في عمق الجنوب الجزائري، حيث تمتزج رمال الصحراء بذاكرة القصور العتيقة، وحيث لا يزال التراث يُغنّى قبل أن يُكتب، يبرز صوت فني شاب يحمل في نبرته روح المكان وصدق الانتماء.
إنه الفنان عمر صالحي المعروف فنياً باسم Omar SBM، ابن قصر المطارفة بولاية تيميمون، ذلك القصر الذي كان تابعاً لولاية أدرار قبل أن يصبح جزءاً من الولاية المستحدثة، لكنه ظل محتفظاً بخصوصيته الثقافية وعمقه الفني.
من هناك، من بيئة غنية بالإيقاعات الصحراوية والأنغام القناوية المتجذرة في التاريخ، بدأت رحلة عمر مع الغناء منذ الطفولة، مروراً بتجربته في الفرق الإنشادية، وصولاً إلى أولى خطواته فوق المنصات الفنية، حيث اكتشف أن الفن ليس مجرد موهبة فقط، بل مسؤولية ورسالة وارتباط مباشر بالجمهور.
عمر صالحي لم يأتِ من فراغ، بل شق طريقه بتدرج وإصرار، مستفيداً من التكوين الذي تلقاه في دار الثقافة بولاية أدرار، ومن احتكاكه بأساتذة وفنانين ساعدوه على بناء صوته الفني وتوسيع رؤيته الموسيقية. كما خاض تجربة تلفزيونية مهمة من خلال مشاركته في برنامج نغم DZ، التي شكلت محطة خاصة في مساره، وفتحت أمامه أبواب التعرف على عالم المنافسة الفنية في الجزائر عن قرب.
ورغم التحديات التي يواجهها الفنان المحلي، خاصة في الجنوب حيث تقل فرص الدعم والتغطية الإعلامية، إلا أن عمر لا يزال يؤمن بأن الجمهور هو الحكم الأول والأخير، وأن التراث الصحراوي يمكنه أن يعيش من جديد عندما يُقدَّم بروح معاصرة وإحساس صادق.
في هذا الحوار الثقافي، يأخذنا الفنان عمر صالحي في جولة داخل بداياته، علاقته بالموسيقى القناوية، تجربته أمام الكاميرا والجمهور، طموحاته الفنية القادمة، ورؤيته لمستقبل الأغنية الصحراوية في الجزائر.
البداية مع الغناء… من الإنشاد إلى الفن القناوي
بدايتي مع الغناء كانت منذ الطفولة، كي كنت عضو في فرقة إنشادية اسمها فرقة الرحاب بالمطارفة.
هذي التجربة علمتني بزاف، خاصة في التحكم في الصوت وبناء طبقة غنائية جميلة،ومع مرور الوقت، وليت نتابع السهرات والبرامج الفنية في التلفزيون الجزائري، وهذا الشي زاد حبّي للفن.
وبالذات شدّني الطابع القناوي، حتى صنعت آلة القومبري في البيت سنة 2009 وبديت نتمرن عليها وحدي.
أول منصة… لحظة امتحان وبداية الثقة
أول مرة طلعت فوق المنصة حسّيت روحي كيما في امتحان قدام الجمهور،كان توتر كبير، بصح الحمد لله كانت تجربة ناجحة، وخلاتني نآمن بلي نقدر نعطي أكثر.
الجمهور قبل ما يعرفك كفنان، لازم يعرف واش راك تمدلو فوق الخشبة، وشكون نتا فعلاً.
التأثر والمدرسة الفنية
أنا تأثرت بزاف بالتراث الصحراوي وبالمدرسة القناوية خاصة، لأنها تحمل روح الجنوب والعمق الإفريقي الجزائري.
هذا اللون الفني حسّيتو قريب مني ومن البيئة لي تربيت فيها.
تجربة “نغم ديزاد”… أول احتكاك حقيقي بالمنافسة
برنامج نغم DZ كان أول تجربة تلفزيونية ليا،أضافلي الكثير، خاصة أني تعرفت على فنانين من مختلف ولايات الجزائر، وتعلمت كيفاش تتنظم المسابقات الفنية.
نحن في الجنوب كنا نشوف هذي البرامج غير في التلفزة، بصح كي شاركت فيها فهمت الواقع الحقيقي للمنافسة.
وش الفرق بين الغناء في برنامج تلفزيوني والغناء أمام الجمهور؟
الفرق كبير بزاف،في البرنامج التلفزيوني تغني باش تنافس، وهذا يخلق ضغط وتوتر لأنك تحت تقييم لجنة ،أما في الحفلات، تغني بحرية وبإحساسك، وتقدم أغانيك وأفكارك للجمهور مباشرة، دون قيود، وهذا هو الأجمل.
هل البرنامج فتحلك أبواب جديدة في مسارك الفني؟
بصراحة ما فتحليش أبواب مباشرة، بصح أعطاني فرصة نتعرف على فنانين ممكن نتعاون معاهم مستقبلاً، وهذا مكسب مهم.
الاستمرارية والطاقة الأسبوعية
الاستمرارية في الغناء ماشي أمر سهل، لأنها تحتاج انضباط كبير ووعي كامل بقيمة الصوت كأداة أساسية للفنان. نحاول دائماً نحافظ على صوتي من خلال الراحة وتجنب الإرهاق، خاصة قبل الحفلات أو السهرات.
