خلال المرحلة الخصبة من حياة روبرت شومان القصيرة، إذ إنه لم يعش سوى 46 عاماً، كتب الموسيقي الألماني الرومانسي الكبير، الذي أرخى بظله على موسيقى بلاده خلال النصف الأول من القرن الـ 19، عدداً كبيراً من الأعمال الموسيقية بين سيمفونيات وكونشرتات ورباعيات وأغنيات. ومع هذا تظل القطع الـ 20 التي كتبها خلال العامين 1834 – 1835، من أشهر أعماله وأجملها. وهذه القطع تحمل في مجموعها عنوان “كرنفال”، وحين كتبها شومان كان لا يزال خارجاً لتوّه من سنّ المراهقة، بالكاد بدأ يفكر بالأعمال الكبيرة التي سيكتبها لاحقاً، وتصنع له مكانته بين كبار موسيقيي زمنه، والرومانسيين منهم على وجه الخصوص.
قصة حب كبير
حين كتب شومان مقطوعات “كرنفال” كان يعيش بدايات قصة حبه مع كلارا، ابنة أستاذه فردريك فيك، عازفة البيانو التي ستحلق لاحقاً وتعتبر، بدورها، من كبار موسيقيي زمنها، بل واحدة من قلة من نساء خضن مضمار الفن الموسيقي وأبقى لنا التاريخ ذكرهنّ من دون أن تكون تلك الذكرى مرتبطة برجل ما، حتى وإن كان لا يخفى على أحد كم لعب روبرت دوراً في حياتها ومسارها الفني. لكنها في ذلك الحين كانت لا تزال صبية مثله، وكان في وسع أبيها، أستاذ الإثنين معاً، أن يعارض حكاية حبهما، وأن يصبّ جام غضبه على روبرت الشاب. وفي ذلك الحين، وعلى رغم أن مواهب شومان كانت قد بدأت في الظهور، كان فيك يرى أنه عديم الموهبة، لن تكون له مكانة في عالم الموسيقى، فلماذا عليه، يا ترى، أن يمنحه ابنته؟ والحال أن مقطوعات “كرنفال” لم تكن للوهلة الأولى، من طينة الأعمال الموسيقية الكبيرة التي تشي بأن كاتبها سيبلغ شأناً في عالم التأليف الموسيقي. فقط بالتدريج تمّ اكتشاف جمال تلك القطع وروعتها، بل أيضاً تفوقها على أعمال كبيرة ألّفها شومان في وقت متأخر واستقبلت من الجمهور كما من أصدقائه المؤلفين، من أمثال مندلسون وبرامز استقبالاً طيباً، فالحال أن مقطوعات “كرنفال” هي من النوع الذي يتكشف سحره بالتدريج، ولا يدرك المرء إلا لاحقاً السبب الذي جعل المؤلف يكتبها قصيرة مختصرة: فلاحقاً رأى دارسو الموسيقى أن الأهمية القصوى لهذه المقطوعات، أو لمعظمها، إنما تكمن في ذلك الاقتصاد في الكتابة الذي جعل شومان يستنكف عن كتابة أية نوتة إضافية، ما جعل كل قطعة تبدو مثالية كما هي.
الشعر مصدر الهام
ولأن روبرت شومان كان، في تلك المرحلة المبكرة من عمره مهتماً بالموسيقى بقدر اهتمامه بالشعر، كان من المنطقي أن يكون الشعر ملهماً له، هو الذي كان متأثراً شديد التأثر بشعراء قرأ لهم منذ صباه مثل غوته ولورد بايرون. ومن هنا جاءت قطع “كرنفال” نفسها وكأنها قصائد شعر قصيرة تنبع موسيقاها من داخلها. والحال أن عناوين القطع تحيلنا مباشرة إلى الشعر بمقدار ما تحيلنا إلى الموسيقى، ويحيلنا العنصران معاً إلى أجواء الاحتفالات الكرنفالية، على أية حال، ولعل استعراضاً للعناوين وأنواعها يضعنا وسط معرض أقنعة واحتفالات من نوع خاص: “بيارو”، “أرلكان”، “بنتالوني وكولومبين”… وهي، كما نعرف، أسماء مستعارة من المسرح الهزلي ومن الشعر المكتوب للأطفال، وهناك إضافة إليها مقطوعات تحمل أسماء فتيات يوحين بالحب الرومانسي فوراً: “كيارينا” و”إستريلا”، ويمكن أن نضيف أسماء أخرى، كانت عزيزة على فؤاد شومان نفسه، بحيث إنه كان سبق له أن أدخلها في رقصات ومقطوعات سابقة له يمكن العثور عليها في مجموعة “دافيد باندلر دانتس”، مثل “أوزوبي” و”فلورستان”، وبعد هذا كله تأتي في المجموعة تلك المقطوعات العاطفية والغريبة، التي يبدو بعضها تكريماً لـ”باغانيني” مثلاً، وبعضها الآخر أشبه بالتقاط للحظة عاطفية ما، كما في “تعرّف” و”اعتراف” و”الفالس النبيل” وما شابه.
