وهكذا، كانت الفنون الصخرية أول عملية تسجيل ثقافي لفترة ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، وتُعد واحدة من الشواهد الثقافية والفنية التي تسجل البيئة والمعتقدات البشرية القديمة، عبر استحضار مجموعة من الأشكال الآدمية والحيوانية وتمثيلها على الواجهات الصخرية، لتترك لنا كثيرًا من الأدوات الأثرية التي تمثل كنزًا حضاريًا يشير إلى مدى التقدم والإبداع الذي رافق إنشاء هذه الرسومات.
وتزخر شبه الجزيرة العربية بكثير من الفنون الصخرية التي تستحضر الحيوانات على الواجهات الصخرية، ولا سيما في السعودية، وتحمل كمًا هائلاً من الإرث الثقافي والتاريخي والحضاري. وتتنوع الفنون الصخرية فيها من حيث المواضيع والأشكال وأساليب التنفيذ، مما جعل السعودية من أغنى المتاحف الطبيعية في العالم بهذه الفنون التي ما زالت تحافظ على مظهرها الأصلي رغم مرور آلاف السنين.
أشهر المواقع
تنتشر آلاف المواقع للفنون الصخرية في جميع أنحاء السعودية، الغنية بتراثها الثقافي. يمكن إرجاع هذا الفن إلى جماعات ما قبل التاريخ، ثم إلى البدو الرحل الذين كانوا يتجولون في صحاري شبه الجزيرة العربية، وتُظهر بعض العناصر الثقافية التي يعكسها الفن الصخري استمرارية للأنشطة الثقافية التقليدية القديمة من عصور غير محددة.
وتشمل المواقع الأثرية البارزة في ما يلي:
1- منطقة حائل (موقعا جبة والشويمس): تُعد من أشهر المواقع ومصنفة كموقع تراث عالمي لليونسكو.
2- منطقة حمى الثقافية (نجران): موقع أثري يزخر بالنقوش والرسوم الصخرية التي تعود إلى العصرين الحجري القديم والحديث، وتعد موقعًا آخر مسجلاً كتراث عالمي لليونسكو، وهي غنية بالنقوش التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.
3- منطقة تبوك: تضم عددا من المواقع التي تحتوي على رسومات صخرية، لا سيما رسومات للخيل العربي.
4- جبل خنوقة (الدوادمي): يقع على بُعد حوالي 70 كلم من الدوادمي، ويحتوي على كهف أثري واجهته مزينة ببعض الرسوم والنقوش.
5- قرية الفاو (جنوب الرياض): موقع أثري هام يضم نقوشًا صخرية.
إضافة إلى عدد من المواقع الأخرى.
منطقة حائل
تُعدّ جبة والشويمس من أهم وأكبر المواقع الأثرية في منطقة حائل بالسعودية، وهي من أكبر مواقع الرسوم الصخرية في المنطقة العربية، حيث يعود تاريخها إلى ما يزيد عن 10 آلاف سنة قبل الميلاد.
وقد أُدرج الموقعان ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2015، ليصبحا رابع المواقع الأثرية السعودية التي تنال هذا التصنيف.
تقع جبة على بعد 60 كم من حائل، بينما تبعد الشويمس 270 كم عنها. وتشتهر هذه المواقع بانتشار الرسوم الصخرية على واجهات الجبال، وتضم أشكالًا متنوعة من الرسوم الآدمية والحيوانية التي يعود أقدمها إلى فترة ما قبل التاريخ، وتتوزع تواريخ النقوش على عصور زمنية مختلفة.
تتميز الفنون الصخرية في موقعي جبة والشويمس في حائل بقِدمها مقارنة بمنطقة حمى الثقافية في نجران؛ إذ تعود أقدم النقوش في حائل إلى ما قبل التاريخ (العصر الحجري الحديث)، أي قبل 10.000 سنة، بينما يعود تاريخ النقوش في حمى إلى الألف السابع قبل الميلاد، مما يشير إلى استمرار النشاط الثقافي فيها على مدى 7 آلاف عام.
اعتمد الإنسان في منطقة حائل، الواقعة شمالي هضبة نجد في السعودية، على الصيد وجمع الطعام من مصادر متنوعة منذ ما قبل 10 آلاف عام. وقد سجّل هذا الإنسان أنشطته اليومية كالصيد والقتال، وغيرها، عبر نقشها أو رسمها بالألوان على سفوح الجبال والهضاب والصخور، وتنتشر هذه الآثار في أرجاء الجزيرة، مُصوّرةً الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان على أرض المملكة حاليًا.
تنوع الأنماط
يتميز الفن الصخري في منطقة حائل بتنوع كبير في الأنماط، ليشمل الأشكال البشرية والحيوانية والزخارف الهندسية وغيرها. وقد عكس هذا التنوع الاختلافات في طبقات العُتق، والتداخل، والتراكب، وكذلك العلاقة مع العناصر الثقافية الموجودة في المواقع الصخرية أو بالقرب منها.
وقد مكّن هذا الأمر الباحثين من وضع تسلسل زمني أولي نسبي للفن الصخري في حائل، مقسّمًا إلى 4 عصور زمنية مختلفة، وهي كالتالي:
1ـ فنون العصر الحجري الحديث:
تغطي هذه الفترة من العصر الحجري الحديث الممتد من 12000 إلى 7000 سنة مضت. كانت تتميز هذه الفنون بتصاوير آدمية وحيوانية منقوشة بأسلوبي البارز والغائر، وتأتي بحجمها الطبيعي وبدقة وإتقان في تفاصيل الأجسام، وهي سمات نادرة الوجود في مكتشفات أخرى على مستوى شبه الجزيرة العربية، بينما يلاحظ أن تقاسيم الوجه غير واضحة.
