في تجربة فنية استثنائية تمزج بين الحس الجمالي والبعد الروحي، يقدّم الفنان التشكيلي القدير الدكتور طاهر عبد العظيم، أستاذ بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان، مشروعًا بصريًا فريدًا استلهم محطات مضيئة من السيرة النبوية الشريفة في صياغة بانورامية مهيبة. هذا المشروع لم يقف عند حدود التوثيق البصري، بل تجاوز ذلك إلى قراءة تشكيلية معاصرة تستحضر القيم والمعاني الإنسانية العميقة التي حملتها السيرة، وتعيد طرحها بلغة اللون والضوء والرمز.
في هذا الحوار الخاص للبلاد من القاهرة، نقترب من المسيرة الإبداعية للفنان ومن ملامح تجربته الذاتية، لنكشف كيف تداخلت رحلته الفنية الطويلة مع هذا العمل ذي الخصوصية الروحية والفكرية، وكيف استطاع أن يوازن بين الأكاديمية الصارمة والإحساس الإيماني، ليقدّم رؤية تشكيلية تُجسّد السيرة النبوية بوصفها رسالة نور ممتدة في الزمان والمكان.
كما عبّر الدكتور طاهر عبد العظيم عن رغبته في أن تكون مملكة البحرين محطة معرضه الفني المقبل، مثمنًا ما لمسه من تطور في الحركة التشكيلية البحرينية، التي وصفها بأنها تجربة ناضجة تعكس توازنًا بين الجذور التراثية والرؤى المعاصرة، وتسهم في إثراء المشهد الفني العربي.
ما الدافع الأساسي وراء مشروع «رؤية تشكيلية للسيرة النبوية»؟
الدافع كان إيمانيًا وفنيًا في آن واحد. السيرة النبوية ليست تاريخًا يُستعاد، بل منظومة قيم حيّة، ومصدرًا حضاريًا وجماليًا يمكن للفن التشكيلي أن يترجم روحه دون الوقوع في المباشرة أو التكرار. أردتُ أن أقدّم السيرة بوصفها طاقة بصرية ومعنوية، تُخاطب الوجدان قبل العقل، وتعيد للمتلقي الإحساس بالنور الداخلي الذي تحمله هذه السيرة العطرة.
المعرض وُصِف بأنه «مشروع بانورامي»، ماذا تقصدون بذلك؟
المشروع بانورامي لأنه يعتمد على تتابع بصري زمني، حيث تشكّل اللوحات مسارًا سرديًا مفتوحًا، لا يقيّد المتلقي بحادثة واحدة، بل يدعوه للتنقّل بين المحطات الروحية والفكرية للسيرة. هو أشبه برحلة تأملية يعيشها المشاهد، لا قراءة تاريخية حرفية. كل لوحة تمثل محطة وجدانية، والبانوراما الكاملة تشكّل التجربة الروحية المتكاملة.
كيف تعاملتم فنيًا مع خصوصية السيرة النبوية دون تجسيد مباشر؟
الرمز كان هو الحل الجمالي والأخلاقي. اعتمدتُ على عناصر تشكيلية تعبّر ولا تُجسّد، مثل
الفضاء المعماري والدلالات المكانية ،الإيقاع الحركي داخل التكوين ،الضوء والظل بوصفهما حضورًا روحيًا، الكتل اللونية ذات البعد الرمزي والإشارات الحضارية المرتبطة بالزمان والمكان؛ فالشخصية المحورية حاضرة بأثرها لا بجسدها، وبقيمها لا بصورتها، وهذا يمنح العمل احترامه وقدسيته وعمقه الفني.
ما المدرسة أو الاتجاه الفني الأقرب لهذا المشروع؟
يمكن القول إن العمل ينتمي إلى التعبيرية الرمزية ذات البعد الحضاري. لم ألتزم بمدرسة مغلقة، بل استخدمت حرية التعبير التشكيلي لخدمة الفكرة. اللوحة هنا ليست غاية جمالية فقط، بل وسيلة فكرية وروحية. المهم أن تصل الحالة الشعورية وأن يشعر المتلقي بأن العمل يحمل معنى يتجاوز الشكل.
ما الرسالة التي يوجّهها هذا المشروع للمتلقي المعاصر؟
الرسالة الأساسية أن السيرة النبوية الشريفة ليست بعيدة عن إنسان اليوم ، ولا مُنغلقة في الماضي ، بل هي تجرية إنسانية قادرة على مخاطبة قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية، وإعادة التوازن بين الروح والمادة. الفن هنا يعمل كجسر يربط بين التراث الحي والإنسان الحديث، بين القيم الخالدة والواقع المتغيّر.
قُدِّم المشروع ضمن فعاليات ثقافية خارج مصر، كيف انعكس ذلك على تلقي العمل؟
عندما يُعرض مشروع عن السيرة النبوية في سياق ثقافي دولي، يتحول من عمل محلي إلى رسالة إنسانية عالمية. هذا أتاح للجمهور غير العربي أيضًا أن يتفاعل مع القيم البصرية والروحية دون حاجز اللغة. الفن لغة عالمية، وحين يحمل مضمونًا إنسانيًا صادقًا، يصل إلى القلوب مباشرة.
