يشهد الاقتصاد الجزائري تحولا استراتيجيا في رؤيته التنموية، حيث انتقل تدريجيا من الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد إلى تبني سياسة “التوطين الصناعي” كخيار أساسي لبناء اقتصاد منتج. وتبرز صناعة الألبسة والمنسوجات كنموذج حي لهذا التحول، خاصة مع تزايد إقبال العلامات العالمية على إنشاء وحدات إنتاجية داخل البلاد.
و هذا التوجه لا يمثل مجرد تغيير في مصدر السلع، بل هو عملية إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الإنتاجية تهدف إلى رفع القدرات التنافسية، نقل التكنولوجيا، والاندماج في سلاسل القيمة الدولية، مما يجعل من وسم “صنع في الجزائر” ركيزة حقيقية للنمو خارج قطاع المحروقات.
و في حوار خص به “الأيام نيوز”، قدم عبدالرحمان هادف، مستشار دولي في التنمية الاقتصادية، تقييمه الشامل للأثر الاقتصادي لتصنيع العلامات العالمية داخل الجزائر، مشيرا إلى دور هذا التوجه في تقليص فاتورة الاستيراد، خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز مكانة “
“الأيام نيوز” :كيف تقيمون الأثر الاقتصادي لتصنيع العلامات العالمية داخل الجزائر؟
عبد الرحمان هادف : الأثر الاقتصادي إيجابي ومتعدد الأبعاد، فهو يسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، ويحول الجزائر من مجرد سوق استهلاكية للعلامات الدولية إلى قاعدة إنتاجية فاعلة. هذا التحول يوفر العملة الصعبة، ويرفع من مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق حركية إيجابية في القطاعات المغذية مثل النقل والتغليف والخدمات اللوجستية، مما ينعش الاقتصاد الوطني بشكل شامل.
“الأيام نيوز”إلى أي حد يساهم هذا التوجه في تقليص فاتورة الاستيراد وتحسين الميزان التجاري؟
عبد الرحمان هادف: يساهم بشكل مباشر وفعال عبر سياسة “إحلال الواردات”، حيث يتم تصنيع الملابس محلياً بدلاً من استيرادها الجاهزة بالعملة الصعبة. هذا التحول لا يقلص فاتورة الاستيراد فحسب، بل يفتح آفاقا جديدة للتصدير نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، مما يحول قطاع النسيج من مستنزف للعملة الصعبة إلى قطاع مساهم في جلبها، وبالتالي تحسين الميزان التجاري وتعزيز الاستقرار المالي للبلاد.
“الأيام نيوز “: هل يمكن اعتبار التصنيع المحلي للعلامات العالمية رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي؟
عبد الرحمان هادف: بكل تأكيد، لأن صناعة الألبسة تعتبر من الصناعات كثيفة العمالة وذات حلقات إنتاجية متعددة ومترابطة. توطين هذه الصناعات يحفز الاستثمار في القطاعات التحويلية، ويدفع نحو تطوير البنية التحتية الصناعية، مما يخلق نموا اقتصاديا مستداما يعتمد على القيمة المضافة الحقيقية والابتكار، بدلا من الاعتماد على الريع النفطي المتقلب، مما يعزز من مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحديات.
“الأيام نيوز “ما دلالة إقبال العلامات العالمية على التصنيع في الجزائر من الناحية الاقتصادية؟
عبد الرحمان هادف: يدل هذا الإقبال على “شهادة ثقة” كبيرة في مناخ الأعمال الجزائري الجديد، ويعكس توفر مزايا تنافسية مهمة مثل تكلفة الطاقة التنافسية، واليد العاملة المؤهلة والقابلة للتطوير، والموقع الجغرافي الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية الواعدة، بالإضافة إلى الحوافز والتسهيلات التي يقدمها قانون الاستثمار الجديد، مما يجعل الجزائر وجهة جاذبة للاستثمارات الصناعية.
“الأيام نيوز “: كيف تنعكس الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة على جاذبية الاستثمار الصناعي؟
عبد الرحمان هادف: تنعكس هذه الإصلاحات بشكل إيجابي من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير ضمانات قانونية قوية للمستثمرين الأجانب والمحليين عبر قانون الاستثمار الجديد، وتسهيل الحصول على العقار الصناعي المجهز. هذه الإجراءات مجتمعة قللت من المخاطر الاستثمارية، وجعلت الرؤية الاستثمارية أكثر وضوحا واستقرارا، مما يعزز ثقة المستثمرين ويشجعهم على المضي قدما في مشاريعهم.
” الأيام نيوز “:هل البيئة الاقتصادية الحالية مشجعة بما يكفي لاستقطاب استثمارات صناعية كبرى؟
عبد الرحمان هادف: البيئة الاقتصادية في تطور مستمر وإيجابي، فرغم وجود بعض التحديات البيروقراطية الموروثة، إلا أن الإرادة السياسية القوية والترسانة القانونية الجديدة، إلى جانب استقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية، جعلت الجزائر وجهة مفضلة للعديد من الاستثمارات الكبرى التي تبحث عن بدائل لخطوط الإنتاج البعيدة، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو تقريب سلاسل التوريد.
