الفن الروائي مـازال قادرا على صناعة القراءة – يومية الشعب الجزائرية
كنت أعتقد خاطئا أن زمن القراءة تراجع لصالح الشاشات
تحوّلت مكتبة الفنون الجميلة، بوسط الجزائر العاصمة أمس الأول، إلى فضاء نابض بالحياة الثقافية، بمناسبة حفل توقيع رواية “زيتونة في ضوء القمر.. “Un olivier au clair de lune” للكاتب بلعيد عبان، في مشهد أعاد إلى الواجهة صورة اللقاء الأدبي بوصفه فعلا اجتماعيا وذاكرة جماعية، أكثر منه مجرد نشاط ثقافي عابر.
شهدت المكتبة توافدا كثيفا للقراء من مختلف الأعمار والخلفيات، اصطفوا في طوابير طويلة امتدت خارج فضاء المكتبة ووصلت إلى السلالم المؤدية إليها. بعضهم جاء بدافع الفضول، وآخرون بدافع الارتباط بتجربة الكاتب الفكرية والتاريخية، فيما اكتفى آخرون بالرغبة في استعادة لحظة إنسانية نادرة: لقاء مباشر مع كاتب ما يزال يؤمن بأن الرواية قادرة على خلق معنى في زمن السرعة والسطحية.
واكتسب اللقاء بعدا رمزيا خاصا بحضور شخصيات تنتمي إلى عائلات ثورية معروفة، من بينها أقارب الشهيد العربي بن مهيدي، وهو ما منح الحدث شحنة تاريخية مضاعفة، خاصة وأن بلعيد عبان نفسه ينتمي إلى عائلة ارتبط اسمها بأحد أبرز رموز الثورة الجزائرية، الشهيد عبان رمضان.
وفي تصريح مقتضب، عبر بلعيد عبان عن دهشته من هذا التفاعل الواسع مع الرواية، مؤكدا أنه كان يعتقد أن زمن القراءة قد تراجع لصالح الشاشات والهواتف الذكية، قبل أن يكتشف أن الرواية ما تزال قادرة على جذب القرّاء وإثارة اهتمامهم. وأضاف، أن هذا اللقاء أعاد إليه الرغبة في العودة إلى مشاريع إبداعية كان قد أجلها، معتبرا ما حدث نوعا من المصالحة مع القارئ ومع فعل الكتابة نفسه.
تندرج رواية “زيتونة في ضوء القمر” ضمن مسار إبداعي متكامل ظلّ فيه بلعيد عبان وفيا للتاريخ الوطني والتحولات الاجتماعية التي رافقته. فهي ليست مجرد نص تخييلي، بل بناء سردي يستند إلى خلفية معرفية صلبة، ويستثمر التجربة البحثية الطويلة للكاتب في تاريخ الثورة الجزائرية، ليحوّل الذاكرة إلى مادة روائية نابضة بالحياة.
ويبني النص عالمه من خلال مجموعة من الشخصيات المتعدّدة، تحتل فيها المرأة موقعا مركزيا، ليس بوصفها هامشا سرديا، بل كفاعل أساسي في مسار التحوّل الاجتماعي. شخصيات نسوية تواجه الحرب والخوف والفقدان، وتعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالعالم، في سرد يربط بين التجربة الفردية والمصير الجماعي.
وقد حُظي العمل باهتمام لافت من النقّاد والمهتمين بالشأن الثقافي، الذين أجمعوا على قوة اللغة وجمالية الأسلوب وعمق الرؤية. فالبعض رأى فيه نصا يهز الوجدان قبل أن يخاطب العقل، فيما اعتبره آخرون عملا يزاوج بين الأدب والأنثروبولوجيا، لما يحمله من قدرة على تفكيك المجتمع من الداخل وقراءة تحوّلاته من خلال التفاصيل اليومية الصغيرة.
بلعيد عبان، الطبيب الجامعي السابق والباحث في العلوم السياسية، قضى أكثر من ثلاثة عقود وهو يشتغل على تاريخ الحركة الوطنية والثورة الجزائرية. نشأ في بيئة متأثرة مباشرة بالحرب، وعاش تجربة القرى المجمعة في أعالي القبائل، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في وعيه وفي طريقته في النظر إلى التاريخ والإنسان.
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
موقع الشعب يستخدم نظام الكوكيز. استمرارك في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. تفضل بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط موافق

