ويقول المستعرب الصيني البروفسور سعيد جمال الدين ماينغ جغ، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة “صون بات صن” إن “الحضور العربي أقل تأثيرا مقارنة بالمؤسسات الغربية، حيث تعاني المراكز العربية من محدودية الانتشار والموارد، مما يحول دون تكوين صورة متوازنة لدى الجمهور الصيني”. وبالرغم من العلاقات التاريخية الودية التي توثقها رحلات سليمان التاجر وابن بطوطة (1304-1368م)، وغيرهما، يرى الكثير من الخبراء أن المراكز الثقافية العربية لم تنتقل بعد من دورها التقليدي في العرض التعريفي إلى بناء شراكات معرفية وأكاديمية طويلة الأمد مع الجامعات والمؤسسات الصينية.
وفي هذا السياق، يقول المترجم الصيني المتخصص بالدراسات العربية والإسلامية البروفسور شوي تشينغ غوه: “لم تتفاعل هذه المراكز بشكل نشط مع معاهد اللغة العربية والثقافة العربية في الصين، فضلا عن التفاعل النشط مع المجتمع الصيني، لذا، لا أظن أن هذه المراكز نجحت في خلق صورة متوازنة عن الثقافة العربية لدى الجمهور الصيني”.
وحول انتقال معظم المراكز العربية من دورها التقليدي في العروض التعريفية المناسباتية إلى بناء شراكات أكاديمية مستدامة. يوضح ماينغ جغ: “بشكل عام، لم تنتقل المراكز العربية إلى بناء شراكات وبرامج بحثية مشتركة وعميقة مع جامعات صينية أو تبادل منهجي للمعرفة”.
وعن أعداد هذه المراكز ونشاطها، يقول شوي تشينغ غوه: “حسب علمي، لا يوجد في الصين إلا مراكز ثقافية عربية معدودة تتبع لبعض السفارات العربية”. فهناك من يرى أن “المراكز الثقافية العربية في الصين تعمل في إطار رسمي ولا بد من الانتباه لذلك في مسألة تقييم أدائها”. فالفعاليات التي تقيمها هذه المراكز “قليلة جدا، لا تتجاوز التمثيل الديبلوماسي واستقبال الوفود وإقامة فعاليات مناسباتية محدودة”.
أما أبرز التحديات التي تواجه هذه المراكز، فيشير البروفسور سعيد جمال الدين ماينغ جغ إلى “ضعف التمويل المخصص، وحاجز اللغة وقلة المحتوى المترجم بجودة عالية، وضعف الاستراتيجيات الترويجية التي تجذب الجمهور الصيني”. ويقترح حلولا منها “تطوير شراكات مع القطاع الخاص، والاستثمار في إنتاج محتوى رقمي بلغة صينية جذابة، وتدريب كوادر متخصصة في الثقافة الصينية”.
وفي ظل مبادرة “الحزام والطريق” وما تحمله من بعد حضاري، يرى الدكتور ماينغ جغ أن المبادرة “تمثل فرصة ذهبية للتحول من الفعاليات المناسباتية إلى منصات دائمة للتفاهم الثقافي”. وينصح بتطوير برامج مشتركة مع مؤسسات صينية فاعلة، وإنشاء كراس بحثية في الجامعات، واستهداف فئة الشباب عبر منح دراسية وبرامج تبادل، والاستفادة من المنصات الرقمية لتوسيع النطاق خارج النخبة الثقافية.
ويرى متابعون أن المراكز الثقافية العربية لا تؤدي دورها الأهم، وهو الإسهام في تعريف الشعب الصيني بالثقافة العربية والعكس، وفي صدد ذلك يؤكد تشينغ غوه أن المراكز الثقافية العربية في الصين “تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية من حيث النموذج التشغيلي والاستراتيجيات المتبعة، لبناء جسور ثقافية حقيقية”. والسؤال هنا عن غياب دور الجامعة العربية، فينبه إلى أن “جامعة الدول العربية لا تشرف على أي فعالية ثقافية في الصين”، معتبرا أن تعريف الجمهور الصيني بالقضية الفلسطينية مثلا “ليس مهمة خاصة بدولة فلسطين فقط، إنما هو واجب عربي مشترك”.
ويختتم بالقول “يجب ابتكار أساليب جديدة تتماشى مع تطور وسائل التواصل والتقنيات الجديدة، حتى تقترب الثقافة العربية من الجمهور الصيني وخاصة الشباب”.
الهند… تعاون أكاديمي وتبادل ثقافي واعد
ترجع العلاقات العربية الهندية إلى فترات موغلة في القدم، فقد كانت بلاد العرب ترتبط بالهند عبر الطرق البحرية ورحلات التجار، وشكلت هذه الروابط أساسا متينا للتفاعل الثقافي والحضاري بين الجانبين. ومع مرور العصور، ظهرت محاولات لتقريب الأفكار الهندوسية والإسلامية، وشهدت المدن عمليات اندماج بين الثقافتين. أما اليوم، فينظر إلى المراكز والمؤسسات العلمية الهندية كجسور حيوية للتعاون الثقافي والأكاديمي مع العالم العربي.
من جهته، يرى الدكتور نشاد على الوافي، أستاذ مساعد ومشرف على بحوث الدكتوراه في كلية “جمال محمد بجامعة بهاراتي داسن”، أن العلاقات الثقافية والعلمية مع المنابر العربية “وطيدة ومثمرة”. ويقول في حديثه إلى “المجلة”: “هناك تعاون بناء مع المراكز الثقافية العربية في إثراء وتعزيز اللغة العربية وآدابها وثقافاتها في الهند “.

