حين نتحدث عن “الفن”، تذهب عقولنا فوراً إلى تلك القاعات المكيفة، واللوحات المؤطرة بالذهب، والدراسات الأكاديمية المعقدة التي تُدرس في كبريات الجامعات. نظن أن الفن “حكر” على فئة بعينها، أو أنه يحتاج إلى “كتالوجات” مستوردة لكي يخرج للنور. لكنني اليوم أدعوكم لرحلة قصيرة، لا إلى عاصمة أوروبية، بل إلى قرية صغيرة تسبق “شبرامنت” بقليل، اسمها “الحرانية”.
هذه القرية لم تكن يوماً موجودة على الخريطة الفنية للعالم، بل ربما لم تكن موجودة على الخريطة السياحية لبلدنا. لكن رمسيس ويصا واصف، ذلك المعماري الذي كان يرى بقلبه قبل عينه، ذهب إلى هناك لا ليعلم الناس، بل ليفتح لهم طاقة من النور.
متى بدأت الحكاية؟ إنها لم تبدأ بقرار إداري مختوم، ولا بميزانية مرصودة من جهة رسمية، بل بدأت بـ “نبوءة فنان”. كان ذلك في عام 1952، العام الذي شهد تحولات مصر الكبرى، حين اشترى رمسيس ويصا واصف قطعة أرض في قرية “الحرانية”. هناك، جمع نحو خمسة عشر طفلاً وطفلة من أبناء القرية، ووضعهم أمام “النول” في مغامرة كبرى، لم يقل لهم فيها “انقلوا هذا الرسم”، بل قال لهم: “اخرجوا ما في صدوركم”.
كل لوحة تخرج من الحرانية هي (قطعة وحيدة) في هذا العالم. لا يوجد “كروكي” مسبق، ولا رسم تحضيري يسير عليه الفنان، بل هو اشتباك مباشر بين الخيال والخيط. ولذلك، لم يكن غريباً أن تجد هذه اللوحات طريقها إلى أعظم متاحف الأرض؛ من “المتروبوليتان” في نيويورك، إلى “فيكتوريا وألبرت” في لندن، وصولاً إلى “متحف الإنسان” في باريس.
إن مئات اللوحات المقتناة عالمياً هي “سفراء” فوق العادة لمصر. سفراء لم يدرسوا في مدرسة الألسن، بل درسوا في مدرسة “الفطرة” التي اكتشفها رجل آمن بأن الفن يبدأ من الأرض، وينتهي في ذاكرة التاريخ.
وإذا تحدثنا بلغة الأرقام، فالأمر هنا لا يُقاس بـ “الكم” الذي يملأ المخازن، بل بـ “الكيف” الذي لا يتكرر. على مدار أكثر من سبعين عاماً، أنتجت هذه التجربة آلاف اللوحات النسيجية، لكنها جميعاً تشترك في صفة واحدة: “عدم التكرار”.
المدهش في “الحرانية” أنك لن تجد ريشة ولا ألواناً زيتية. ستجد نساءً مصريات بسيطات، جلسن لأول مرة في حياتهن أمام “النول”، وبدأن في صياغة معجزة. هن لا ينسجن “سجاداً” ليفترش الأرض، بل يرسمن “لوحات” نسيجية تُعلق على الجدران لتخاطب الوجدان.
هؤلاء النسوة لم يدخلن مدرسة، ولا يعرفن القراءة والكتابة، ولم تكن لديهن خبرة سابقة أو أدوات معقدة. لكنهن تلميذات لـ “الإبداع الفطري”. رمسيس ويصا واصف لم يفرض عليهن “موديلاً” ينقلنه، بل ترك لأناملهن الحرية، ولخيالهم العنان، فكانت النتيجة “فناً تلقائياً” أذهل كبار نقاد العالم.
قد يظن البعض أن هذا الوصف مبالغ فيه، لكن لغة الواقع تقول شيئاً آخر تماماً. الواقع يقول إن أكثر فنانين في القرن العشرين لهم مقتنيات في أكبر متاحف العالم، هن “سيدات الحرانية”. صحف العالم، بكل اللغات، أفردت صفحاتها للحديث عن هؤلاء النسوة اللاتي جعلن من الخيط لغة عالمية. وكان السؤال المعجز هو كيف لامرأة بسيطة، لم تغادر قريتها، أن تنتج فناً قيمته الفنية والمادية أعلى من فنون أكاديميين كبار قضوا أعمارهم في المراسم؟ الإجابة ببساطة: مصر منجم ذهب.
إن “الحرانية” اليوم ليست مجرد نقطة جغرافية، بل هي “منهج” يثبت لنا أن الفن موجود في كل ذرة تراب من أرض مصر. هي المكان الوحيد في العالم الذي تجلس فيه المرأة لتبدع لوحة “نسيجية” فريدة لا تتكرر، لتضع قريتها الصغيرة على الخريطة الفنية الدولية جنباً إلى جنب مع باريس وروما.