كيف انعكست خلفيتكم الأكاديمية في الديكور والسينما على هذا المشروع؟
الدراسة الأكاديمية في الديكور والسينما منحتني وعيًا بالفراغ والحركة والدراما البصرية. لذلك نجد في اللوحات إحساسًا بالمشهدية، وكأن كل عمل هو لقطة سينمائية متخيلة، فيها عمق منظور، وإضاءة درامية، وبناء فراغي محسوب. هذا البعد السينوغرافي ساعدني في تقديم السيرة كفضاء حي لا كصورة مسطّحة.
هل يمكن اعتبار هذا المشروع ذروة تجربتكم الفنية؟
أستطيع القول إنه من أكثر مشاريعي قربًا إلى روحي. كل فنان يمر بمحطات كثيرة، لكن هناك أعمال تصبح جزءًا من تكوينه الإنساني. هذا المشروع لم يكن مجرد تجربة تشكيلية، بل رحلة إيمانية وفكرية عشتها قبل أن أضعها على القماش.
كيف يمكن للفن التشكيلي أن يعبّر عن المقدّس دون الوقوع في المباشرة أو التزيين؟
الفن حين يقترب من المقدّس يحتاج إلى حساسية عالية ووعي عميق باللغة البصرية. التعبير لا يكون عبر النقل الحرفي أو الزخرفة السطحية، بل عبر الإيحاء. الرمز، الضوء، الإيقاع، الفراغ… كلها أدوات تمنح العمل روحًا دون أن تفرض معنى مباشرًا. المقدّس يُستشعر ولا يُرسم حرفيًا، وحين يحافظ الفنان على هذه المسافة الجمالية، يصل إلى جوهر التجربة الروحية دون أن يفقد احترامها.
هل كنت تخاطب المتلقي المسلم فقط أم الإنسان بوصفه كائنًا روحيًا؟
كنت أخاطب الإنسان في جوهره. صحيح أن المنطلق ثقافي إسلامي، لكن القيم التي تحملها الموضوعات التي أتناولها — كالرحمة، الصبر، النور، والهداية — هي قيم إنسانية عالمية. الفن الحقيقي لا ينحصر في جمهور بعينه، بل يخاطب البعد الروحي المشترك بين البشر جميعًا، ولهذا أؤمن أن العمل الصادق يستطيع أن يعبر الحدود الدينية واللغوية.
كيف تقرأ تغيّر ذائقة الجمهور العربي تجاه الفن التشكيلي اليوم؟
هناك تحوّل واضح. الجمهور أصبح أكثر انفتاحًا على التجريب والأساليب المعاصرة، ولم يعد يبحث فقط عن الواقعية أو الجمال التقليدي. وسائل التواصل، المعارض الدولية، والانفتاح الثقافي لعبت دورًا في رفع الوعي البصري. لكن في المقابل، ما زلنا بحاجة إلى تعزيز الثقافة الفنية والتعليم البصري حتى يستطيع المتلقي قراءة العمل الفني بعمق، لا الاكتفاء بالانطباع السريع.
كيف توازن بين تدريس القواعد وتحفيز الطلاب على كسرها؟
أنا أؤمن أن القاعدة تُتعلَّم أولًا لتُفهَم، لا لتُقيِّد. الطالب يحتاج أن يمتلك الأدوات الأكاديمية: التكوين، النسب، اللون، المنظور… هذه هي اللغة. بعد أن يتقن اللغة، يصبح قادرًا على التجريب وكسر القواعد بوعي لا بعشوائية. دوري كأستاذ ليس أن أفرض أسلوبي، بل أن أساعد كل طالب على اكتشاف صوته البصري الخاص.
كيف تتعامل مع اللون بوصفه عنصرًا تعبيريًا؟
اللون عندي ليس غطاءً للشكل، بل هو حامل الشعور الأساسي في اللوحة. أتعامل معه كما يتعامل الموسيقي مع النغمة؛ قد يعبّر عن السكون، أو التوتر، أو الصفاء، أو الدراما. أحيانًا يقودني اللون إلى الفكرة، وليس العكس. العلاقات اللونية، درجات الضوء، والتباين هي التي تصنع الحالة النفسية للعمل قبل أن يقرأ المشاهد تفاصيله.
كيف ترون دور الفن التشكيلي في خدمة القيم الدينية والإنسانية؟
الفن التشكيلي قادر على تقديم القيم دون وعظ، وعلى ترسيخ المعنى دون خطاب مباشر. وعندما ينجح الفن في ذلك، يصبح أداة وعي، وذاكرة بصرية للأمة، وجسرًا بين الجمال والإيمان. الفن الحقيقي يرقّي الإحساس، وإذا ارتقى الإحساس ارتقى الإنسان.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

