تعود بعض الأفلام إلى الذاكرة كما لو كانت وعدا يتم الوفاء به، وبعد مشاهدتها ثانية، يكتشف المحزون أنه وجد من شاركه حزنه، ويشعر المبتهج بشريك مبتسم. أما ذلك الذي يحاول فهم أسباب وملامح الأزمات، فقد يكون صاحب الحظ الأوفر بينهم، إذ تضيء تلك الأفلام مساحات مظلمة في العلاقات الإنسانية وفي النفس البشرية.
ويعد فيلم “اختراق” (Breach) الصادر عام 2007 للمخرج بيلي راي، وبطولة كريس كوبر ورايان فيليب، واحدا من تلك الأعمال التي يمكن النظر إليها اليوم وقد عادت إلى الواجهة تدريجيا، بالتزامن مع ما تكشفه الأخبار من وجوه جديدة للسلطة والخفاء.
اقرأ أيضا
list of 2 items
* list 1 of 2 مهرجان سانتا باربرا يكرم ليوناردو دي كابريو وشون بن
* list 2 of 2 من “لوليتا” إلى “بقعة ضوء”.. أشباح إبستين في الخيال الغربي end of list
ففي زمن تتصاعد فيه الأسئلة حول قضية جيفري إبستين وما أحاط بها من شبكات حماية ونفوذ، ومع تداول الإعلام لروابط وثيقة بينه وبين أجهزة استخبارات، يبدو الفيلم قادرا على تقديم لغة سينمائية لفهم مناخ “التجنيد” كآلية نفسية، أكثر من مجرد كونه حكما أخلاقيا.
لا يشرح الفيلم الجريمة كفعل فيزيائي، وإنما يرسم عبر الأداء البارد، والصوت المكتوم، والحوار المتوتر، والصورة التي تضيق داخل المكاتب، كيف يسقط الأفراد داخل فخ الاختراق من الداخل. فالثقة – كما ذكر الجاسوس “هانسن”، هي “الثغرة”، والطموح هو “البوابة”. “اختراق”، الذي يطل بعد قرابة عقدين من عرضه الأول، يعمل كنافذة توفر إطلالة على واقع شديد الفوضوية والقسوة.
قصة حقيقية في قلب “السيستم”
يستند الفيلم إلى واحدة من أخطر قضايا التجسس في تاريخ الولايات المتحدة. تدور القصة حول العميل الشاب إريك أونيل، الذي يُستدعى لمهمة تبدو في ظاهرها إدارية داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، لكنه يكتشف سريعا أنها مهمة مراقبة سرية لواحد من كبار رجال مكافحة التجسس، روبرت هانسن.
الخط الدرامي الأساسي يتشكل من العلاقة المتوترة بين الرجلين: أونيل الذي يحاول جمع الأدلة دون أن ينكشف، وهانسن الذي يتمتع بذكاء بارد وشخصية مهيمنة.
مصدر الصورة
الملصق الدعائي لفيلم “اختراق” (الجزيرة)
يتحول المكتب المغلق إلى مسرح نفسي للخيانة، حيث تصبح الثقة سلاحا، والصمت شبكة. ورغم أناقة المكان، فإن عتمة المكاتب تبدو خانقة، والوجوه تظهر كأقنعة متعبة بلا ملامح، يسودها صمت غير مطمئن لا يقطعه إلا جملة لاذعة أو نظرة مرتابة.
عملية التجنيد في «اختراق» (Breach) هي مسار نفسي بطيء يتسلل إلى الإنسان من داخله. ما يميز الفيلم هو تقديمه للجاسوس كشخص “عادي” جدا، لا يملك بطولات “جيمس بوند”. لكن هذا الشخص العادي يعرف قواعد المؤسسة جيدا، ومسكون بطموح هو المدخل الخفي للانحراف.
ثمة تشابهات جوهرية بين “هانسن” و”إبستين” تؤهلهما للعمل في مناطق الظل؛ فكلاهما يملك طموحا بلا سقف، وذكاء باردا، وكلاهما يعمل “خارج المؤسسات التقليدية” حتى لو كان في قلبها.
لا يعني رجلا من هذا النوع أن يتولى منصبا رسميا، بل أن يملك “مفاتيح الوصول” وجمع أسرار النخب للسيطرة عليها. هانسن يتجسس لصالح الاتحاد السوفيتي من قلب الجهاز الأمني، وإبستين شكل شبكة للسيطرة على البشر بتلبية أحط احتياجاتهم. كلاهما بلا انتماء حقيقي، وهي السمة الأساسية للمجندين في العمليات القذرة.
في قضية إبستين، لم تكن السيطرة تقوم بالمال فقط، بل بـ”الحصار التدريجي” وتحويل الضحية إلى أداة داخل الشبكة (تجنيدها لجلب أخريات)، وهو ما يفعله هانسن في الفيلم حين يحاول صياغة وعي مساعده الشاب وتوريطه نفسيا في عالمه الخاص.
سينما المكاتب المعتمة
اختار المخرج بيلي راي الابتعاد عن المطاردات السريعة، مقدماً عملاً هادئاً يعتمد على التوتر النفسي. أبرز ما يمنح الفيلم قوته هو أداء كريس كوبر، الذي يظهر كرجل يعيش داخل المؤسسة ويخفي خيانته خلف الانضباط والتدين الظاهري.
وفي المقابل، يبرع رايان فيليب في تصوير الضغط الذي يعيشه العميل الشاب الذي يراقب رجلاً يجلس أمامه يوميا، يبتسم له ويشاركه القهوة، بينما يخطط للإيقاع به.
إن ما يخبرنا به فيلم «اختراق»، وما تؤكده قضية إبستين اليوم، هو أن الأنظمة الأكثر تحصيناً ليست مهددة بالاختراق الخارجي بقدر تهديدها من “الصدع الداخلي”. في الفيلم، ينجح هانسن في تسريب معلومات هائلة لا لضعف في أنظمة التشفير، بل لضعف في “أنظمة البشر” التي تميل لتصديق ما هو مألوف.
هنا تلتقي السينما بالواقع؛ فإبستين لم ينجح في بناء شبكته لأنه كان يمتلك تقنية (Technology) خارقة، بل لأنه فهم “هندسة العلاقات” وكيفية تحويل الوجهاء والمثقفين والفنانين إلى “مجندين” صامتين في شبكته، إما بالترهيب أو بالإغواء أو بمجرد الإيهام بالانتماء لنادٍ مغلق.
يختتم الفيلم بمشهد قوي يظهر أن القبض على هانسن لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية لإدراك حجم الخراب الذي خلفه. وبالمثل، فإن رحيل إبستين لم ينهِ “الاختراق” الذي أحدثه في جسد النخبة العالمية. لقد ترك كلا الرجلين خلفهما عالماً فقد ثقته في “الوجه الرسمي”، عالماً يدرك الآن أن خلف كل مكتب أنيق وقاعة اجتماعات نظيفة، قد يختبئ مفترس يعرف تماما كيف يستخدم طموحك ضدك.
إن «اختراق» ليس مجرد فيلم تجسس، إنه دراسة في “سيكولوجية التبعية”، وهو اليوم ضرورة سينمائية لمن يريد أن يفهم كيف تُدار الغرف المغلقة، وكيف يُمكن لشخص واحد أن يحول مؤسسة، أو حتى مجتمعاً كاملاً، إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية والمخابراتية تحت غطاء من “الثقة” العمياء.

