التقى أمير الشعراء أحمد شوقى بالموسيقار محمد عبدالوهاب، وسأله عما فعله فى الفرح الذى أحياه فى اليوم السابق بإحدى القرى القريبة من مدنية بنها بمحافظة القليوبية، فحكى عبدالوهاب ما جرى منه نحو صاحب الفرح، فابتهج «شوقى»، قائلا: «والله يا محمد لو كنت عملت غير كده، ما كنت أكلمك»، فما هو التصرف الذى فعله عبدالوهاب، وأعجب أمير الشعراء إلى هذا الحد؟
يجيب عبدالوهاب على هذا السؤال فى حوار أجراه معه الشاعر صالح جودت، ونشرته مجلة «الكواكب» فى عددها رقم 915، الصادر يوم 11 فبراير، مثل هذا اليوم، 1969، والخاص عن عبدالوهاب، وشمل الحوار قضايا عديدة، من ضمنها ما فعله للارتقاء بمكانة الفنان فى المجتمع، يقول: «من أعز ما أعتز به فى حياتى الفنية أننى فرضت كرامة الفنان على المجتمع، فقد تعود الناس أن يسموا الموسيقى «آلاتى»، ويعتبرونه مواطنا من الدرجة الثانية، لا يجوز له أن يعتلى مجالس الأكابر ليجلس معهم على مستوى واحد»، ويضيف: «استطاع عبده الحامولى- مثلا- أن يرغم المجتمع على احترامه، بقوة شخصيته وعزة نفسه وجلال فنه، ولكن المجتمع يومئذ كان يحترم عبده الحامولى وحده، ولا يضفى مثل هذا الاحترام على الآخرين، إذ كان العرف لا يسمح لهم بالجلوس فى مجالس الكبراء إلا عند الغناء، وكانت تنصب لهم فى الأعراس والولائم موائد بعيدة عن موائد الخاصة».
يعتز «عبدالوهاب» بأنه أحدث تغييرا جوهريا فى هذه النظرة السلبية من المجتمع نحو الفنان، ويحكى قصة ما جرى فى الفرح الذى دعاه له عمدة إحدى القرى القريبة من بنها، قائلا: «إن أمير الشعراء أوصله وفرقته بسيارته إلى بنها، وهناك كانت سيارة العمدة تنتظر عبدالوهاب والفرقة، ووصلوا إلى القرية، وطال الانتظار لافتتاح البوفيه، لأن البوفيه لا يجوز أن يفتتح إلا عند تشريف البيه المأمور، ووصل البيه المأمور، وافتتح البوفيه، وقال العمدة لـ«عبدالوهاب»: اتفضل، وقال عبدالوهاب للموسيقيين: اتفضلوا يا جماعة، فاعترضه العمدة، قائلا: خلى الآلاتية دلوقتى، إحنا عاملين لهم ترابيزة لوحدهم».
يكشف «عبدالوهاب» عن رد فعله، قائلا إنه رد على العمدة: «طيب بس أغسل إيدى»، وغمز للموسيقيين أن يتبعوه، فاتبعوه، وساروا جميعا على أقدامهم عدة كيلو مترات فى ظلمة الليل، وفى عز البرد، حتى بلغوا بنها، وركبوا القطار وعادوا إلى القاهرة، ويضيف: «فى اليوم التالى سأله شوقى عما صنع فى الفرح، فروى له ما حدث، فابتهج شوقى، وقال له: والله يا محمد لو كنت عملت غير كده ما كنت أكلمك»، يضيف «عبدالوهاب»: «يوسف وهبى كان له فضل كبير فى هذا السبيل، فهو أول من فرض كرامة الممثل على المجتمع».
تناول الحوار قضية أخرى، وهى اللقاء الفنى الأول له مع أم كلثوم فى أغنية «انت عمرى» عام 1964، وعما إذا كان غير نفسه للتلحين لها؟ فأجاب: «بلا شك غيرت نفسى وغيرت طريقتى»، ويكشف كيف فعل ذلك، قائلا: «أبقيت على خطى عبدالوهاب السائرة فى دروب التطوير، واستغللت المزايا الشاسعة التى تتميز بها موهبة أم كلثوم، وأبرزها «القفلة» الملتهبة التى تلهب بها الجماهير، وتهيأت لها كنتيجة لحقيقتين كبيرتين فى حياتها، الحقيقة الأولى أنها بدأت حياتها بترتيل آيات الذكر الحكيم، وأصل القفلات الكبيرة من تلاوة القرآن، وتلاوته فى مصر بالذات، وقراء آيات الذكر فى مصر وحدهم الذين يحسنون القفلات دون غيرهم من القراء، وهكذا كونت أم كلثوم رصيدا ضخما من القفلات خدمتها فى حياتها الفنية.
حينما بدأت أم كلثوم الغناء، كانت تغنى معتمدة على صوتها وحده، بغير تخت ولا أوركسترا، مما علمها أن تعتمد على نفسها وعودتها الشجاعة البالغة فى كل قفلة، بما لم يتهيأ لأية مطربة أخرى، ولا لأى مطرب آخر، يؤكد «عبدالوهاب»: «حرضتنى هذه المزايا الكبيرة فى أم كلثوم على إدخال آلات جديدة على الأوركسترا، فأدخلت «الماراكاس»، ومزجت الأكوردون بالناى، وبدأت مرحلة لم أكن أستطيع أن أقوم بها وحدى، مرحلة لم أكن لا أقدم عليها لولا وجود أم كلثوم فى هذا العصر، وبدأ الناس يصغون إلى عظمة أم كلثوم بذوق محمد عبدالوهاب».
وعن الذين ساعدوه على الوصول إلى القمة، قال عبدالوهاب: «ثلاثة بطريق مباشر، وخمة بطريق غير مباشر، والخمسة هم، الشيخ سيد درويش، والشيخ محمد أبوالعلا، والشيخ درويش الحريرى، والشيخ محمود صبح، والشيخ محمد رفعت، هؤلاء لم أتصل بهم كثيرا، ولكنهم حركوا فى أشجان النغم، وأثروا فى أعماقى أبلغ تأثر، وخطوا لى دروبا فى الأداء».
«أما الثلاثة فهم، أمير الشعراء أحمد شوقى، وكان تأثيره عميقا ومخلصا، ارتبطت به وهو فى أوج مجده، فعلمنى أجمل ما تعلمت، علمنى قيمة الكلمة، وكيف أتذوق الشعر، وعلمنى الفرنسية، وفوق هذا علمنى كيف أشق طريقى فى المجتمع، فقد كان يخوض بى مجال الكبراء والنابهين، وأنا فتى لا أجرؤ على الكلمة فى مثل هذا الجو، وأحمد رامى الذى علمنى بوهيمية الفنان وحياته الطليقة، وأنا أهيم معه فى شوارع القاهرة، وأسهر معه حتى الصباح، ونعود إلى البيت ليجلس هو تحت سريره ينظم الشعر، وأنا بجانبه على الأرض، أداعب أوتار العود، وفى هذه الفترة لحنت له كثيرا من أغانيه التى اعتز بها مثل «على غصون البان»، وغيرها. إنه هو الذى حبب إلى أن أنغمس فى حياة الفن، وتوفيق الحكيم، وقد صاحبته عشر سنوات كاملة بأيامها ولياليها، استقيت منه خلالها فلسفته وصوفيته ونظرته إلى الحياة».

