في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع انعقاد الاجتماع الأول لـ” مجلس السلام”، انتقلت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من إطار الإعلان السياسي إلى حيز التفعيل المؤسسي، وسط تعهدات مالية وخطط أمنية وإدارية لإدارة قطاع غزة، في خطوة يراها مؤيدوها مسارا متدرجا نحو الاستقرار، في حين يحذر منتقدوها من فجوة واسعة بين الوعود والواقع.
وخلال الاجتماع، أكد الرئيس الأمريكي التزام بلاده والمجتمع الدولي بجعل غزة “مكانا أفضل” وتحسين منظومة الحكم فيها، معلنا تخصيص 10 مليارات دولار لقطاع غزة عبر مجلس السلام.
وفي هذا السياق، اعتبر تيم كونستانتين، نائب رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست، أن جوهر الاجتماع تمثل في جمع قادة من مستويات مختلفة -رؤساء وملوك ووزراء خارجية- حول خطة من 20 بندا، بدأت قبل 6 أشهر، وتشهد تقدما، وفق قوله.
وأكد كونستانتين -خلال حديثه للجزيرة- أن الأولوية المعلنة هي أمن أهالي غزة، ووقف القتال، والانسحاب الإسرائيلي، ثم إعادة الإعمار، معتبرا أن التركيز يجب أن ينصب على تنفيذ الخطة بدل التشكيك المبكر فيها.
كما رأى أن إشراك أطراف إقليمية، بينها دول عربية، يعكس رغبة في سلام مستدام، مشيرا إلى أن المسار المطروح يعتمد أدوات دبلوماسية لا عسكرية لنزع السلاح، وأن نجاحه مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز الحواجز السياسية.
إسرائيل بين التأثير والتعطيل
في المقابل، قدم الخبير بالشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى قراءة مركبة للموقف الإسرائيلي، لافتا إلى أن “تدويل” ملف غزة لا يخدم الأجندة الإسرائيلية بالكامل، لكنه في الوقت ذاته ينسجم مع طرح تل أبيب بشأن ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح.
لكن مصطفى -خلال حديثه للجزيرة- شدد على أن غياب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الاجتماع، والاكتفاء بمشاركة إسرائيلية أقل، يعكس رغبة تل أبيب في إبقاء موقفها ضبابيا وعدم الالتزام العلني بمخرجات قد تقيد هامش تحركها، خصوصا في ما يتعلق بالانسحاب من القطاع، الذي تحتل إسرائيل نحو 58% من مساحته.
ورأى أن إسرائيل لا تزال تراهن على خيار عسكري لنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، وتتعامل بتحفظ مع فكرة نشر قوة استقرار دولية، بل إن استمرار عملياتها العسكرية قد يهدف -جزئيا- إلى تقويض فرص انتشار تلك القوة، التي تشترط عدة دول مشاركة فيها استدامة وقف إطلاق النار.
وعود بلا ترجمة؟
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة أن الحديث عن “منعطف” سابق لأوانه، مؤكدا أن الوعود المالية والأمنية لم تُترجم ميدانيا حتى الآن، في ظل استمرار توصيف غزة كأزمة إنسانية وأمنية، دون سقف سياسي واضح يعالج جوهر القضية المرتبط بالاحتلال وحق تقرير المصير.
أما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فرأى أن الأولوية بالنسبة لسكان غزة تبقى إنسانية وإغاثية، في ظل استمرار القتل اليومي، واستمرار فرض وقائع جديدة على الأرض.
ووفق عفيفة، فإن الفجوة لا تزال كبيرة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، وأن أي تفاؤل مشروط بوقف الانتهاكات وبدء تنفيذ عملي بعيدا عن الاشتراطات الإسرائيلية.
مسار بديل للأمم المتحدة
من جهته، وضع الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بلال سلايمة الاجتماع في سياق أوسع بدأ بإعلان خطة ترمب وصدور قرار مجلس الأمن 2803، الذي خوّل المجلس صلاحيات تنفيذية، معتبرا أن ما جرى يمثل حلقة في مسار مؤسسي متكامل شمل تشكيل مجلس تنفيذي وهيئة لإدارة غزة وقوة دعم للاستقرار.
لكن سلايمة أشار إلى محدودية المشاركة الدولية، خاصة غياب القوى الأوروبية الكبرى، مرجحا أن يكون ذلك مرتبطا بمخاوف من تحول المجلس إلى إطار موازٍ أو منافس للأمم المتحدة، في ظل توجه أمريكي لإعادة تشكيل منظومة الحوكمة الدولية.
أولويات متباينة
أما أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات فاعتبر أن الأولوية الفعلية للمجلس لا تتمثل في غزة بقدر ما ترتبط بأجندات الأطراف المشاركة، لافتا إلى الطابع اليميني الغالب على الدول الحاضرة، وإلى أن جزءا من التعهدات المالية مخصص لميزانية المجلس نفسه، لا لبرامج إعادة الإعمار مباشرة.
وبين التفاؤل الحذر والدعوات إلى التريث، يبدو أن الاجتماع الأول لمجلس السلام -وفق تقديرات المحللين- قد دشّن مسارا سياسيا جديدا، لكنه لم يحسم بعد قدرة هذا المسار على تجاوز تعقيدات الاحتلال، والتوازنات الإقليمية، وشروط التنفيذ على الأرض.
وكان ترمب قد أعلن في 16 يناير/كانون الثاني الماضي تشكيل “مجلس السلام” الذي يتزعمه، وذلك بناء على خطته المعلنة لإيقاف الحرب على غزة، والتي تبنّاها لاحقا مجلس الأمن الدولي بالقرار رقم 2803 الذي صدر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والمتعلق بترتيبات ما بعد وقف الحرب.
ومن المفترض أن يشرف مجلس السلام على إدارة المرحلة الانتقالية في غزة وتنسيق جهود إعادة الإعمار والمساعدات الدولية، وتوفير الدعم المالي الخاص بها، والمساهمة في ترتيبات أمنية انتقالية ونشر قوة استقرار دولية داخل قطاع غزة، مع دعم مسار سياسي أوسع للسلام في المنطقة.

