لم تكن “الاستراحة الفنية” يومًا مفهومًا جديدًا في الوسط الفني، إذ لجأ إليها كثير من الفنانين عبر السنوات، إمّا بدافع الإرهاق النفسي، أو رغبةً في إعادة تقييم التجربة، أو نتيجة ظروف إنتاجية ومالية حالت دون الاستمرار. غير أنّ التحوّلات السريعة التي طرأت على صناعة الفن اليوم جعلت من هذا الخيار سيفًا ذا حدّين، وغالبًا ما كان الحدّ الخاسر هو الأرجح.
فالواقع أثبت أن الغياب الطويل عن الساحة الفنية لا يمنح الفنان فرصة لإعادة التموضع بقدر ما يعرّضه لخسارة تدريجية في حضوره الجماهيري. فالجمهور، بطبيعته، لا ينتظر، ولا يفتّش عمّن غاب، بل يتوجّه تلقائيًا نحو الأسماء الحاضرة والمتاحة، خاصة في زمن بات فيه المحتوى يُستهلك بسرعة، وتُصنع فيه النجومية بانتظام.
كثيرون ممن ابتعدوا لفترات طويلة عادوا بأقلّ مما غادروا به: زخم أضعف، اهتمام إعلامي محدود، وقاعدة جماهيرية متآكلة. بل إن بعضهم خسر حتى شريحة الجمهور “الحيادي” الذي كان يتابع بدافع الفضول أو العادة، وهو جمهور لا يُعاد استقطابه بسهولة بعد الانقطاع.
من هنا، سقطت المقولة القائلة إن “الاستراحة الطويلة صحّية دائمًا”،ففي عصر تحكمه السرعة والمنصّات الرقمية، يصبح الغياب نوعًا من الانسحاب غير المعلن، ويترك المجال مفتوحًا أمام أسماء جديدة لتحلّ مكان الغائبين، أو أمام فنانين آخرين لاحتلال الضوء ذاته.
الأكثر إشكالية من الغياب نفسه، هو أسلوب العودة. إذ اختار بعض الفنانين أن يعودوا عبر إثارة الجدل بدل تقديم الفن، فاستعاضوا عن العمل الفني الجميل القادر على فرض نفسه او فرض اسمائهم من جديد، بتصريحات صادمة، أو فتح ملفات قديمة، أو افتعال حساسيات وخلافات لا تضيف إلى مسيرتهم سوى ضجيج مؤقت.
في هذا السياق، شكّلت عودة الفنانة ألين خلف مثالًا واضحًا على هذا النهج. فبدل أن تكون العودة محمولة على عمل غنائي جديد يعيد تعريف حضورها الفني، جاءت العودة عبر استحضار خلافات قديمة والتطرّق إلى أسماء فنية معروفة، في مقدّمها الحديث عن تجارب سابقة ومواقف من الماضي لم تعد تحتلّ موقعًا حقيقيًا في اهتمام الجمهور اليوم. هذا الأسلوب، وإن أعاد اسمها إلى التداول لفترة قصيرة، إلا أنه لم يرسّخ عودة فنية متينة، بل أعاد فتح ملفات تجاوزها الزمن.
الأمر نفسه انسحب على تجربة الفنانة أمل حجازي، التي شكّلت عبر مسيرتها نموذجًا فنيًا وإنسانيًا خاصًا، لا سيما بعد تحوّلها إلى الغناء الديني وارتدائها الحجاب، وما رافق ذلك من خطاب واضح ومواقف علنية. غير أن ظهورها الإعلامي الأخير، وما تضمّنه من تصريحات مثيرة للجدل حول الحجاب، شكّل صدمة لدى شريحة واسعة من جمهورها، ليس فقط بسبب الموقف بحدّ ذاته، بل بسبب التناقض الصريح مع الخطاب الذي تبنّته لسنوات طويلة.
بدل أن تكون العودة هادئة، عبر عمل فني جديد يعبّر عن المرحلة الحالية من مسيرتها، تحوّل النقاش إلى سجال حاد، وانقسم الرأي العام بين مؤيّد ومعارض، وتراجع الحديث عن الفن لحساب الجدل. وهو ما يؤكّد مرة جديدة أن العودة القائمة على إثارة البلبلة، مهما كانت دوافعها، تضرّ أكثر مما تنفع، وتضع الفنان في مواجهة جمهوره بدل أن تعيد بناء الجسور معه.
لقد شهدت الساحة الفنية مرارًا عودات مشابهة لم تكن موفّقة، لأن أصحابها اختاروا الطريق الأقصر نحو الضوء، لا الطريق الأصح. فالفن لا يحتاج إلى فضائح ليُسمع، ولا إلى صدامات ليُتابَع، بل إلى عمل صادق قادر على فرض نفسه في زحمة الإنتاج.
في زمن السرعة والبدائل الكثيرة، لم يعد الجمهور متسامحًا مع الغياب الطويل ولا مع العودات المصطنعة. وحدها الاستمرارية الذكية، أو العودة عبر عمل فني قوي، قادرة على حفظ مكانة الفنان واستعادة حضوره الطبيعي، بعيدًا عن الضجيج الآني الذي سرعان ما يخفت…

