الجزائر بالذهب والإصرار.
يعد حفل تتويج أفضل الرياضيين الجزائريين لسنة 2025، الذي احتضنه فندق الأوراسي بأعالي العاصمة، تقليدا سنويا راسخا تنظمه وكالة الأنباء الجزائرية لتكريم سفراء الراية الوطنية، وجاء هذا الموعد ليكرس “منطق الذهب”. فتصدر المشهد الاحتفالي كل من العداء العالمي جمال سجاتي والجمبازية المتألقة كيليا نمور، اللذين نالا جائزة الأفضل في فئة الأكابر، بفضل إنجازاتهما التاريخية وأرقامهما القياسية.
وامتد وهج التكريم ليشمل فئة ذوي الهمم، حيث جدد الثنائي البارالمبي صفية جلال ووليد فرحاح العهد مع منصات التتويج، مؤكدين زعامتهما العالمية، إلى جانب الاحتفاء بموهبة المستقبل في فئة الآمال، الكاياكي وسيم بوقزولة.
شهد الحفل حضورا رسميا رفيع المستوى، وسادت القاعة أجواء حميمية جمعت بين أجيال مختلفة من الرياضيين، حيث التقى أبطال الماضي بصناع مجد الحاضر، في مشهد يعبر عن تواصل الأجيال واستمرارية التقاليد الرياضية العريقة في الجزائر.
كيليا نمور… “ملكة الجمباز” تخطف الذهب العالمي وتكتسح التصويت
تصدرت البطلة العالمية كيليا نمور المشهد الرياضي النسوي لعام 2025، باكتساحها نتائج استطلاع وكالة الأنباء الجزائرية بحصولها على 27 صوتا من أصل 28، متفوقة بفارق شاسع على منافستها في الفوفينام ميليسا ڤندوزي.
ويأتي هذا التتويج المستحق ختاما لموسم “خرافي” رسخت فيه ابنة السابعة عشرة ربيعا اسمها كواحدة من أهم لاعبات الجمباز في التاريخ الحديث.
ولم تكتفِ نمور بميداليتها الذهبية الأولمبية في باريس 2024، وإنما واصلت هيمنتها المطلقة في عام 2025، محققة الميدالية الذهبية في بطولة العالم للجمباز الفني بجاكرتا (أندونيسيا).
وتألقت في اختصاص العارضتين غير المتوازيتين بعلامة خيالية بلغت (15.566)، متفوقة على بطلات روسيا والصين، لتكون أول رياضية جمباز عربية وإفريقية تتوج بطلة للعالم في هذا الاختصاص.
ولم يتوقف عداد إنجازات “الفراشة الجزائرية” عند هذا الحد، فقد أضافت لسجلها الذهب في جولات كأس العالم 2025 بكل من القاهرة، وكوتبوس، وباكو.
وقدمت خلال هذه الجولات عروضا أبهرت الحكام بدرجة صعوبة حركاتها التي تحمل اسمها في المدونة الدولية للجمباز.
وتميز أداؤها هذا الموسم بالنضج الفني الكبير والثبات الانفعالي، حيث نجحت في الجمع بين الميداليات الفردية والمنافسة بقوة في المسابقة العامة ما يؤكد تكاملها كلاعبة جمباز شاملة.
وتمكنت البطلة الشابة من تطوير جمل حركية جديدة تتسم بالتعقيد والدقة، ما جعلها مرجعا فنيا في اختصاصها، وأجبرت الاتحاد الدولي للجمباز على الإشادة بأسلوبها الفريد في أكثر من مناسبة.
ويمثل هذا التتويج الوطني اعترافا من الأسرة الإعلامية بأن ما حققته نمور يتجاوز حدود الرياضة ليكون “ظاهرة مجتمعية” ألهمت جيلا كاملا من الفتيات، وأثبتت أن الرياضة الجزائرية قادرة على التفوق في أعقد التخصصات التقنية العالمية.
كما ساهمت نجاحاتها في رفع مستوى الاهتمام برياضة الجمباز داخل الجزائر، حيث تضاعفت طلبات الانخراط في النوادي الرياضية، ما يبشر بميلاد جيل جديد يسير على خطاها.
جمال سجاتي… فضية مونديال طوكيو وأرقام “الدوري الماسي” تعبّد طريق التتويج
في فئة الرجال، حسم العداء جمال سجاتي لقب أفضل رياضي لعام 2025 لصالحه برصيد 26 صوتا، متجاوزا بطل الفوفينام دالي آكلي.
وجاء هذا الاختيار بفضل موسم استثنائي أكد فيه سجاتي زعامته لسباقات المسافات نصف الطويلة عالميا.
وكانت المحطة الأبرز في مسار سجاتي هذا العام هي تتويجه بالميدالية الفضية في سباق 800 متر ببطولة العالم لألعاب القوى طوكيو 2025.
وجرى السباق في ظروف تكتيكية مثيرة حبست الأنفاس حتى المتر الأخير، حيث سجل توقيتا عالميا قدره (1:41.90)، خلف الكيني إيمانويل وانيونيي وبفارق أجزاء من المئة فقط.
