قيّمت عضوة حركة التحرر الكردستانية، هيلين أوميت، في مقابلة متلفزة عُرضت على فضائية “Medya Haber “، الأحداث التي شهدتها روج آفا، مشيرةً إلى تدخّل القائد عبد الله أوجلان في إفشال المخططات ومنع اندلاع حرب أو حدوث إبادة جماعية. كما تناولت الموقف القوي وردّ الفعل الحاسم للمجتمع الكردي في روج آفا وأجزاء كردستان الأخرى، وأكدت على أهمية استمرار العملية الديمقراطية والاندماج السياسي، وضرورة إشراك جميع الأطراف، بما فيها النساء والمجتمع المدني، لضمان العيش المشترك والاستقرار.
وأوضحت هيلين أوميت أنَّهم يتابعون ما يجري في روج آفا عبر وسائل الإعلام، ويحاولون فهمه، وتابعت حديثها بالقول: “عُقِدَ في الآونة الأخيرة مؤتمر في ميونيخ، وشارك فيه مظلوم عبدي وإلهام أحمد. وقد أدلوا هناك بتصريحات كانت لافتة. من الواضح أنَّ هناك توافقاً ما في روج آفا. وقد قيّم المجتمع الكردي الهجمات الأخيرة بوصفها مؤامرة 15 شباط الثّانية وتجديداً للمؤامرة. وبالفعل كانُوا في مواجهة خطر جدي. ففي الوقت الذّي كانت فيه إدارة روج آفا وإدارة دمشق تعقدان لقاءات، طُرِحَتْ هجمات حلب على جدول الأعمال. وفي الوقت ذاته عُقِدَ اجتماع في باريس، ونُشر في وسائل الإعلام في 6 كانون الثّاني. وقد أُثيرت هذه العناوين على نطاق واسع. المهم هنا هو: من كانت الأطراف؟ من الذين حضروا اجتماع باريس؟ وعلى أي أساس، ومقابل ماذا تمَّ التّوافق؟ يجب فهم هذه المسألة جيداً.
وتابعت هيلين أوميت “إنَّ نظام الحداثة الرّأسماليّة هو نظام بلا ضمير وبلا أخلاق، نظام يجعل كلّ شيء خاضعاً للمتاجرة والمساومة. ما هي أقدس القيم؟ على سبيل المثال، المرأة في المجتمع. لكن في هذا النّظام، أكثر ما يُعرض في السّوق هو المرأة. لا يمتلك هذا النّظام معاييره أو ضوابطه الخاصة. هذه هي طبيعته. ففي روج آفا هناك مجتمع صمد 13–14 عاماً في مواجهة ظلم داعش. وقد وُجّهت ضربة لهذا الواقع.
نعم، كانت هناك مؤامرة، ويجب فهمها بهذا الشّكل. مقابل ماذا؟ لقد جرى ذلك على أساس تقاسم الأرض. من المهم فهم هذه النّقطة جيداً. فعلى سبيل المثال، ما هي حصة إسرائيل في سوريا؟ لقد كانت إسرائيل أيضاً طرفاً في اجتماع باريس. ومقابل الحصة التّي مُنِحَتْ لها، كان المطلوب مرةً أخرى دفن الكرد ومواجهتهم بالإبادة الجماعيّة. لكنَّ ذلك أُحبط بجهود القائد عبد الله أوجلان، وبمساعي قوى مختلفة وبعض الدّوائر داخل تركيا”.