هذه التجربة هي دعوة لنا جميعاً لنعيد النظر في قدراتنا. الفن ليس “بدلة” نرتديها، ولا “شهادة” نعلقها، بل هو “نفس” نخرجه بصدق. وإذا كان رمسيس ويصا واصف قد اكتشف هذا المنجم في الحرانية، فكم “حرانية” أخرى في بلادنا تنتظر من يكتشفها؟
إن المسألة لا تتعلق بالسجاد أو النسيج، بل تتعلق بـ “الثقة” في هذا الإنسان المصري، الذي إذا ما وجد الحرية والصبر، صنع المعجزات من أبسط الأدوات.
لنتأمل المشهد جيداً، فهو يختصر قضية أمة بأكملها. لقد ذهب رمسيس ويصا واصف إلى هناك، لا ليقيم مصنعاً أو ورشة بالمعنى المادي، بل ليقيم “محراباً” للجمال. وضع “النول” أمام نساء بسيطات، لم يعرفن طريقاً للمدارس، ولم يقرأن سطراً واحداً في كتب تاريخ الفن، بل ولم تمسك أناملهن يوماً بفرشاة رسم واحدة.
ومع ذلك، لم يكن هدفه أن يعلمهن “حرفة” تقليدية تكتفي بصناعة سجاد يُفرش تحت الأقدام، بل كان هدفه أبعد وأعمق؛ لقد أراد أن يعلمهن كيف يطلقن سراح “الإبداع” الكامن في وجدانهن، ليتحول إلى لوحات تُعلق على الجدران وتخاطب الروح.
هنا تكمن العبقرية. إنها “فلسفة” لا تكتفي بتدريب الأيدي، بل تلمس القلب. لقد آمن رمسيس ويصا واصف أن هؤلاء النسوة، رغم بساطتهن، يحملن في داخلهن موروثاً حضارياً هائلاً، لا يحتاج إلا إلى “ثقة” من يعطيهن الأداة ويترك لهن الخيال. المسألة لم تكن “شغلاً يدوياً”، بل كانت عملية “تحرر إنساني” عبر الخيط واللون.
إن هذا الدرس هو ما نحتاجه اليوم في كل المجالات؛ أن نؤمن بأن في كل إنسان مصري طاقة خلاقة، إذا ما وجدت الرعاية الصادقة والحرية، تحولت من “قوة معطلة” إلى “منارة إبداع” تضيء للعالم أجمع.
إن ما تخرجه أنامل هؤلاء النسوة ليس “سجاداً” بالمعنى التقليدي الذي نعرفه، ولا هو بضاعة تُباع وتُشترى لتفترشها الأقدام، بل هي «لوحات مرسومة بالخيط». نحن هنا أمام فن رفيع، وقيمة تشكيلية لا تقل شأناً عما تبدعه ريشة كبار الفنانين في مراسمهم الفارهة.
والمفارقة المذهلة، أن هؤلاء “النسوة ” لم يملكن أدواتاً معقدة، ولا خبرات سابقة، ولا حتى “كتالوجات” يقلدونها. لم يدرسوا نظرية الألوان، ولم يسمعوا عن “المنظور” أو “الظل والضوء”. لكنهم، ببساطة مذهلة، ملكوا ما هو أهم من كل الأدوات: «الفطرة المصرية النقية».
إنها تلك الفطرة التي لم تلوثها زخارف الحداثة الزائفة، ولم تفسدها القوالب المستوردة. فطرة تضرب بجذورها في أعماق آلاف السنين، تحركها أصابع لم تكن تدرك أنها تصنع تاريخاً، بل كانت تعبر عن حياتها، عن شجر قريتها، وعن طيور سمائها، بصدق لا يعرف الزيف.
وهنا يبرز الدرس الكبير: أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى “ترسانة” من المعدات، بقدر ما يحتاج إلى “روح” متصلة بجذورها. إن هؤلاء النسوة أثبتن للعالم أجمع أن الفن هو “لغة الروح”، وأننا حين نترك للإنسان المصري حرية التعبير عن فطرته، فإنه يبدع بغير حدود.
والواقع المذهل هنا يصفعنا بحقيقة غائبة، بل لعلها حقيقة “مغيبة” وسط ضجيج الإعلانات ومعارك النقاد الصاخبة. فبينما يتصارع فنانو القرن العشرين على الشهرة، وتضيق بهم جنبات المعارض الدولية بحثاً عن “اللقب”، نجد أن أكثر الفنانين الذين تقتني متاحف العالم أعمالهم هم “سيدات الحرانية”.
إنها مفارقة تدعو للتأمل؛ فصحف العالم، بكل لغاتها من اليابان إلى أمريكا، لا تتوقف عن الحديث عن هذه “المعجزة التلقائية”. يتحدثون عن فنٍ وقفت أمامه الأكاديميات الكبرى عاجزة عن التفسير، فنٍ تفوق قيمته الفنية والمادية ما قدمه كبار الفنانين الذين قضوا أعمارهم يدرسون الخط واللون في “الأتيليهات” الفارهة.