“الأيام نيوز “:ما أهمية رفع نسبة الإدماج المحلي في تعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني؟
عبد الرحمان هادف:رفع نسبة الإدماج المحلي يعني الاعتماد المتزايد على المدخلات المحلية من خيوط وأقمشة وإكسسوارات بدلا من استيرادها، وهذا يعظم القيمة المضافة الوطنية، ويخلق نسيجا اقتصاديا مترابطا من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجال المناولة، مما يجعل النمو الاقتصادي أكثر تماسكا وقدرة على الاستمرار، ويقلل من التبعية للخارج.
“الأيام نيوز “: كيف يمكن للصناعة التحويلية أن تخلق ثروة مستدامة خارج قطاع المحروقات؟
عبد الرحمان هادف: يمكن للصناعة التحويلية أن تخلق ثروة مستدامة من خلال تحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية ذات قيمة سوقية عالية. هذه الصناعات تولد دخلا دائما ومتنوعا، وتسمح بالتوسع في الأسواق الدولية، وتخلق دورة اقتصادية محلية نشطة لا تتأثر بذبذبات أسعار النفط، مما يضمن استدامة الرفاه الاقتصادي ويحمي البلاد من تقلبات أسواق السلع الأساسية.
“الأيام نيوز”:ما تأثير توطين الصناعات العالمية على تطوير النسيج الصناعي الوطني؟
عبد الرحمان هادف: يعمل توطين الصناعات العالمية كـ “قاطرة تطوير” للمؤسسات المحلية، فالمصانع العالمية تفرض معايير جودة صارمة على المناولين المحليين، مما يدفعهم لتطوير أدواتهم وأساليبهم التقنية بشكل مستمر، ويرفع من مستوى الجودة العام في النسيج الصناعي الوطني، وينقل الخبرات الدولية إلى البيئة المحلية، مما يفيد القطاع بأكمله.
“الأيام نيوز “: كيف يساهم هذا النوع من الاستثمار في خلق مناصب شغل نوعية؟
عبد الرحمان هادف: لا يقتصر هذا الاستثمار على توفير فرص عمل تقليدية في مجال الخياطة فحسب، بل يتعداه إلى خلق مناصب شغل نوعية في تخصصات متقدمة مثل إدارة الجودة، والتصميم المعتمد على الكمبيوتر، واللوجستيك الدولي، والتسويق الحديث، وصيانة الآلات المتطورة، فهذه الوظائف ترفع من مستوى مهارات القوى العاملة وتؤهلها لسوق العمل الدولي.
“الأيام نيوز”:هل التصنيع تحت علامات عالمية يساعد على امتصاص البطالة، خاصة لدى الشباب؟
عبد الرحمان هادف: يساعد بشكل كبير على امتصاص البطالة، خاصة بين الشباب، فقطاع النسيج والملابس يعد من أكبر مشغلي اليد العاملة في مجال الصناعات التحويلية على مستوى العالم.
لأن توطين هذه العلامات يمتص آلاف الشباب من خريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني، ويوفر لهم بيئة عمل مهنية منظمة، ويفتح أمامهم آفاقاً للتطور الوظيفي، مما يساهم في استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
“الأيام نيوز”:ما انعكاس نقل التكنولوجيا على إنتاجية اليد العاملة الجزائرية؟
عبد الرحمان هادف: يؤدي نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية إلى زيادة ملحوظة في كفاءة وإنتاجية اليد العاملة الجزائرية. العامل الذي يتدرب على معايير علامة عالمية يصبح أكثر قدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، وأكثر دقة وسرعة في الإنجاز، مع تقليل الهدر ورفع الجودة، مما ينعكس إيجابا على تنافسية الاقتصاد الوطني بأكمله.
“الأيام نيوز”:كيف يمكن للجزائر أن تتحول إلى منصة إقليمية لتصدير المنتجات المصنعة محليا؟
عبد الرحمان هادف: يمكن تحقيق ذلك من خلال استغلال اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية والموقع الجغرافي المتميز للجزائر. توطين العلامات العالمية يمنح المنتجات شهادة المنشأ الجزائرية، مما يسمح بتصديرها إلى مختلف الأسواق بمزايا تفضيلية، مستفيدة من قربها الجغرافي من موانئ البحر المتوسط واتصالها بأسواق إفريقيا وأوروبا.
“الأيام نيوز”:ما دور هذه العلامات في إدماج الجزائر ضمن سلاسل القيم العالمية؟
عبد الرحمان هادف: تعتبر هذه العلامات جسرا للعبور نحو الأسواق العالمية، فعندما تنتج الجزائر لصالح ماركة عالمية، تصبح تلقائيا جزءا من شبكة التوريد الدولية لهذه الماركة، مما يسهل تدفق المعلومات والتكنولوجيا والسلع بين الجزائر وبقية دول العالم، ويمكنها من الاندماج الفعّال في الاقتصاد العالمي.
