مثّلت الشاشة الدرامية المصرية، عبر عقود طويلة، الذاكرة البصرية والوجدانية الصلبة للمجتمع. وكانت ولا تزال الوعاء الذي يحفظ هويتنا، ويوثق تحولاتنا الاجتماعية، ويتجاوز ذلك أحيانًا إلى تشكيل وعينا الجمعي وخصوصًا من خلال الأعمال الدرامية الوطنية والتاريخية الكبيرة. اليوم، يقف هذا الكيان الفني الراسخ أمام منعطف مفصلي، يتمثل في الاختراق الهيكلي القادم من فضاء المنصات الرقمية وعالم السوشيال ميديا، وميلاد “فن هجين” يحاول أن يدمج إيقاع الفيديوهات القصيرة واللهاث الرقمي مع البناء الكلاسيكي للدراما التليفزيونية والسينمائية.
البداية وقصور الأدوات
هذه الظاهرة التي بدأت منذ سنوات قليلة بالاستعانة بوجوه (سوشيالية) –إن جاز لنا التعبير- تجاوزت الآن هذه البداية لتبدأ الضرب في صميم فلسفة الصناعة ذاتها، حيث بدأت الخوارزميات ولغة الأرقام الافتراضية تفرض شروطها القاسية على اختيار الممثلين، وصياغة السيناريو، وتوجيه زوايا الكاميرا.
تتبع جذور هذا الاختراق خلال السنوات القليلة الماضية يكشف لنا منهجية واضحة تتبناها بعض جهات الإنتاج للاستثمار المجاني في القاعدة الجماهيرية لمشاهير الإنترنت. وتابعنا استقطابًا متسارعًا لأسماء لمعت في عالم “تيك توك” و”إنستجرام”، والدفع بهم مباشرة للوقوف أمام كاميرات المحترفين. فظهور محمود السيسي في مسلسلات مثل “مكتوب عليا” و”طير بينا يا قلبي”، معتمدًا بشكل أساسي على استدعاء شخصيته الرقمية النمطية المألوفة لمتابعيه. وأثارت الاستعانة بشخصية مثل كروان مشاكل في عمل درامي جاد مثل “بطن الحوت”، نقديًا وجماهيريًا واسعًا. كما تم إقحام الطفل عبد الرحمن طه القادم من عالم الفيديوهات القصيرة في مسلسل “الكبير أوي”، وغيرها من النماذج.
هذه التجارب كشفت -دون تعميم وبدرجات مختلفة- عن قصور في الأدوات التمثيلية الأساسية لهؤلاء التيكتوكرز. فبالتأكيد الوقوف أمام كاميرا الدراما يتطلب مخزونًا شعوريًا متراكمًا، وقدرة على التحكم في طبقات الصوت، وفهمًا عميقًا للأبعاد النفسية للشخصية، وغيرها من أدوات تغيب تمامًا عن مقاطع السوشيال ميديا المعتمدة على الإضحاك اللحظي والحركة المفتعلة. ولكن جهات الإنتاج وقعت في فخ الموازنة التي أراها غير مدروسة جيدًا بين القدرة على لفت الانتباه لثوانٍ معدودة، وامتلاك النفس الطويل لتحمل عبء شخصية درامية تمتد لثلاثين حلقة.
ومن الضروري هنا الفصل القاطع بين هؤلاء البلوجرز ومواهب حقيقية مثل طه دسوقي وعصام عمر اللذين استخدما المنصات الرقمية كنافذة عبور مؤقتة لعرض موهبتهما الأصيلة، ولكنهما ينتميان في الأساس إلى مدرسة التمثيل المسرحي والستاند أب كوميدي، ويمتلكان تأسيسًا فنيًا صلبًا، وسرعان ما أثبتا جدارتهما الفائقة فور منحهما الفرصة الحقيقية الموازية لقدراتهما.
فخر السوشيال واختلاف الظروف
في الموسم الرمضاني الحالي، تتخذ ظاهرة الفن الهجين شكلًا أكثر تعقيدًا مع تصدر صانع المحتوى الشاب أحمد رمزي لبطولة مسلسل “فخر الدلتا”. هذا العمل، الذي صاغ قصته عبد الرحمن جاويش، وكتب السيناريو والحوار له حسن علي، ويتولى إخراجه هادي بسيوني، يضع رمزي في مواجهة فنية مباشرة مع قامات تمثيلية راسخة مثل كمال أبو رية وخالد زكي وانتصار.
وحالة أحمد رمزي تحمل خصوصية شديدة؛ فهو يمتلك خلفية أكاديمية ناتجة عن دراسته في المعهد العالي للفنون المسرحية، مما يمنحه نظريًا الأدوات المنهجية لفن التمثيل. وفي الوقت ذاته، تأسست جماهيريته الطاغية اعتمادًا على مقاطع ساخرة ترتكز على الإيقاع السريع والمفارقة اللفظية الخاطفة، وأنا شخصيًا شاهدت عددًا من هذه المقاطع التي أضحكني كثير منها.
بالتأكيد لا يمكن الحكم على العمل موضوعيًا من خلال حلقة أو حلقتين، ولكن في رأيي أن الرهان الحقيقي في “فخر الدلتا” يتجاوز تقييم أداء رمزي الفردي، ليصل إلى تقييم بنية العمل ذاته. والسؤال النقدي المطروح هنا يتمحور حول قدرة المخرج هادي بسيوني على تجريد رمزي من ردود أفعاله الرقمية السريعة، وصهر موهبته داخل شخصية درامية ذات أبعاد إنسانية عميقة. خصوصًا وأن التخوف الدائم ينبع من احتمالية انصياع السيناريو لإغراء تقديم الشخصية الافتراضية المضمونة إرضاءً لجمهور المراهقين المتابعين له على الإنترنت. مع التباين الشديد المتوقع على الشاشة بين الأداء المنضبط والعميق لمخضرمين مثل خالد زكي وكمال أبو رية وانتصار، والطاقة العفوية المفرطة لنجم السوشيال ميديا، وهو ما سيشكل المختبر الفعلي لهذا الفن الهجين. وسيكشف لنا هذا التباين مدى قدرة التقاليد الدرامية المصرية على تهذيب العشوائية الرقمية، ومدى نجاح الأخيرة في تسطيح عمق المشهد التليفزيوني.