كيف حدث هذا؟ وكيف استطاعت “الخيوط” أن تهزم “الريشة”؟
الإجابة في تقديري تكمن في “الصدق”. فالفن الأكاديمي قد يمنحك الدقة، لكنه لا يمنحك “الروح”. أما هؤلاء السيدات، فقد وضعن في كل خيط قطعة من أرواحهن، وقصة من قصص أرضهن، فخرج العمل نابضاً بالحياة، لا يحتاج إلى مترجم ليفهمه “المتفرج” في لندن أو باريس ، نحن أمام برهان عملي يقول إن العالمية ليست في تقليد الآخرين، بل في الغوص داخل أنفسنا. لقد أصبحت “الحرانية” قبلة للمقتنين، ليس لأنها قدمت فناً “عصرياً”، بل لأنها قدمت فناً “حقيقياً”.
إن “الحرانية” اليوم لم تعد مجرد نقطة جغرافية عابرة على أطراف القاهرة، أو مجرد قرية صغيرة تسبق “شبرامنت” في خارطة الطريق، بل هي “علامة بارزة” ومضيئة على الخريطة الفنية الدولية بأكملها.
نحن هنا أمام المكان الوحيد في العالم، الذي تجلس فيه امرأة بسيطة، لم تلوث فطرتها تعقيدات الحداثة، لتغزل من ذاكرتها الخصبة لوحة لا تفرشها الأقدام، بل “تتعلق” في أكبر متاحف الأرض لتخاطب وجدان البشر في كل مكان ، وهذا هو الدرس الكبير الذي يجب أن نعيه جميعاً؛ فهذه التجربة تثبت لنا أن مصر ليست مجرد “أرض” وحدود، بل هي “منجم ذهب” إنساني لا ينضب. منجم يمتلئ بالثروات الكامنة في نفوس أبنائه، والتي لا تحتاج إلا لمن يكتشفها ويؤمن بها، كما آمن رمسيس ويصا واصف بأن القوة الحقيقية لهذا الوطن تكمن في “بساطته” وفي “أصالته”.
إن ما حدث في الحرانية هو برهان ساطع على أننا نمتلك ثروة بشرية هائلة، إذا ما فتحنا لها أبواب الحرية والتدريب والصبر، لصنعت لنا من “العدم” معجزات يصفق لها العالم. المسألة ببساطة هي أن ندرك قيمة ما لدينا، وأن نعرف أن الطريق إلى العالمية يبدأ دائماً من “البيت”، ومن تحت “النول” الذي يغزل أحلامنا بأيدينا نحن، لا بأيدي غيرنا.
المسألة إذن ليست في “فك الخط”، ولا في حيازة الشهادات والجوازات الأكاديمية التي تملأ الأدراج؛ المسألة أبعد من ذلك بكثير. إنها تكمن في ذلك “النبع الفطري” المتدفق الذي عرف رمسيس ويصا واصف كيف يزيح عن مجراه التراب، ليتفجر إبداعاً أذهل الدنيا.
إن ما حدث في تلك القرية الصغيرة هو “رسالة” موجهة إلينا جميعاً، مفادها أن الفن ليس سلعة تستورد من الخارج، وليس طقساً يمارسه قلة من “الصفوة” في أبراجهم العاجية. الفن في بلادنا موجود في كل ركن، وفي كل كفّ تشققت من العمل، وفي كل عين ترقب النيل والزرع والسموات.
إن مصر، في حقيقتها، ليست في حاجة إلى من “يزرع” فيها الموهبة، بل هي في حاجة إلى من “يؤمن” بوجود هذه الموهبة أصلاً. هي في حاجة إلى من يمتلك الجرأة لفتح الأبواب الموصدة أمام طاقات البشر، ويمنحهم الثقة ليعبروا عن أنفسهم بلغتهم الخاصة، لا باللغات التي نلقنها لهم.
ورحل صاحب الرؤية ويصا واصف في 13 يوليو 1974. رحل رمسيس ويصا واصف جسداً، لكنه ترك خلفه “مركزاً للفنون” تحول إلى مؤسسة حية، استكملت فيها زوجته السيدة صوفي حبيب جورجي وبناته المسيرة من بعده. فالمهم في مدرسة رمسيس ليس الشخص، بل “الاستمرارية” التي جعلت النول يدور حتى يومنا هذا، كأنه نبض لا ينقطع.
ولكنه رحل بعد أن فتح باباً في “الحرانية”، فخرجت منه لوحات أبهرت متاحف الأرض. فكم باباً آخر ينتظر منا أن نمتلك الشجاعة لنفتحه؟ وكم نبعاً فطرياً في كفورنا ونجوعنا ينتظر من يرفع عنه الحجر ليجري ماءً وحياة؟
تلك هي القضية.. وتلك هي البداية.

