كان أعضاء اللجنة التنفيذية في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) قد تأخروا بالفعل 20 دقيقة، فيما ازداد انزعاج بعض الأطراف المتضررة، قبل أن تتضح الأسباب فجأة. دخل الرئيس ألكسندر تشيفرين ورئيس “أندية كرة القدم الأوروبية” ناصر الخليفي باندفاعة لافتة، ليعلنا أن ريال مدريد سيعود إلى الصفوف مجدداً، ويستأنف عضويته في الرابطة التي كانت تعرف سابقاً باسم رابطة الأندية الأوروبية.
بالنسبة لكثيرين، تم تقديم ذلك على أنه تراجع غير مسبوق من فلورنتينو بيريز، والهزيمة النهائية لمشروع دوري السوبر الأوروبي. حتى إن الخليفي شعر بالحاجة إلى أن يضيف أنه إذا كان أي شخص يعتقد أن بيريز “خسر”، “فهو غبي ولا يعرف شيئاً على الإطلاق عن كرة القدم”.
دوري السوبر الأوروبي وتحول نافذة أوفرتون
وهذه نقطة هو محق فيها. فالطريقة الوحيدة للاعتقاد بأن بيريز “خسر” هي النظر إلى المشروع المتعثر باعتباره الغاية القصوى. لكن ثمة منظوراً آخر أكثر أهمية، إذ أسهم دوري السوبر في ترسيخه. فالمشروع لم يكن سوى تجلي لمحاولة أوسع من جانب الأندية الكبرى للسيطرة على لعبة الأندية. وهذا ما كان بيريز يريده دائماً.
وذلك، عبر رابطة الأندية الأوروبية، هو ما حصل عليه بيريز والأندية الكبرى أخيراً. لقد تغيرت “نافذة أوفرتون” (إطار الأفكار المناسبة للإجماع العام). فلماذا لا يعود مدريد إلى الصفوف؟
شراكة يويفا ورابطة الأندية عبر “يو سي ثري”
أحد تداعيات دوري السوبر كان تعزيز علاقة (يويفا) برابطة الأندية الأوروبية الجديدة بقيادة الخليفي – والتي استقال منها ريال مدريد – وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى شراكة يديران بموجبها معاً دوري أبطال أوروبا وبطولات الأندية القارية من خلال شركة “يو سي ثري” الجديدة.
وقد منح ذلك رابطة الأندية الأوروبية موقعاً غير مسبوق في هيكل السلطة الكروية، بحيث باتت تعد الآن سلطة ثالثة إلى جانب – أو ربما فوق – (يويفا) و(فيفا).
وكان العنوان العريض لفعاليات (يويفا) هذا الأسبوع هو إظهار جبهة موحدة بعد كل ذلك الصراع الأهلي.
انتقادات النظام الجديد لدوري أبطال أوروبا
غير أن التململ لا يزال يتردد في الكواليس. فكثير من الأطراف المعنية ترى في كل ذلك مجرد استيعاب لديناميكيات قوة دوري السوبر، لا حلاً حقيقياً؛ محاولة لـ”احتواء ما لا يمكن احتواؤه”. ويمكن ملاحظة ذلك في تزايد عضوية اتحاد الأندية الأوروبية، وسماعه في كثير من الأحاديث الجانبية حتى خلال هذا المؤتمر.
وينظر إلى دوري أبطال أوروبا بصيغته الجديدة في أوساط عدة باعتباره دوري سوبر مؤسسياً، وإن كان مع بعض التنازلات لبقية اللعبة. وبينما يشير مسؤولون داخل الرابطة إلى نجاح دوري المؤتمر الأوروبي، ثمة منظور بديل يرى أن هذا النظام يرسخ التفاوت المالي، ويعزل جزءاً كبيراً من اللعبة في أطر منفصلة.
الجدل المالي وتمويل رابطة الأندية الأوروبية
وكانت رابطة الأندية الأوروبية أيضاً في صلب تشكيل كأس العالم للأندية الجديدة من (فيفا)، وهي بطولة لدى (يويفا) نفسه مخاوف جدية في شأنها، ولا سيما ما يتعلق بتأثير جوائزها المالية على زعزعة استقرار منظومة اللعبة.
وتشير الرابطة إلى أنها نجحت في الدفع نحو التزام تضامني بقيمة 250 مليون يورو (297.04 مليون دولار) للأندية غير المشاركة، لكن هذا المبلغ يتوزع بشكل ضئيل على مستوى اللعبة عالمياً. وتضيف مصادر من داخل الأندية أنها لم تتلق حتى الآن يورو واحداً.
وينظر إلى الهيكل الجديد للأندية الأوروبية باعتباره المشكلة ذاتها على نطاق مختلف، مع شكوى باتت تعد رمزية للغاية لدى بعض الأطراف. إذ بدأ البعض يتساءل عن التمويل الذي يقدمه (يويفا) إلى رابطة الأندية الأوروبية، وكيف يحدد ويعلن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويستند هذا المبلغ السنوي إلى مذكرة التفاهم بين الجانبين في 2008، حين كان عالم كرة القدم – ووضع الرابطة القديمة – مختلفين تماماً. ووفقاً لأحدث تقرير مالي، ارتفع المبلغ إلى 25 مليون يورو (29.7 مليون دولار). ويفترض أن يأتي هذا المال من “فائض” إيرادات (يويفا)، مع تأكيدات بأنه لا يقتطع من آلية توزيع جوائز الأندية، على رغم أن بعض المصادر تشكك صراحة في ذلك.