السادة الأفاضل نموذجًا
الأخطر من وجهة نظري أن يطال تأثير ظاهرة الفن الهجين جوهر السرد البصري وفلسفة المونتاج. فنحن نشهد صعودًا مقلقًا لدراما “الريلز”، حيث يتعمد صناع العمل تصميم مشاهد محددة لتكون قابلة للاقتطاع والنشر المستقل على منصات التيك توك والإنستجرام. هذا التوجه يقضي تمامًا على الوحدة العضوية للعمل الفني، ويحيل السرد المتصل إلى مجموعة متناثرة من ذروات الانفعال والإيفيهات المجانية المنتزعة من سياقها.
وتجلت هذه الظاهرة بأوضح صورها في التعاطي الرقمي مع فيلم السادة الأفاضل، الذي كتبه الثلاثي مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش، وقاده إخراجيًا المتميز كريم الشناوي، وضم كتيبة استثنائية من النجوم شملت أشرف عبد الباقي، ومحمد ممدوح، ومحمد شاهين، وبيومي فؤاد، وطه دسوقي، وقدم الفيلم تشريحًا ذكيًا مغلفًا بالكوميديا السوداء لتعقيدات العلاقات العائلية والاجتماعية. ولكن بمجرد خروج الفيلم إلى الفضاء الرقمي، تعرض لعملية تشريح رقمي أراها قاسية، دون أن أنكر نجاحها في الوصول إلى هدفها.
المشاهد السينمائية في “السادة الأفاضل” -كما في أي فيلم جاد- يفترض أنها مبنية تراكميًا وتتطلب من المشاهد استيعاب الصمت والنظرات المتبادلة وتاريخ الصراع بين الشخصيات، بينما حين تم تقطيعها إلى مقاطع لا تتجاوز مدتها الستين ثانية فإن هذا الاستهلاك الرقمي يجرّدها من سياقها الإنساني والشعوري، ويحوّل الأداء التمثيلي إلى وجبات بصرية سريعة ومفرغة من المعنى، وكأنها مجرد نكات عابرة. وفي رأيي أن المتلقي المستهلك للفيلم عبر هذه الشظايا المتناثرة يفقد تمامًا فرصة التواصل الوجداني مع الرؤية العامة للعمل، ويُحرم من تذوق التصاعد الدرامي الذي رسمه الكتاب.
البحث في سيكولوجية المتلقي المعاصر
تفرض هذه التحولات ضرورة البحث في سيكولوجية المتلقي المعاصر. فبينما الدراما الحقيقية تتطلب من المشاهد حالة من الاستسلام الواعي والتأمل، رغبة في الغوص داخل عوالم موازية واختبار مشاعر إنسانية معقدة. فإن الإيقاع الرقمي يفرض حالة من السيادة الزائفة والملل السريع؛ فالأصبع مستعد دائمًا للتمرير متى غابت الإثارة اللحظية. وأرى أن رضوخ جهات الإنتاج لهذا الإيقاع اللهاث يعكس تنازلًا خطيرًا عن دور الفن كقائد وموجه للوعي المجتمعي، ويحوله إلى تابع ذليل لمؤشرات البحث ورغبات الخوارزميات الصماء.
واعتماد الأرقام الافتراضية كمعيار أوحد لتقييم الموهبة وتسكين الأدوار يمثل ظلمًا فادحًا لأجيال من الممثلين الدارسين والموهوبين الذين يفنون أعمارهم في صالات المسرح، والمفتقرين فقط لمهارة التسويق الذاتي والرقص على نغمات التيك توك.
وللموضوعية فإنني في المقابل لا أنكر أن ما أقوله ربما يكون مبالغة أو مجرد رؤية كلاسيكية ستتغير مع مرور الوقت وانتعاش هذا الفن الهجين، بحيث يستطيع صناعه الحافظ على الرؤية الفنية الشمولية للعمل حتى بعد تمزيقه وتحويله لأداة لجمع التفاعلات الافتراضية، دون أن يمثّل ذلك تدميرًا لذائقة المشاهد، وتعويدًا لعقله على الاستسهال والقفز فوق التفاصيل العميقة.
وفي رأيي –الذي أتمنى ألا يكون متطرفًا- الفن المصري يفقد بريقه ورصانته عندما تتحول استوديوهات التصوير إلى امتداد لغرف مشاهير الإنترنت المغلقة، وتتراجع قيمة الصدق الإنساني لصالح الأداء المفتعل المصمم لعدسات الهواتف المحمولة.
أعرف أن التجديد وضخ الدماء الشابة يعدان ضرورة حيوية لاستمرار أي صناعة فنية، ولكن شريطة خضوع هذا التجديد لمعايير الموهبة الحقيقية والتدريب الجاد بعيدًا عن لغة الأرقام المزيفة. الشاشة المصرية تمتلك إرثًا عظيمًا، وقوة ناعمة قادرة على تشكيل وجدان الملايين، والتفريط في هذا الإرث لصالح ظاهرة الفن الهجين سيؤدي حتمًا إلى انهيار الذائقة الفنية التي توارثناها جيلًا بعد جيل.