وأضافت: “فيما يتعلق بالسّؤال عمّا إذا كانت تركيا موجودة في هذه العمليّة، فإجابتي ليست قاطعة. لكن يمكنني القول إنَّ تدخّل القائد عبد الله أوجلان كان مؤثراً للغاية، وقد أُحبِطت تلك المؤامرة. فقد تمَّ منع اندلاع حرب بين الشّعوب، كما تمَّ الحيلولة دون وقوع إبادة جماعيّة. وفي الواقع، لم تكن هناك سوى قوة واحدة قادرة على إيقاف ذلك، وهو القائد عبد الله أوجلان؛ ولم يكن بمقدور أيّ طرف آخر القيام بذلك. وعلى الجميع أنْ يفهم هذه الحقيقة جيداً. يُقال دائماً إنَّهُ كان يُراد إشعال حرب كرديّة–عربيّة من هناك، وربما كان ذلك ممكناً. فالقوى العالميّة، والقوى الرّأسماليّة، تتغذّى على الدّماء، وتستفيد من الحروب بين الشّعوب. وهي تبرر وجودها في المنطقة على هذا الأساس، وتواصل هيمنتها بحجة تلك الصّراعات. قد يكون هذا صحيحاً، وليس لدي اعتراض على هذا التّقييم، لكنَّني أراه غير كافٍ، لأنَّنا رأينا لاحقاً أبعاداً أخرى”.
وتابعت: “لقد برز وضع أصرّت فيه بعض الأطراف على محاولة إشعال حرب تركيّة–كرديّة من تلك الجهة، وتعميق القوميّة الكرديّة، ومهاجمة مشروع الأمّة الدّيمقراطيّة الذّي طرحه القائد عبد الله أوجلان، واستهداف خطَّ السّلام والمجتمع الدّيمقراطي لإفشاله. وقد لمسْنا هذا التّوجه. وعلى الجميع أنْ يكون على دراية بذلك. كان السّؤال الأساسي الذّي طُرح هناك هو: كيف انتفض المجتمع الكردي من جديد؟ وأنا أهنئ الجميع على ذلك. ففي أوروبا، وفي شمال كردستان، وجنوبها، وشرقها، تجلّى في روج آفا موقف وطني قوي، وتكوّنت روح وطنيّة جامعة. وأنا أحيّي هذا الموقف. ولقد كان هناك تيار قوي أراد استغلال هذا الزّخم، وهذا التّراكم، ومطلب الشّعب الكردي في الحرّيّة والوجود، وتحويل وحدته إلى قومية متشدّدة تقود إلى حرب تركيّة–كرديّة. لكنَّ القائد عبد الله أوجلان، دون شك، حال دون ذلك أيضاً”.
وأشارت هيلين أوميت إلى أنَّهُ قيل في مؤتمر ميونيخ إنَّ النّظام العالمي قد انهار، وقالت: “أيُّ نظام هو الذّي انهار؟ إنَّهُ نظام الدّولة القوميّة. لأنَّ الدّولة القوميّة، أينما وُجِدَتْ، تتحوّل تلك البقعة إلى ساحة حرب، وأينما تصل تجعلها بحراً من الدّماء. أما حلّنا، فهو الأمّة الدّيمقراطيّة، والعيش المشترك بين الشّعوب. ولذلك نحن مصرّون على هذا الحل، وعازمون على تحقيقه.”
وأوضحت عضوة حركة التّحرّر الكردستانيّة، هيلين أوميت، خلال حديثها عن مسار عمليّة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي، أنَّ النّقاشات تُجرى أحياناً لكنَّها تتمُّ بطريقةٍ خجولة ومتردّدة ومتحفّظة، مؤكّدةً أنَّ هذا يثير الكثير من الشّكوك والتّساؤلات. وقالت: “هذا يخلق مجالاً للقلق والشّكوك؛ شخصيّاً، أقول إنَّ ذلك يثير عندي القلق والتّساؤل. فهناك أمور تُقال ضمن أفكار ومبادئ، مثل: قرن تركيا، تجديد تحالف الأتراك والكرد، عدم وجود الكرد بلا أتراك، ولا أتراك بلا الكرد، تعزيز الجبهة الدّاخليّة، معالجة المشكلات المتبقيّة لتركيا، وتأثيرات أحداث الشّرق الأوسط على تركيا. وستُقال خطابات كثيرة تتسم بالرّاديكاليّة، لكنَّها ستُقابل بنقاشات مترهلة وضعيفة. وهذا يُناقض تماماً ثقل هذه الخطابات. لذا، يُمكنني القول إنَّ الإرادة السّياسيّة ضعيفةٌ في تركيا. صحيحٌ أنَّ بهجلي يُولي أهمّيّةً بالغةً للقائد آبو في خطاباته، ونحن نرى هذا مهماً للغاية، وهذا يشكّل أرضيّة للحوار والنّقاش، لكنَّها تبقى إرادة سياسيّة ضعيفة. هذه الضّعف موجود داخل السّلطة، وإذا لم يتم معالجة هذا الجانب، فهناك خوف من أنْ تُسْتَغلَّ النّقاشات داخل العمليّة السّياسيّة.”