تعبير بالألحان وحدها
إن كل اسم من هذه الأسماء يغطي في الحقيقة عملاً موسيقياً مختصراً برقة ولكن مليئاً بالحيوية الاستثنائية، لكنها في مجملها تأتي أشبه بملاحظات دوّنت بالنغم على أمور مثل الحياة والحب والصداقة وأحلام الشباب وحماسة الطلاب، ولحظات الكآبة الخلاقة والحاجة إلى الحنان، إن كل هذا تعبر عنه هذه القطع، ولكن دائماً عبر أقصى درجات اللجوء إلى المرح وإلى الخفة، في شكل جعل الألحان تبدو وكأنها تحاول أن تعوض على نقصان ما في روح مبدعها يستشعره لكنه يعتقد أنه غير قادر على التعبير عنه بأية وسلة أخرى. ولقد وصلت بعض القطع إلى غرابة مدهشة غارقة في رومانسية تبدو في مجملها وكأنها تعبير عن روح وثابة تريد الثورة على واقعها البورجوازي بأفكاره المسبقة وقواعده الصارمة. ولعل هذا كله هو الذي جعل دارسي موسيقى شومان، ما إن يصلوا إلى الحديث عن هذه القطع حتى يقولوا “إن هذا كله يجد تعبيره في الصدق الطاغي على أعمال ويتجلى في قصرها: فالقصر الزمني لكل قطعة هنا إنما هو التعبير الأدق عن الصدق، طالما أن زمن كل قطعة لا يتجاوز زمن إلهامها وكتابتها، بمعنى أن القطع نفسها تبدو كومضات مشرقة لا يحاول الفنان أبداً أن يطيل أمدها لاجئاً كما قد يفعل غيره إلى تحديدات مصطنعة، إذ هنا ليس ثمة أدنى ظل لأن تطوير أو تطويل للحن، كما لا يوجد أدنى ظل لأي تخطيط مدروس وموضوع مسبقاً، مع زمن محدد له، كل شيء ينبع هنا من إلهام مباشر كتب على الفور وليس فيه أي اصطناع”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الارتجال سيد الموقف
والحال أن هذا كله كان خليقاً حقاً، بذلك الموسيقى الشاعر، الذي عاش للموسيقى وفي الموسيقى منذ سنوات مراهقته، وسوف يتجلى حب الموسيقى لديه لاحقاً، إما بأعمال كبيرة من ناحية وإما بمقطوعات صغيرة من ناحية أخرى، وفي الحالين يبدو الارتجال سيد الموقف المهيمن على عمله، ذلك الارتجال الذي كان في ذلك الحين خليقاً بالرومانسيين الذين وجدوا في الموسيقى ملجأ يعبرون فيه عن توقهم إلى ما هو أفضل منها، بل ما هو أكثر منها فعالية، ونعرف أن روبرت شومان ولد عام 1810 في مدينة زفيكاو في مقاطعة ساكس الألمانية لأب كان مكتبياً موسراً، ولقد كان الأب من الحصافة بحيث أدرك باكراً مواهب ابنه وتوجهاته الموسيقية، وهكذا لم يقف في طريقه حين بدأ منذ سن السابعة يدرس الموسيقى، غير أن الصبي لم يكتفِ بهذا الفن توجهاً له، بل إنه في الوقت نفسه عكف على كتابة الشعر متأثراً بقراءاته لأشعار كبار مؤلفي زمنه، ولا سيما غوته وبايرون الرومانسيان اللذان، كما أسلفنا، طبعاه بنزعة رومانسية رافقته حتى موته المفجع المبكر عام 1856.
موسيقى حتى الجنون
عام 1826 مات والد روبرت شومان، وراحت أمه تربيه، لكن الأم كانت أكثر عملية من الأب، لذلك وجهت ابنها ناحية دراسة الحقوق في لايبزغ، لكنه هنا، حتى وإن كان قد حاول مخلصاً الاستجابة لتوقعات أمه منه، فشل في ذلك وراح يتجه صوب الموسيقى أكثر وأكثر، والتحق ببيت عازف البيانو الشهير في المدينة نفسها فردريك فيك، وفي البيت كانت هناك الموسيقى، وكلارا أيضاً، وهكذا ارتبط الفتى والفتاة بقصة الحب التي انتهت بالزواج، على رغم ممانعة الأب، وكان الزواج عام 1840 ليعيش روبرت منذ ذلك الحين سنوات سعادة حقيقية، وليمضي، حتى سنوات قليلة قبل رحيله مجنوناً، في مأوى، عام 1856، سنوات خصبة كتب خلالها 130 أغنية وسيمفونيتين والعديد من الرباعيات والعديد من مقطوعات موسيقى الحجرة ناهيك بتلك الأعمال الموسيقية المسرحية والمستلهمة في مرات أخرى من المسرح، وبخاصة منها عمله الكبير “حلم ليلة صيف” التي تعتبر من أشهر أعماله. ومن ناحية أخرى، سوف تشتهر لاحقاً حكاية غرام صامت عاشها الموسيقي يوهان برامز، حين صادق الزوجين السعيدين، مع كلارا، وهي حكاية استمرت حتى بعد رحيل روبرت، ولكن هذه حكاية أخرى بالطبع.

