– 68 فناناً يمثلون 37 دولة ويعرضون 25 عملاً فنياً جديداً
في مشهد يفيض بالإبداع، ويُجسّد حيوية المملكة العربية السعودية كوجهة ثقافية رائدة، احتضنت منطقة الدرعية التاريخية، فعاليات الدورة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، الذي تنظمه «مؤسسة بينالي الدرعية»، ويتجاوز كونه معرضاً فنياً تقليدياً، ليتحول إلى رحلة سردية بصرية وفلسفية مدهشة تحت عنوان «في الحِلّ والترحال».
وتتجلى عبقرية هذه الدورة في قدرتها على تطويع مفهوم الحركة كأداة لفهم الذات والعالم حيث يستلهم البينالي فكرته من عمق الجزيرة العربية وتاريخها المرتبط بالتنقل والهجرات، محولاً تلك المسارات القديمة إلى جسور معاصرة تربط بين الذاكرة الجماعية ومستقبل الفن العالمي. وجاءت دورة «في الحِلّ والترحال» لتقدّم رؤية جمالية وفكرية تتجاوز حدود العرض الفني التقليدي، نحو تجربة حسية ومعرفية تستكشف مفاهيم التنقل والهجرة والذاكرة الجمعية، وتحوّلها إلى لغة بصرية وموسيقية وشعرية تعبّر عن روح المكان والإنسان في آنٍ واحد، مؤكدة مكانة الدرعية منصة عالمية للحوار الثقافي ومختبراً مفتوحاً للخيال والإبداع.
وافتتحت مؤسسة بينالي الدرعية فعاليات الدورة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر، الذي تنظمه مؤسسة بينالي الدرعية تحت عنوان «في الحِلّ والترحال»، والذي يقام خلال الفترة من 30 يناير إلى 2 مايو المقبل، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، بالقرب من حي الطريف التاريخي المُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
ويشرف على الدورة الحالية المديران الفنيان نورا رازيان وصبيح أحمد، وتستلهم موضوعاتِها من التنقلات والهجرات والتحولات التي شكلت جسوراً ربطت بين جزيرة العرب وبقية أنحاء العالم عبر مختلف العصور، وتقاطعاتها في الذاكرة الجماعية والتاريخ والمفردات والأغاني والقصص والإيقاعات.
5 صالات عرض فنية و68 فناناً من 37 دولة
يتيح البينالي لزواره اكتشاف ممارسات فنية متنوعة عبر خمس صالات عرض فنية في حي جاكس، وهي: إيقاعات مكسورة، بلاغة بلا مفردات، أفلاك الرصد والاسترشاد، المقامات، وغابة الرجع.
وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة لـ 68 فناناً يمثلون 37 دولة، ويُعرض فيها نحو 25 عملاً فنياً جديداً تم إنتاجها بتكليف خاص من مؤسسة بينالي الدرعية. حيث يتميز البينالي بسينوغرافيا فريدة من ابتكار استوديو التصميم الإيطالي فورما فانتازما، التي تعيد تصور العمارة الصناعية في حي جاكس من خلال تدخلات بصرية ترتكز على عنصري اللون والشكل كما يخلق التصميم مسارات منحنية ومستويات متداخلة توجه الزوار في رحلة بصرية متواصلة، تغطي مساحة تقارب 12,900 متر مربع، تشمل صالات العرض الداخلية والمساحات الخارجية.
وتسلط هذه الدورة الضوء على البعد الموسيقي كوسيلة لفهم دور التراث الشفوي والسمعي في نقل التاريخ الاجتماعي في المنطقة العربية وخارجها، ويتجلى ذلك في العمل الأدائي «طيّ الخيام» (2026)، الذي أنتجه الفنان السعودي محمد الحمدان (حمدان) بتكليف خاص، والذي تعبر فيه قافلة من سيارات «الشاص» وادي حنيفة وحي جاكس، ويختتم بعرض موسيقي لفرقة «ثلاثي عبدالله منياوي». في هذا العرض الذي يدعمه الشريك الرئيسي للبينالي «لكزس»، يستكشف الفنان مفهوم القافلة وتحولاته، والجوانب الإبداعية الكامنة في هذه الظاهرة القديمة، في العصر الذي يشهد تحولات الثورة الميكانيكية والرقمية، ويربط بين طقوس الماضي وممارسات اليوم.
منصة عالمية للإبداع والتبادل الثقافي
وأكد مساعد وزير الثقافة ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة بينالي الدرعية راكان الطوق، خلال حفل افتتاح بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026، على المكانة الجوهرية للبينالي في إثراء المشهد الثقافي في المملكة.
بدورها، أعربت الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية آية البكري، عن سعادتها باستقبال الزوار من داخل المملكة وخارجها في بينالي الدرعية للفن المعاصر، مؤكدة أن «دورة 2026 تمثل خامس بينالي تنظمه المؤسسة منذ تأسيسها قبل خمسة أعوام، وتوثق تنوعاً لافتاً في العطاء الفني في مختلف المناطق والتخصصات ومن شتى أنحاء العالم، وتعكس حراكاً فنياً عالمياً متسارعاً، وتنامياً في مراكز الفكر والإبداع التي تحظى بحضور بارز»، وعبّرت عن اعتزاز المؤسسة بمواصلة دورها فيتقديم منصات عالمية للفنانين، وتعزيز التبادل الثقافي، والاستثمار في المجتمع، لافتةً إلى أن إقامة البينالي في حي جاكس بالدرعية يعكس دورالمؤسسة كجهة منظمة وحاضنة للإبداع في المملكة والعالم.