“الأيام نيوز”: هل يحمل “صُنع في الجزائر” اليوم وزنا اقتصاديا حقيقيافي الأسواق الخارجية؟
عبد الرحمان هادف: بدأ هذا الوزن يتشكل بشكل ملموس، فالمنتجات المصنعة وفق معايير العلامات العالمية أصبحت مقبولة ومرغوبة في الأسواق الخارجية. “صنع في الجزائر” اليوم يتخلص تدريجيا من الصورة القديمة المرتبطة بضعف الجودة، ليصبح مرادفا للمنتج الذي يحترم المعايير الدولية ويتمتع بتكلفة تنافسية، مما يعزز من مكانته في الأسواق الإقليمية والدولية.
“الأيام نيوز”:ما السياسات الاقتصادية المطلوبة لتعزيز استدامة هذا النموذج الصناعي؟
عبد الرحمان هادف: تحتاج الدولة إلى الاستمرار في تحفيز الاستثمار في صناعة المدخلات الأساسية مثل النسيج والألياف، وتوفير العقار الصناعي المجهز، وتقديم تسهيلات ضريبية وجمركية للمصدرين، وتكثيف برامج التكوين المهني المتخصص لتلبية احتياجات المصانع الحديثة، وتطوير البنية التحتية اللوجستية لدعم حركة الصادرات.
“الأيام نيوز “: كيف تقيّمون دور الدولة في مرافقة المستثمرين الصناعيين؟
عبد الرحمان هادف: انتقلت الدولة من دور المسيطر والمنظم إلى دور المرافق والمسهل. هناك جهود واضحة في مجال الرقمنة وتقليل البيروقراطية، لكن تبقى هناك حاجة لمزيد من المرونة في التعامل مع التحويلات المالية المرتبطة بالاستثمار الأجنبي، وتطوير المنظومة البنكية لتواكب متطلبات العمليات التجارية الدولية المعقدة.
“الأيام نيوز “: ما التحديات الاقتصادية التي قد تعيق توسيع تجربة التصنيع العالمي في الجزائر؟
عبد الرحمان هادف: أهم هذه التحديات تشمل الاعتماد الحالي على المواد الأولية المستوردة، ونقص بعض التخصصات التقنية الدقيقة، والحاجة إلى تسريع وتيرة الرقمنة في الموانئ والجمارك لضمان سلاسة حركة السلع، بالإضافة إلى مواجهة المنافسة الإقليمية الشديدة من دول مجاورة ذات تجربة أطول في هذا المجال.
“الأيام نيوز “: هل نحن أمام تحول هيكلي حقيقي في الاقتصاد الجزائري؟
عبد الرحمان هادف: نعم، المؤشرات تدل على انتقال تدريجي ولكن واضح من “اقتصاد الريع” إلى “اقتصاد الإنتاج”. التوجه المتزايد نحو الصناعة التحويلية وزيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات ليست مجرد طفرة عابرة، بل هي نتيجة لإصلاحات هيكلية عميقة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل القومي وبناء اقتصاد منتج ومستقل.
“الأيام نيوز”: ما توقعاتكم لمستقبل الصناعة الوطنية خلال السنوات الخمس القادمة؟
عبد الرحمان هادف: و يُتوقع أن تشهد الصناعة الوطنية، وخاصة في مجال الألبسة والنسيج، نموا مطردا ومستقرا، و من المرجح أن تصبح الجزائر قطبا إقليميا مهما في هذا المجال، مع ارتفاع نسب الإدماج المحلي لتصل إلى مستويات متقدمة، وزيادة حصة “صنع في الجزائر” في الأسواق الإفريقية والأوروبية، مما سيساهم في تحقيق استقرار النمو الاقتصادي الكلي للبلاد، كما يمكن القول إن توطين العلامات العالمية في الجزائر يمثل نقلة نوعية في المسار التنموي للبلاد، فهو ليس مجرد نجاح تجاري مؤقت، بل هو استراتيجية متكاملة تضع الصناعة الوطنية على سكة التطور العالمي.
“الأيام نيوز “: ما أثر الالتزام بالجودة والإدماج المحلي على قوة وسم “صنع في الجزائر”؟
عبد الرحمان هادف: و ذلك من خلال الالتزام بمعايير الجودة الدولية ورفع نسب الإدماج المحلي، استطاعت الجزائر أن تثبت قدرتها على المنافسة والابتكار. ومع استمرار الإصلاحات وتحسين مناخ الاستثمار، ستتحول هذه التجربة إلى محرك أساسي لخلق الثروة ومناصب الشغل، مما يعزز السيادة الاقتصادية للبلاد ويجعل من وسم “صنع في الجزائر” مصدر فخر وطني في المحافل الدولية، وأساسا لاقتصاد منتج ومستدام للأجيال القادمة.

