يجيء المعرض الجديد، للفنانة يارا حاتم التي تدرّس في كلية الفنون، ضمن معارض جماعية خلال الأعوام الخمسة الأخيرة كانت مظهرة تأثرها الواضح بدراستها فن التصوير الجداري، وقد انعكس ذلك على تعاملها مع الخطوط وطريقتها في الزخرفة، والعمل على تركيب خامات متنوعة.
يحمل المعرض عنوان “رحلة التأقلم” وتولى تنسيقه محمود حمدي بطريقة تسمح للزائر بالتعرف على مراحل تطور تجربة صاحبته، إذ تظهر بعض الاسكتشات مؤرخة بما يشير إلى انشغالها بموضوعات ومفاهيم في مرحلة ما، ثم مغادرتها إلى موضوعات أخرى، مع بقاء طريقة التنفيذ واحدة.
في بعض اللوحات، هناك هوس واضح بالثنائيات التي تجمع المرأة بالرجل، بينما تتأمل لوحات أخرى ثنائيات تجمع المرأة بالحيوانات الأليفة مثل القطط والكلاب، وهي مسألة تفسر عنوان المعرض.
وتظهر لوحات أخرى اشتغالها على فكرة المسخ، إذ يظهر البشر بوجوه حيوانات، بما يحيل إلى لوحات “الغروتسك”. وصيغ هذا المصطلح في مرحلة تاريخية ليشير إلى أسلوب زخرفي معين يعكس ولع الفنانين بملء الجدران بصور الوحوش بدلاً من إنتاج صور واضحة عن العالم المألوف، غير أن تطور التقنيات وأساليب العمل دفع الفنانين إلى التعامل معه كأداة للمحاكاة التهكمية أو لطرح تصورات عن الوجود البديل أو العوالم الموازية، التي عدها بعضٌ بذرة للسوريالية في ما بعد.
أسئلة الذات
تظهر لوحات يارا حاتم، المنفذة انطلاقاً من رسوم الاسكتش بوك، أسئلة الذات ورغبتها الحارقة في إبدال الأدوار، فالحيوانات تدخل على أجساد بشرية، لكنها تبدو متوافقة معها ومألوفة على نحو يبدد غرابتها.
وهناك مجموعات نُفذت بخامات متعددة ذات صفات مختلفة، إذ نفذ بعضها على ورق طباعي مع تضمينات فوتوغرافية، وبعضها الآخر بالأكريليك وبطريقة الكولاج الذي جمع تلك الخامات إضافة إلى صور لبلاطات الزنك، صُورت من مجموعات متحف جاير أندرسون قرب مسجد ابن طولون بالقاهرة.
يراهن المعرض على إبراز العناصر الزخرفية بوصفها عنصراً أساسياً، إلى جانب العمل على توليف خامات ووسائط متعددة، وتظهر الفنانة قدراً من الدأب والصبر في تنفيذ الخلفيات، ويتضح شغفها بإعادة إنتاج تصميمات التوريق النباتي الشائعة في الفن الإسلامي وفنون المنمنمات.
في أعمالها، تتجاوز الزخرفة حدود التزيين السطحي لتؤدي وظائف جمالية وتعبيرية وتنظيمية، وتخلق توازناً وإيقاعاً مع التكرار المتعمد لبعض الوحدات.
بطريقة تشير إلى افتنانها بالسرد البصري مع إضفاء طابع معاصر وخلق رموز ذات أشكال رومانسية، وبخاصة ضمن اللوحات التي يتكرر فيها حضور ثنائية الرجل والمرأة، سواء في التآلف أو التنافر خلال الجلسات الحميمية، لكن الفنانة تتجنب الحسية لمصلحة مفهوم الألفة أو المساكنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تنطوي خطوط يارا حاتم على شيء يماثل لوحات فن التصوير الروسي، من حيث استخدام خطوط هندسية قوية مستقيمة لإنشاء تركيبات “بارزة” أو ثلاثية الأبعاد، مع خطوط قطرية تخلق طاقة وحركة، فالفن الروسي إجمالاً يمثل منبعاً مهماً لتأمل تجربتها بوجه عام.
يتصدر المعرض نص أدبي كتبته الفنانة حول علاقتها بـ”قطة” وفدت إلى بيتها بالمصادفة واستقرت داخله، إلى أن جاء إلى البيت نفسه كلب جديد خاضت معه القطة رحلة جديدة للتأقلم، ولعل هذا النص الحميم بمثابة عتبة للدخول إلى عالمها الفني، فالفنانة تتعامل مع الاسكتش بوك كمدونة يوميات، وأداة للمقاومة أو للتأقلم في رحلتها الحافلة بانتقالات الزمان والمكان.
إضافة إلى الاسكتشات واللوحات المكتملة، تكرس الفنانة غرفة خاصة لعمل أقرب إلى “التجهيز”، تلجأ فيه إلى إعادة تدوير خلاصة ما توصلت إليه خلال رحلتها لإعداد رسالة الماجستير حول الإفراغ الهندسي للأطباق النجمية، أو عمليات تشكيل المحاريب (جمع محراب) في المساجد. واعتمدت في هذا الجزء بالكامل على تكوينات خشبية جرى تفريغها ثم إعادة ترصيعها بقطعة صغيرة من الخزف الملون وبعض الحشوات التي تماثل أجزاء من زخرفة الطبق النجمي، مع معالجات جدارية خزفية.