وعلى رغم أن 25 مليون يورو رقم متواضع نسبياً في سياق إجمالي إيرادات الرابطة، فإنه يحمل دلالة ورمزية.
وتتضاعف أهميته حين يُعلم أن أقل من 150 نادياً يتمتعون بعضوية كاملة في الرابطة. ولذلك تصف بعض المصادر الأمر بأنه “رسم مفروض قسراً لمصلحة جماعة ضغط” لا تأثير لها عليها، فيما تمضي في ترسيخ نموذج رياضي يختلف معه كثيرون. ويُفهم من ذلك أن مجرد إثارة هذه المسألة تسبب في توتر داخل (يويفا).
وسألت صحيفة “اندبندنت” الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عن كيفية احتساب أرقام مثل 25 مليون يورو، وما إذا كانت هناك صيغة معلنة لذلك. وجاء في الرد أن “مبلغ التمويل لا يحتسب وفق معادلة، بل يطلب سنوياً من قبل رابطة الأندية الأوروبية، وفق ما يقره مجلس إدارتها وجمعيتها العمومية”.
وبحسب مصادر، لا يعرض هذا الرقم على اللجنة التنفيذية لـ(يويفا). ويُذكر أن (يويفا) يفترض به أن يكون مجرد تجمع للاتحادات الوطنية.
من جانبها، تشير رابطة الأندية الأوروبية إلى أن تمويلها “ليس سراً”. كذلك تؤكد أنها توفر “قيمة مقابل المال” للأندية، لا سيما من حيث تعزيز التضامن، وإبرام اتفاقات رسمية في شأن التمثيل الدولي، وإنشاء قنوات تعويض وإيرادات متعددة لم تكن موجودة قبل خمس سنوات. أو بعبارة أخرى، لقد وسعت الكعكة للجميع.
غير أن الانتقادات مستمرة، معتبرة أن هذا النمو ترافق مع تضخم سريع في حجم الرابطة ونفوذها، وكل ذلك في منظومة يرجح فيها أن تذهب مزيد من السلطة والمال إلى الأندية الكبرى ذاتها.
كذلك يشار إلى أن كون التمويل “ليس سراً” لا يعني تقديم تفاصيل واضحة حول كيفية تحديد هذا المبلغ السنوي، وكم يسهم كل نادٍ، وما إذا كانت الأندية غير الأعضاء أو غير المصوتة على دراية كاملة بما إذا كانت تسهم في تمويله.
مستقبل البطولات الأوروبية بعد 2030
وجوهر المسألة، كما في كثير من قضايا كرة القدم الحديثة، يتعلق بالشفافية. ويرى منتقدون أن ذلك يعكس تحولات أوسع في موازين القوة. فحتى مبلغ 25 مليون يورو كان يمكن أن يوجه إلى أندية أصغر أو حتى إلى مشاريع القاعدة الشعبية. لكنه يضخ بدلاً من ذلك إلى هيئة تحولت من جماعة ضغط إلى منظم مسابقات، تتولى زمام لعبة الأندية.
وثمة حتى جدل في شأن أن الشراكة مع “يو سي ثري” تنطوي على التنازل عن جزء مما يفترض أنه حصة الاتحادات الأعضاء في مسابقات الأندية الأوروبية، من دون أي تعويض.
وقد طلب تعليق من الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في شأن هذه النقطة الأخيرة.
ويأتي كل ذلك في وقت ينظر على نطاق واسع إلى أن قمة اللعبة تضعف الغالبية العظمى من الدوريات المحلية، تماماً على النحو الذي وجه فيه النقد إلى دوري السوبر. وكما يقول أحد المصادر، فإن ذلك ينسجم مع اتجاه “الاستحواذ” المستمر على (يويفا) و(فيفا) من قبل كيانات أكثر نفوذاً.
فالقوى الأكثر تأثيراً في لعبة الأندية اليوم هم ملاك الأندية وكبار التنفيذيين، ولا سيما الصناديق المرتبطة بالدول والمسؤولين، إضافة إلى رؤوس الأموال المؤسسية الأميركية. ولا يبدو أن أحداً يملك نفوذاً يضاهي بيريز أو الخليفي حالياً.
وبعيداً من كونه “خاسراً”، قد يتأمل رئيس مدريد كيف أن الطعون القانونية المتعددة المرتبطة بدوري السوبر أفضت إلى هذا الوضع، إذ بات قريباً من قمة كل من (يويفا) و(فيفا).
فإذا كان محرض سابق يشعر الآن بهذا القدر من الرضا، فهل لذلك دلالة على دورة ما بعد 2030؟ وكيف ستتداخل كأس العالم للأندية مع ذلك؟
هل يمكن توسيع دوري أبطال أوروبا أكثر، أو تقسيمه إلى مؤتمرين؟ تعتقد مصادر عدة أن مدريد “لا بد أنه يشعر بأن شيئاً ما يحضر”.
وهي ساحة أخرى تحتاج فيها كرة القدم الأوروبية إلى مزيد من الشفافية، ولا سيما في شأن موضع القوة الحقيقي بين (يويفا) ورابطة الأندية الأوروبية.

