في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
من ميدان فلسطين وسط العاصمة الإيرانية طهران، برزت خلال الأيام الأخيرة رسائل سياسية إيرانية تحمل طابعا تهديديا مباشرا تجاه إسرائيل، في سياق تصاعد التوتر الإقليمي بين طهران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وتتمثل إحدى أبرز هذه الرسائل في لوحات فنية جدارية ضخمة تنتشر في عدد من ميادين العاصمة الإيرانية، كانت أحدثها لوحة تظهر خريطة مدينة تل أبيب مكتوبة باللغة العبرية، مع إبراز تفاصيل جغرافية لأحياء مثل بني براك ورمات غان ومدينة هرتسليا المجاورة. وتحمل اللوحة رسالة بثلاث لغات هي العبرية والفارسية والإنجليزية، جاء فيها “أنتم ستبدؤون الحرب، لكن نحن من سينهيها”.
كما تظهر في اللوحة رموز لأسلحة إيرانية، من بينها صواريخ ومسيرات، إلى جانب زر إطلاق موجه نحو إسرائيل، بينما يُعد رسالة تهديد ذات طابع رسمي، تعكس مستوى التصعيد في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني.
كيف يتفاعل الشارع الإيراني مع هذه الرسائل؟
في مقابل هذه الرسائل العلنية، تسود الشارع الإيراني حالة من الترقب والقلق. وبحسب مواطنين التقتهم الجزيرة، فإن الانشغال بالمعيشة اليومية والضغوط الاقتصادية يطغى على تفكير شريحة واسعة من الإيرانيين، في ظل مخاوف من تداعيات أي مواجهة عسكرية محتملة.
وأشار مواطن إيراني إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة حالت دون أي استعدادات استباقية للحرب، قائلا: “لم نشترِ مواد غذائية ولم نخزن شيئا، لأن الظروف الاقتصادية أصبحت على نحو لا نستطيع فيه سوى تأمين احتياجاتنا اليومية”.
وتتباين آراء الإيرانيين حيال احتمال المواجهة العسكرية، فبينما يستبعد بعضهم اندلاع حرب شاملة على غرار الحرب الإيرانية العراقية، مرجعين ذلك إلى كلفتها العالية على جميع الأطراف، يرى آخرون أن المؤشرات السياسية والإقليمية تجعل اندلاعها أمرا محتملا.
ما حجج مَن يستبعدون الحرب؟
ويرى بعض المواطنين أن كلفة الحرب ستكون مرتفعة للغاية، مشيرين إلى وجود بدائل دبلوماسية، حيث قال أحدهم: “لا أعتقد أن الحرب ستقع، لأن لها تكلفة عالية على الطرفين. هناك خيارات عدة لتقديم تنازلات والحصول على امتيازات والعمل على هذه الخيارات بدلا من اللجوء إلى الحرب”.
وفي المقابل، عبّر مواطنون آخرون عن قناعتهم بوقوع الحرب، استنادا إلى ما وصفوه بمؤشرات سياسية واضحة، حيث قال أحدهم: “برأيي ستقع الحرب بسبب المؤشرات التي تظهر وتجعل هذا الأمر حتميا.. عادة عندما يقول المسؤولون إن شيئا لن يحدث، فإنه يحدث”.
ورغم استمرار مظاهر الحياة الطبيعية، يبقى شبح الحرب حاضرا في أذهان الإيرانيين. ويقول أحد المواطنين: “أعتقد أن الحرب قد تقع ولم نقم باتخاذ أي تدابير لأننا لا نرغب بوقوعها. نريد أن تكون بلدنا قادرة على حل وتسوية جميع مشاكلها بالحفاظ على استقلاليتها”.
أما بين فئة الشباب فتبدو المخاوف بشكل أوضح، لا سيما الطلاب الجامعيين، الذين يعبّرون عن قلقهم من المستقبل وعدم قدرتهم على التأثير في القرار السياسي. وقال أحدهم: “آمل ألا تقع الحرب، ولكن لا يمكن التنبؤ بما سيحدث”.
ويربط بعض الشباب مخاوفهم بالتصعيد الإقليمي والحشد العسكري الأمريكي، حيث قال أحدهم: “بأخذ ما يحصل في المنطقة بعين الاعتبار والحشد العسكري الأمريكي، لا أعتقد بأن الوضع سيكون جيدا بالنسبة لنا”.
كيف توازن طهران بين الدبلوماسية والردع؟
بحسب ما أفاد به مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير، فإن إيران تسعى إلى تقديم صورة مزدوجة للولايات المتحدة، تجمع بين الانخراط في المسار الدبلوماسي والحفاظ على الجاهزية العسكرية، بالتزامن مع تحركات سياسية مكثفة ومباحثات مرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأوضح الدغير أن طهران تحاول التأكيد على أن خيارها ليس الاستسلام ولا الاكتفاء بالدبلوماسية، بل الجمع بين التفاوض والردع، مشيرا إلى أن ظهور وزير الخارجية عباس عراقجي إلى جانب قائد الجيش الإيراني حاتمي يعكس هذا النهج المزدوج.
وتعكس زيارة الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى سلطنة عمان، واحتمال امتدادها إلى قطر، بحسب الدغير، رغبة إيرانية في دفع المسار الدبلوماسي إلى مستويات أعلى، بعد أن تجاوزت المباحثات مرحلة الإطار العام وبدأت الدخول في التفاصيل التقنية والسياسية.
ورغم استبعاد مبادرة أمريكية مباشرة بالهجوم، تتركّز المخاوف الإيرانية على إسرائيل، سواء من حيث احتمال تخريب المفاوضات أو المبادرة بعمل عسكري منفرد.
ما أبرز الخلافات الأمريكية الإسرائيلية بشأن إيران؟
بدورها أشارت مراسلة الجزيرة وجد وقفي إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول بيت الضيافة الأمريكي “ذا بلير هاوس” قبيل زيارة نتنياهو، وسط شح المعلومات الرسمية حول تفاصيل اللقاء المرتقب.
وأضافت أن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت جدد التأكيد على أن المسار التفاوضي هو الخيار الأمثل لإيران، في تلويح بالقوة لم يغب عن تصريحات الإدارة الأمريكية، سواء من الرئيس ترمب أو المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت.
غير أن الإدارة الأمريكية، بحسب وقفي، لم تعلن صراحة إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن أولويات المفاوضات، باستثناء تصريحات لوزير الخارجية ماركو روبيو، دعا فيها إلى تقييد مخزون إيران من الصواريخ بعيدة المدى.
وأكدت أن هذا الغموض يثير حفيظة نتنياهو، الذي يسعى للضغط على واشنطن لإدراج ملف الصواريخ الباليستية كبند رئيسي في أي مفاوضات مع طهران، في وقت يتوقع فيه ترمب عقد جولة ثانية من المفاوضات خلال أيام، مع مطالبته إيران بتقديم تنازلات.
وخلصت إلى أن نتنياهو يسعى إلى دفع واشنطن نحو خيار توجيه ضربة لإيران، في حين لا يزال ترمب يفضّل المسار الدبلوماسي، ويصفه وزير حربه بأنه الخيار الأكثر حكمة.