ذكّرت هيلين أوميت بأنَّ القائد عبد الله أوجلان مُصرّ على إنجاح عمليّة الاندماج الدّيمقراطي، وأوضحت أنَّ هذه العمليّة أُطلقت تحت قيادته وتوجيهه المباشر. وقالت: “يجب أنْ تسير هذه العمليّة على أسس ديمقراطيّة واضحة، وأن يتمَّ النّقاش بكل حرّيّة. على سبيل المثال، يجب أنْ تكون قيادة تركيا منفتحة على الانتقادات، وألّا يكون الأمر مقتصراً على ما يُسمح به لهم فقط. لكلّ طرف الحقّ في التّعبير عن رأيه بلغته وبما يراه مناسباً. لكنَّ عندما يتعلق الأمر بحركة التّحرر الكردستانيّة أو بالقائد عبد الله أوجلان، يجب ألّا يتمَّ فرض رقابة ذاتيّة أو منعهم من التّعبير عن أفكارهم ومطالبهم. هذا لا يتوافق مع روح العمليّة. قبل أي شيء، يجب أنْ يشاركَ الجميع في العمليّة بما يتوافق مع روحها الدّيمقراطيّة. وإنَّني أعدّ هذا أمراً بالغ الأهمّيّة.
وأكدت: “هناك اندماج ديمقراطي مطروح على جدول أعمالنا. لا نعرف بالضّبط على ماذا تعمل اللجنة، لكنَّنا نعمل على الاندماج الدّيمقراطي. لذلك يمكنني القول: لكي نتمكن من تحقيق الاندماج الدّيمقراطي، يجب سن قوانين في تركيا. الاندماج الدّيمقراطي يحتاج إلى جمهوريّة ديمقراطيّة. ما يمكنه تحقيق ذلك، وما يجعل الاندماج الدّيمقراطي ممكناً هو ديمقراطيّة تركيا، وسن القوانين وفقاً لذلك. يجب أنْ يتمَّ النّقاش بهذا الشّكل وأنْ يظلَّ حاضراً ومطروحاً على جدول الأعمال. فالإصرار على سياسات الانصهار أو الإبادة لا يحقّق الاندماج الدّيمقراطي. انتبهوا، يُقال بشكل يومي في الإعلام التّركي: ‘انتهينا، نحن أنهينا، إرهاب، إرهابي’. لا يجوز وجود هذه النبرة وهذا التّقييم”.
إذا قلت كلَّ يوم ‘انتهينا، نحن أنهينا’، وإذا كرَّرْتَها لنفسك، فإنَّك بذلك تريد القضاء عليهم، وإفنائهم، وتدميرهم، وصهرهم. لهذا يجب التّخلي عن هذه اللغة تجنبها.”
وأشارت هيلين أوميت إلى وجود فراغ ديمقراطي في تركيا، قائلة: “هناك فراغ على الصّعيد الدّيمقراطي. مجال السّياسة الدّيمقراطيّة فارغ. كما نقول، عند تأسيس الجمهوريّة، تمَّ استبعاد الكرد، واستُبعد المسلمون، واستُبعد الاشتراكيون. كما تمَّ استبعاد اليساريين أيضاً في تركيا. نحن مستعدّون لأن نكون الجناح اليساري في تركيا. يمكننا إنشاء الجناح اليساري الدّيمقراطي لجمهوريّة تركيا. نحن مصمّمون على هذا الأمر؛ لدينا معرفتنا المتراكمة. فهذا الأمر سيمكّن تركيا من تحقيق قفزة كبيرة إلى الأمام. سيحقق هذا لتركيا تقدماً كبيراً. وبهذه الطّريقة سيتمُّ التّوصّل إلى حلّ لجميع القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة في تركيا وجميع قضاياها الأخرى. لقد أوصلت النّزعة الأحادية واليمينيّة والقوميّة تركيا إلى نقطة لا يمكن التّعرف عليها. إذ جردت المجتمع التّركي من هويته التّركيّة. أنا أعرف المجتمع التّركي. لم يكن الشّعب التّركي هكذا. لقد جعلوا شعب تركيا غير معروف. لقد قطعوا صلته بقيمه”.