من جهتهما، أوضح المديران الفنيان لبينالي الدرعية للفن المعاصر2026 نورا رازيان وصبيح أحمد أن بينالي «في الحِلّ والترحال» يدعو الجمهور إلى خوض تجربة فنية، والتفاعل مع الأعمال والأفكار المطروحة التي تتناول عالماً يتسم بالحركة والتغير المستمر، وتستحضر تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، وليس بشكل منفرد، وإنما عبر مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات.
فريق فني دولي يقود رؤية بينالي الدرعية 2026
يقود بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 المديران الفنيان نورا رازيان نائبة المديرة ورئيسة المعارض في مؤسسة «فن جميل» في دبي وجدة، وصبيح أحمد القيّم الفني والمنظّر الثقافي والأكاديمي الذي يشغل حالياً منصب مستشار المشاريع بجمعية إشارة للفنون في دبي، يساندهم فريق من القيّمين الفنيّين العالميين، يضم كلاً من معن أبو طالب، ومي مكي، وكابيلو مالاتسي، ولانتيان شي. كما تمّ تعيين المهندس المعماري المقيم في ميلان سامي زرقا كمعماري مشارك ومصمم للمعرض، للعمل بشكل وثيق مع الفريق الفني.
سردية فنية تحتفي بالحركة والتحول الثقافي
في دورته الثالثة، يحمل بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 عنوان «في الحِلّ والترحال»، ويأتي برؤية فنية فريدة ترى العالم مساحةً دائمة التحول. هذا العنوان مستلهم من عبارة متوارثة تستحضر ثنائية الاستقرار والارتحال في المجتمعات الرحالة وعمقها الممتد في جزيرة العرب، ليجسد بذلك فكرة الترابط والاستمرارية في عالم دائم التغير. ويدعونا البينالي لإعادة النظر في عالمنا كمساحة حية تتحرك باستمرار، وتتقاطع فيها مسارات متعددة يشترك فيها البشر والكائنات والكون والوجدانيات وآخر التطورات التقنية.
وتقام الدورة الثالثة من البينالي في قلب الدرعية، وتستلهم من حركات الهجرة والتنقل التي صنعت عبر القرون جسوراً من التواصل والتبادل بين الوطن العربي ومختلف ثقافات العالم. يقدم البينالي ممارسات فنية يجمع بينها الخيال الحي كوسيلة لرسم آفاق جديدة لعالمنا، وهي ممارسات وُلدت في ظلال اضطرابات الاجتماعية والبيئية خلال العقدين الأولين من هذا القرن.
وفي هذا السياق، يقول المديران الفنيان للبينالي، نورا رازيان وصبيح أحمد: «تبلورت في هذه المنطقة علاقات وأنماط متنوعة من أشكال السَيْر والارتحال. فحركة الرياح وتدفق التجارة وموجات الهجرة والشتات، كلها ظواهر حملت معها حكايات وأغانٍ ومفردات، ونتجت عنها إيقاعات وبحور شعرية، مثل بحر الرَّجَز، والتأمل في هذا العالم المتغير، وما ينطوي عليه من احتفاء بالحركة بمختلف أشكالها يفتح أمامنا نافذة لفهم مكوناتنا الثقافية من منظورالتبادل والانتقال، وتتبّع مسارات الارتحال وتقاطعاتها، كما يمنحنا فرصة لإعادة سرد حكايات الشتات التي بقيت حية في الأجساد والمواد والإيقاعات والأنغام».
وعبر توظيف التقاطعات بين الفنون البصرية والموسيقى والشعر، يأتي بينالي الدرعية للفن المعاصر ليخلق فضاءات تتيح فرصاً للتلاقي بين الفنانين والموسيقيين والمخرجين والمعماريين والكتاب من أجل تعزيز قدرتنا على الثبات أمام التحديات. وبهذا، تركز الدورة الثالثة من البينالي على تسخير الفن من أجل الحفاظ على ذاكرتنا الجماعية، والتأكيد على القوة الكامنة في تعددنا، وزرع بذور الأمل في مواجهة التحديات.
نبذة عن مؤسسة بينالي الدرعية
انطلاقاً من التنامي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية ومن التراث الحضاري الغني للدرعية، فإن مؤسسة بينالي الدرعية بقيادة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود تضطلع بدوركبير في رعاية التعبير الإبداعي، وغرس قيم التقدير نحو مختلف جوانب الثقافة والفنون، وإبراز قدرتها على إحداث التحولات الكبيرة.
وتطمح المؤسسة لتحفيز الفرد والمجتمع ككل على التعلم، وتتطلع لخدمة كافة أطياف المجتمع عبر توفير فرص المشاركة في المشهد الفني المحلي الذي يشهد نمواً وازدهاراً لم يسبق له نظير.
وتتولى المؤسسة مهمة تنظيم معرض بينالي سنوياً بالتناوب بين بينالي الدرعية للفن المعاصر وبينالي الفنون الإسلامية، إلى جانب برامج تثقيفية تفاعلية هادفة متواصلة على مدار العام، بالإضافة إلى إشرافها على تطوير حيّ جاكس في الدرعية، الذي بات اليوم مركزاً إبداعياً ومساحة للتفاعل بين كافة أقطاب المجتمع الفني.