2ـ فنون العصر النحاسي:
تغطي هذه المرحلة الفترة الممتدة من 6500 إلى 4500 سنة مضت، وشهد الفن الصخري تغييرًا في المحتوى والأسلوب؛ إذ صغرت أحجام التصاوير الآدمية والحيوانية وأصبحت تخطيطية الشكل. كما أصبحت وجوه الحيوانات مخروطية أو مثلثة الشكل بدلًا من أن تكون خرطومية كما كانت في العصر الحجري الحديث، مع بقاء أحجام القرون كبيرة دون تغيير.
واشتملت نقوش هذا العصر على صور الغزال، والريم، والماعز، والزواحف.
3ـ فنون العصر البرونزي:
تغطي هذه المرحلة الفترة الممتدة من 4500 إلى 2500 سنة مضت، وتتميز بظهور تطور في الرسومات الصخرية من حيث الدقة والمواضيع. فقد أصبحت الرسومات تخطيطية وأغلبها ذو خطوط عريضة، وتضمنت صورًا آدمية وحيوانية مزينة بالنقوش. ظهرت لأول مرة التصاوير الآدمية والحيوانية على شكل عيدان نحيفة، كما نلاحظ آثار أقدام بشرية وكفيّن بجانب رسومات للإبل والريم والأسود والكلاب والذئاب والغزلان.
4ـ فنون العصر الحديدي:
تُشير هذه الفترة إلى الحقبة التي سبقت استخدام الكتابة في شبه الجزيرة العربية، وتغطي الفترة الممتدة من 2500 إلى 1500 سنة مضت. وقد تميز فن هذه المرحلة برسومات آدمية وحيوانية مرسومة على هيئة أشكال نحيفة، تخللتها رموز وزخارف هندسية حلت محل الفن الطبيعي التخطيطي السابق.
عندما تحول مناخ الجزيرة العربية من بارد ورطب (في العصر الحجري الحديث) إلى جاف وشديد الحرارة (في العصر البرونزي، حوالي 4600 سنة قبل الميلاد)، اختفت بعض العناصر الفنية الصخرية تدريجيًا، مثل الأبقار، ليحل محلها الإبل التي كانت قد دُجّنت على نطاق واسع. ونتيجة لذلك، أصبحت صور الإبل بارزة ومنتشرة على الواجهات الصخرية.
منطقة الجبة
تقع جَبّة في صحراء النفود شمال السعودية، وتغطي مساحة تبلغ 68.000 كم²، ممتدة بين 200 و400 كم من الشرق إلى الغرب، و125 إلى 250 كم من الشمال إلى الجنوب. تميز فنانو جَبّة بمهارات عالية، حيث امتلكوا القدرة على تصوير جوانب حياتهم الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية بأسلوب فني متميز، على عكس الرسوم الصخرية المنتشرة في أجزاء أخرى من الجزيرة العربية التي لم ترقَ إلى مستوى المهارات الفنية ذاته.
كانت المنطقة المحيطة بجبل أم سنمان في جَبّة تضم بحيرة قديمة اندثرت الآن، وشكّلت مصدرًا للمياه العذبة للإنسان والحيوان في الجزء الجنوبي من صحراء النفود الكبرى.
وقد خلّف أسلاف السكان العرب الحاليين آثار رحلاتهم في نقوش صخرية عدة على واجهات الجبال؛ إذ عُثر في جَبّة على رسوم صخرية لرجال ونساء يحملون أقواسًا تُستخدم للصيد.
كما عُثر في الجبة على منظر لرجلين في حالة قتال بالسهام والأقواس.
وأيضًا منظرًا لرجال يحملون رماحًا.
ويوجد في الجبة شكل بشري برأس طائر، ويمسك في يديه أداة غير معروفة:
كما يشاهد فيها، منظر لملك على شكل بشري ضخم كأنه يلبس تاجًا ومعه أدوات صيد أو قتال:
وهناك كذلك منظر لسيدات سبع، 6 منهن في اتجاه واحد والسابعة مقابلة لهن، وتمسك 3 منهن بأقواس وكأنهن جميعًا يقمن برقصة دينية.
الشويمس
يمثل جبلا المنجور وراطة في الشويمس جرفًا صخريًا يطل على وادٍ غطته الرمال حاليًا، ويُعزى عدد كبير من النقوش الصخرية إلى تاريخ بشري يمتد لحوالي 10.000 عام في هذا الوادي الذي كان يتدفق فيه الماء.
في أحد مواقع الشويمس، نرى صيادًا يحمل قوسًا وسهمًا، ويرافقه مجموعة من الكلاب السلوقية.
يُعدّ الكلب من أوائل الحيوانات التي استأنسها الإنسان، وذلك لدوره في مساعدته على مطاردة الحيوانات وصيدها.
كما نشاهد رسوما صخرية في منطقة الشويمس الشرقية يظهر فيها الجمل.
نظام حمائي
في إطار توجيهات الإرادة الملكية السامية ورؤية السعودية 2030، توفر الحكومة والمؤسسات الرسمية والبلدية حماية للمواقع الأثرية، وذلك عبر نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني الذي أقره مجلس الوزراء بقراره رقم م/3 بتاريخ 1/9/1436 للهجرة 18 /6 /2015، والذي يخصص موارد كبيرة لحماية مكونات هذه المواقع.
كما وُضعت خطط طموحة طويلة الأمد للتطوير والحماية، ترافقها خطط سياحية إقليمية ومحلية تهدف إلى تحسين البنية التحتية للزوار وتأهيل هذه المواقع سياحيًا لتكون جاهزة لاستقبالهم.