كما أن التدريبات اليومية مهمة جداً بالنسبة لي، لأنها تساعدني على تطوير الأداء والتحكم في الطبقات الصوتية. بالإضافة إلى ذلك، نحرص على اختيار الأغاني التي تناسب إمكانياتي الصوتية وتسمح لي نقدم أفضل ما عندي للجمهور دون ضغط أو إجهاد.
وأكيد، حب الجمهور وتشجيعه هو أكبر دافع يخليني نحافظ على طاقتي ونواصل بكل حماس أسبوع بعد أسبوع.
التواصل مع الجمهور… مدرسة الفنان الأولى
التواصل المباشر مع الجمهور يعلمني الكثير في كل مرة نطلع فيها فوق المنصة،لأن الفنان ما يقدرش يعيش بعيد عن الناس، والجمهور هو المرآة الحقيقية اللي تعكس نجاح العمل الفني وصدق الإحساس.
كل مرة نغني ونشوف تفاعل الناس وحبهم، يزيد حماسي باش نخدم أكثر ونطوّر نفسي، سواء في الأداء أو في اختيار الكلمات والألحان. الجمهور يعطيني طاقة كبيرة ويخليني نفكر دائماً في تقديم أفكار جديدة وأعمال أقوى.
وأنا بالنسبة لي، أجمل مسابقة في الفن ماشي البرامج ولا الألقاب، بل هي الجمهور نفسه… لأنه هو الحكم الحقيقي، وهو اللي يقرر إذا الفنان وصل للقلوب ولا لا.
اختيار الأغاني… وفاء للتراث بروح جديدة
ديما نحب نحيي التراث الجزائري، خاصة الطابع الصحراوي، بصيغة عصرية تتماشى مع الوقت لي رانا نعيشوه.
أعمال خاصة وألبوم قادم
نعم، عندي أعمال خاصة أصدرتها بإمكانيات بسيطة، ومن بينها أغاني مثل ادراري صحراوي، بلادي الجزائر، يمولانا يالعالي ومانندابو، وكلها متوفرة على قناتي في اليوتيوب Omar SBM.
حالياً أنا أجهز لألبوم كامل يحتوي على عشر أغاني، خاصة بعد انخراطي في الديوان الوطني لحقوق المؤلف، الأمر الذي سيساعدني على تسجيل أعمالي بجودة عالية وتقديمها للجمهور بشكل محترف.
تحديات الفنان المحلي
أصعب شيء هو الدعم،الفنان يقدر يألف ويلحن ويقدم أعمال تنافس، بصح كل خطوة تحتاج مصاريف كبيرة، ومن المفروض الفنان الموهوب يلقى من يسانده.
الفوارق في الفرص… تحديات الفنان الجنوبي أمام الإعلام والمشهد الفني
للأسف، الفنان في الجنوب لا يحظى بنفس الفرص المتاحة للفنانين في الشمال.
الإعلام الجزائري يركز في الغالب على فنانين الشمال، مما يجعل الفنان الجنوبي مجهولاً رغم أن المنطقة مليئة بالمواهب الكبيرة.
من تجربتي الشخصية، كثير من الفنانين الموهوبين في الجنوب قدموا للساحة الفنية وأثروا فيها، ولكن صعوبة الوصول إلى التغطية الإعلامية والدعم المادي تجعل مسارهم الفني أكثر تحدياً.
هذا الواقع يؤكد أن الفنان الجنوبي يحتاج إلى جهود إضافية وإرادة قوية لكي يُعرف صوته ويصل إلى جمهور أوسع، رغم كل الإبداع والإمكانيات التي يمتلكها.
أول الداعمين… من أضاءوا مسار حياتي الفنية
من بين الأشخاص المهمين اللي كان لهم أثر كبير في مسيرتي الفنية، الفنان سعيد تيكوباوين ورفيق حمودي.
هما كانوا دائماً يشجعوني ويؤمنون بموهبتي، سواء بالكلمة الطيبة أو بالنصيحة، وهذا الدعم خلى عندي ثقة كبيرة في إمكانياتي وحفزني باش نواصل تطوير نفسي وأعمالي.
وجود أشخاص يؤمنون بك في بداياتك يعطيك دفعة قوية ويخلّيك تتحمّل التحديات وتكمل طريقك نحو تحقيق أحلامك الفنية.
وسائل التواصل الاجتماعي… جسر مباشر بين الفنان والجمهور
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دور كبير في مساري الفني، لأنها سمحت لي نوصل صوتي مباشرة للجمهور، سواء في الجزائر أو خارجها، بدون وسيط.
من خلال صفحاتي وقناتي على اليوتيوب وفيسبوك وإنستغرام، نقدر نشارك أعمالي، نعلن عن الحفلات، ونتفاعل مع المتابعين بشكل مباشر، وهذا يعطيني إحساس بحب الجمهور الحقيقي وتفاعلهم مع كل جديد نقدمه.
كذلك، التواصل الرقمي أعطاني فرصة نعرف رأي الجمهور في الوقت الفعلي، نسمع اقتراحاتهم، ونتعلم من ملاحظاتهم لتحسين الأداء واختيار الأغاني القادمة
اليوم، وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة أساسية لأي فنان، خصوصاً للفنان المحلي في الجنوب، لأنها تساعد على كسر الحواجز والوصول لجمهور أوسع رغم قلة التغطية الإعلامية التقليدية.
الطموح والحلم الأكبر
طموحي القادم هو تسجيل ألبومي الأول بجودة عالية،وحلمي الأكبر أن يوصل صوت الجنوب للعالم كامل.