ويعتبر هذا الإنجاز استمرارا لنسق تصاعدي بدأه سجاتي منذ أولمبياد باريس، مرسخا مكانته ضمن “الثلاثة الكبار” في هذا الاختصاص الصعب.
وعلاوة على فضية المونديال، بصم ابن مدينة تيارت على حضور لافت في ملتقيات الدوري الماسي (Diamond League) لعام 2025.
وحقق الفوز في جولات موناكو وباريس، مسجلا أرقاما شخصية جديدة تؤكد تطور مستواه البدني والتكتيكي.
ويتميز سجاتي بأسلوبه الذكي في إدارة الجهد، وقدرته الرهيبة على “السرعة النهائية” التي مكنته من حسم العديد من السباقات في الأمتار الأخيرة.
وينظر الخبراء إلى موسم 2025 كعام “النضج الكامل” لسجاتي، الذي أثبت قدرته على التعامل مع ضغط البطولات الكبرى والمحافظة على مستواه العالي طوال الموسم.
ويعتمد سجاتي في تحضيراته على منهجية علمية دقيقة يشرف عليها طاقم فني جزائري مقتدر، يركز على تحسين الأداء البيوميكانيكي وتوزيع الجهد.
ويجعل هذا التطور المستمر من سجاتي الرهان الأول للجزائر لاستعادة الذهب الأولمبي في لوس أنجلس 2028، وحمل مشعل أساطير المسافات المتوسطة في الجزائر.
صفية جلال… “المرأة الحديدية” تحطم الأرقام وتواصل كتابة التاريخ
عادت جائزة أفضل رياضية من ذوي الاحتياجات الخاصة لعام 2025 إلى “أيقونة” رياضة الرمي، البطلة البارالمبية صفية جلال، التي حصدت 23 صوتا، لتضيف لقبا جديدا إلى خزانتها المرصعة بالذهب.
وتميز موسم 2025 بالنسبة لصفية جلال بإنجاز تاريخي غير مسبوق، حيث توجت بالميدالية الذهبية في بطولة العالم لألعاب القوى لذوي الهمم بنيودلهي (الهند).
وفرضت سيطرتها في اختصاص دفع الجلة (فئة F57)، محطمة في طريقها الرقم القياسي العالمي برمية بلغت (11,62 مترا).
ويؤكد هذا الرقم “الخرافي” أن صفية لا تنافس الخصوم فحسب، وإنما تنافس نفسها وتتحدى حدود المستحيل في كل منافسة تخوضها.
وتجسد مسيرة صفية جلال نموذجا فريدا في الاستمرارية والعزيمة، فهي تحافظ على تواجدها في القمة العالمية لأكثر من عقدين من الزمن، منذ ذهبية أثينا 2004.
وتمكنت هذا الموسم من تطوير تقنيات الرمي لديها، ما سمح لها بالتفوق على منافسات يصغرنها سنا من الصين والمكسيك.
وتلعب خبرتها الطويلة دورا حاسما في إدارة المنافسات الكبرى، حيث تعرف كيف تحافظ على تركيزها الذهني تحت الضغط العالي.
ويعتبر تتويجها بجائزة الأفضل لعام 2025 رسالة عرفان لهذه “المرأة الحديدية” التي حولت كرسيها المتحرك إلى منصة لإطلاق المجد.
وأثبتت أن الإعاقة في القاموس الجزائري هي مجرد حافز إضافي لصناعة الفرح ورفع الراية الوطنية في أعالي سماء نيودلهي وطوكيو وباريس.
كما تمثل صفية قدوة حقيقية للرياضيين الشباب من ذوي الهمم، حيث تحرص دائما على تقديم النصيحة والدعم المعنوي لهم في التربصات والمنافسات.
وليد فرحاح… ذهبية عالمية تؤسس لعهد جديد في “رمي الصولجان”
في فئة رجال ذوي الهمم، نال العداء والبطل الميداني وليد فرحاح جائزة أفضل رياضي لعام 2025، بحصوله على 24 صوتا، متقدما على أبطال كبار مثل الرباع حسين بتير.
وجاء هذا التتويج مستندا إلى إنجازه الباهر في بطولة العالم بنيودلهي 2025، حيث أهدى الجزائر ميدالية ذهبية غالية في مسابقة “رمي الصولجان” (Club Throw) لفئة (F32).
وتفوق فرحاح على مواطنه أحمد مهيدب الذي نال الفضية، متمكنا من بسط سيطرته على هذا الاختصاص التقني الدقيق.
ويؤكد هذا الإنجاز التطور الكبير الذي شهده مستواه منذ برونزية طوكيو 2020، ليصبح الرقم واحد عالميا في فئته.
وإلى جانب الذهب، بصم فرحاح على أداء فني راقٍ يعكس حجم التحضيرات المكثفة التي خاضها، حيث نجح في تجاوز حاجز الـ40 مترا، وهو رقم صعب في هذا الاختصاص.