وتابعت هيلين أوميت، عضوة حركة التّحرّر، حديثها بالقول إنَّهم دخلوا أجواء 8 آذار، وأضافت: “بهذه المناسبة، أهنئكن مقدماً بعيد 8 آذار. وأدعو جميع النّساء إلى خوض النّضال ضدَّ العقليّة القاتلة والطبقية. يجب أنْ تكون النّساء في السّاحات، ويخضْنَ النّضال. بالطبع، لا يقتصر الأمر على النّزول إلى السّاحات وتنظيم الفعّاليّات في 8 آذار. فنحن لدينا مشكلات جوهريّة، كنساء، نواجه العديد من المشكلات الجادة والهجمات الجادة والمخاطر. يجب أنْ نفهم ذلك ونحلّه.
لا يوجد كائن حيّ في العالم محكوم عليه بحياة شاقة ومرهقة مثل حياة المرأة. وأنا أقول ”كائن حي“ وليس الإنسان فقط. فقد اعتبرت حياة المرأة هي الأكثر إرهاقاً. فبسبب النّظام العالمي القائم، تمَّ بناء نظام الهيمنة الذّكوريّة على أساس استعباد النّساء. إنَّ نظام الملكيّة الذّي حُكم على النّساء به هو أساس الحضارة الحاليّة. لو لم تكن النّساء جزءاً من هذا النّظام، أو أداة للاستغلال، لما استمرَّ هذا النّظام. ومثلما تمَّ الاستيلاء على النّساء وجميع القيم التي أوجدنها قبل 30 ألف عام، فإن العقليّة القاتلة والطبقيّة نفسها تواصل هجومها اليوم بعقليّة الإبادة الجماعيّة”.
وأشارت هيلين أوميت إلى أنَّ النّساء ليس لديهن ما يخسرنه، وواصلت حديثها قائلةً: “نحن نتعرض للعنف والقمع. لو لم يكن هذا العنف ضرورياًّ من أجل حريّة المرأة، وميلها نحو حريّة المرأة، وتواصلها الاجتماعي، لكان قد أدَّى إلى خلق نظام مختلف، وإقامة نظام حضارة مختلفة، وخلق حداثة مختلفة. لكن انتبهوا، مع الفاشيّة اليوميّة ضدَّ النّساء، ومع الإبادة الجماعيّة للنّساء، فإنَّهم يجعلوننا جزءاً من هذه العمليّة. لهذا السّبب، كنساء، نحن بحاجة أكبر إلى الوعي والتّنظيم والالتقاء معاً والنّقاش”.
وذكرت هيلين أوميت أنَّه في تركيا، داخل المجتمع التّركي، إذا أرادت النّساء المثقفات والنّسويات والدّاعيات للسلام، ويردْنَ أن يلعبْنَ دوراً، فيجب عليهن المشاركة بشكل أكثر نشاطاً في عمليّة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي، وتبنيّها.
وأضافت هيلين أوميت: “إنَّ الأيديولوجيّة وخط حريّة المرأة الذّي طرحته حركة التّحرّر الكردستانيّة، والقائد عبد الله أوجلان، قد خلق بشكل عام وعياً جاداً للغاية داخل المجتمع. أنا لا أقول إنَّها كانت حريّة. الحريّة شيء مختلف. إنَّها شيء يحتاج إلى مناقشة على مستوى مختلف. لكنَّها خلقت وعياً مهماً بين النّساء والرّجال. على سبيل المثال، يخرج في كردستان عدد من الرّجال بقدر عدد النّساء إلى الشّوارع تحت شعار ’ المرأة، الحياة، الحريّة‘”.
(م ح)