ويعتمد فرحاح على تقنية دوران معقدة تتطلب توافقا عضليا وعصبيا عاليا، وهو ما عمل على صقله رفقة مدربه طيلة الموسم الماضي.
ويمثل وليد فرحاح الجيل الجديد الذي استلم المشعل من الرواد، حاملا مسؤولية الحفاظ على إرث الجزائر الثقيل في رياضات الرمي البارالمبية.
وتؤكد سيطرة الرياضيين الجزائريين على منصة التتويج في هذا الاختصاص وجود “مدرسة جزائرية” حقيقية في رمي الصولجان، تخرّج الأبطال بشكل دوري.
ويعد فوزه بجائزة 2025 حافزا معنويا هائلا لمواصلة العمل، وتأكيدا على أن الاستثمار في رياضة ذوي الهمم هو “الاستثمار المربح” الذي يضمن دائما عزف النشيد الوطني في المحافل الكبرى.
وسيم بوقزولة… “مجداف الأمل” ومستقبل الرياضات المائية
خصصت وكالة الأنباء الجزائرية جائزة فئة “الآمال” لعام 2025 للموهبة الصاعدة في رياضة الكاياك، وسيم عبد الله بوقزولة، الذي نال 11 صوتا.
وتأتي هذه الالتفاتة الذكية بهدف تشجيع الرياضات الفردية غير التقليدية، وتسليط الضوء على المواهب الناشئة.
وبرز بوقزولة هذا الموسم بشكل لافت في البطولات الإفريقية والعربية للفئات الشبانية، حيث أبان عن قدرات بدنية وفنية هائلة تبشر بمشروع بطل أولمبي واعد.
ويحسب لهذا الشاب نجاحه في فرض اسمه في رياضة تتطلب قوة بدنية وصبرا كبيرين، وتمكنه من تحقيق أرقام تقربه من المستويات العالمية في فئته العمرية.
ويخضع بوقزولة لبرنامج تحضيري مكثف يهدف إلى تطوير قدرة التحمل والقوة الانفجارية، وهما عنصران حاسمان في سباقات السرعة المائية.
ويحمل تتويج بوقزولة دلالات عميقة تتجاوز الشخص، لتشير إلى التوجه الجديد للرياضة الجزائرية نحو تنويع الاختصاصات والاهتمام بالمواهب الشابة في الرياضات المائية (التجديف والكاياك).
وسيشكل هذا الاعتراف الإعلامي والرسمي دافعا قويا لوسيم لمضاعفة الجهد في التدريبات، والانتقال بثبات نحو فئة الأكابر.
وسيكون بوقزولة خير خلف لأسلافه وخير سفير للجزائر في المسطحات المائية الدولية، مؤكدا أن الجزائر تمتلك خزانا لا ينضب من المواهب في شتى التخصصات، ينتظر فقط الصقل والمرافقة.
التزام الدولة 2026… استراتيجية مرافقة النخبة نحو “لوس أنجلس”
شكل الحضور الرسمي الرفيع في حفل “الأوراسي” تأكيدا سياسيا وميدانيا على التزام الدولة الجزائرية بمرافقة نخبتها الرياضية، ليس فقط بالتكريم، وإنما بتوفير الإمكانات.
وجاءت كلمات المسؤولين، وعلى رأسهم وزير الرياضة، وليد صادي، لتكشف عن ملامح “خارطة طريق 2026-2028”.
وتهدف هذه الخارطة إلى توفير تحضير علمي ومدروس للأبطال المتوجين، تحسبا للاستحقاقات القادمة وعلى رأسها الألعاب الأولمبية بلوس أنجلس.
وترتكز هذه الاستراتيجية على تذليل العقبات الإدارية، وتخصيص ميزانيات معتبرة للتربصات الخارجية، وضمان الرعاية الصحية والاجتماعية للرياضيين، ليتفرغوا كليا لمهمة تشريف الوطن.
كما تم التأكيد على دور الشركات الاقتصادية العمومية والخاصة في تمويل النخبة، عبر عقود رعاية تضمن استقرارهم المادي والذهني.
وينظر إلى عام 2026 كمحطة مفصلية لتثبيت المكتسبات المحققة في 2025، حيث يُنتظر من سجاتي ونمور وفرحاح وجلال مواصلة حصد الذهب وتكسير الأرقام.
وتعتبر هذه السنة فرصة سانحة لتجريب الخطط الفنية الجديدة، والمشاركة في أكبر عدد من البطولات الدولية لكسب نقاط التصنيف.
كما تعول الوزارة الوصية على توسيع قاعدة النخبة لتشمل أسماء جديدة في رياضات المصارعة، والملاكمة، والسباحة، مستلهمة من نجاحات المتوجين الليلة.
ولقد كان حفل 2025 بمثابة “تجديد العهد” بين الجزائر وأبنائها الأبطال، ورسالة طمأنة بأن قطار الرياضة الوطنية يسير في السكة الصحيحة، مدفوعا بإرادة سياسية قوية ومواهب فذة لا ترضى بغير القمة بديلا.

