في مشهد الموضة السريع وتنافس الأصوات، تبرز وعد العقيلي كاسم يختار الهدوء طريقاً، والدقة لغةً، والنية أساساً لكل تصميم. مصمّمة سعودية لا تتعامل مع الأزياء كمنتَج بصري عابر، بل كنظام فكري متكامل تُنسَج فيه العاطفة بالهيكل، والتراث بالمعاصرة، والحِرفة بالزمن.
من خلال أعمالها، تعيد وعد تعريف الكوتور السعودي بصفته ممارسة واعية تتجاوز الزخرفة، وتحتفي بالانضباط، الصبر، والاقتصاد في التعبير. حضور التراث في تصاميمها لا يُعلَن، بل يُحسّ في النِّسب والحركة وتوازن القطعة، حيث تتحول الذاكرة الثقافية إلى لغة معمارية معاصرة.
في هذا اللقاء، تفتح وعد العقيلي نافذة على عالمها الإبداعي، فتتحدث عن البدايات، فلسفة التصميم، علاقتها بالإرث السعودي، وتحديات بناء دار كوتور تحافظ على نزاهتها في صناعة سريعة الإيقاع، مؤكدةً أن التصميم الحقيقي هو ذاك الذي يُبنى ليصمد… لا ليُستهلك.
من مجموعة تصاميم وعد العقيلي
– لكل مصمّم بداية تحدّد مساره، ما الذي ألهمك لمتابعة تصميم الأزياء، وكيف شكّلت تجاربك المبكرة المصمِّمة التي أصبحتِ عليها اليوم؟
قراري متابعة تصميم الأزياء تشكّل مع الوقت، ولم يكن وليد اللحظة. منذ الصغر، ومع انخراطي في الفنون البصرية مثل الرسم، انجذبتُ إلى القماش والألوان كأدوات للتعبير. ما بدأ كفضول تحول تدريجاً إلى وعي أعمق بأن التصميم هو لغة قادرة على نقل العاطفة والهوية والنيّة. تجربتي المبكرة عرّفتني على واقع الإبداع، الانضباط المطلوب، الصبر في العملية، والمسؤولية في تحويل الفكرة إلى شيء دقيق ودائم.
ومع الوقت، لم تعُد الموضة المجال الذي انجذبت إليه، بل أصبحت الوسيلة التي أستطيع من خلالها الإسهام بوعي وهدف. هذه التجارب التأسيسية لا تزال ترشدني اليوم كمصمّمة تركز على الوضوح، الالتزام بالحِرفة، وبناء عمل طويل الأمد بدلاً من التعبير اللحظي.
– يُوصف عملك غالباً بأنه معماري، عاطفي وعميق النية. كيف تصفين فلسفة تصميمك، وما القيم التي ترشدك عند ابتكار مجموعة؟
فلسفة تصميمي قائمة على النية، فكل مجموعة تبدأ بشعور، لكن مسؤوليتي كمصمّمة هي تحويل هذا الشعور إلى هيكل. العاطفة تحدّد الاتجاه، والانضباط يعطيه الشكل. لا أبدأ المجموعات من القماش، بل من فكرة، من رسالة تعيد تشكيل الجمال كقيمة إنسانية، تُحمَل عبر المعنى، الحِرفة، والتنفيذ بدلاً من التعبير السطحي.
ما يميز عملي كمعماري ليس الجمود، بل السيطرة على النِّسب، الحركة، التراكيب الزمنية، والطبقات. القيم التي ترشد عملي هي الوضوح، الحِرفة والمسؤولية. الثقافة والرمزية لا تُضافان زُخرفياً، بل تُترجَمان من خلال التقنية لإبراز المعنى في التنفيذ.
بالنسبة إليّ، الكوتور هو التزام. كل مجموعة تُبنى كنظام متكامل، وليس كلحظة عابرة، بهدف خلق عمل يحمل عمقاً عاطفياً، تكاملاً هيكلياً، وأهمية تتجاوز زمنه.

تصاميم وعد العقيلي أناقة عصرية لا تُضاهى
– مجموعتك الأخيرة لاقت اهتماماً كبيراً، ما نقطة البداية وما الأفكار أو السرديات الأساسية التي أردتِ التعبير عنها هذا الموسم؟
نقطة البداية لمجموعة Yamal كانت الإيقاع… انجذبت إلى إيقاع البحر والحركة الجماعية التي شكّلت المجتمعات الساحلية السعودية، خصوصاً في عصر الغوص لجمع اللؤلؤ، حيث كان الصبر والوحدة والتحمّل تحدّد الحياة اليومية. في قلب Yamal صوت النهام، الذين لم تكن ترانيمهم موسيقى، بل لغة عمل، إيقاعاً ينسّق الجهد، يحمل العزم، ويقوّي الروح لساعات طويلة في البحر. ومع الوقت، أصبح هذا الإيقاع رمزاً للاتصال، الصمود، والهدف المشترك.
السرد الذي أردتُ التعبير عنه هذا الموسم هو التحوّل عبر الصبر. تتتبّع Yamal رحلة الغوّاص، الهبوط إلى العمق ثم العودة إلى الضوء، عاكسةً كيف تتشكّل القوة بصمت، عبر التكرار والثقة. هذه المجموعات ليست مخرجات موسمية، بل فصول تكتمل بالنمو والفهم الذاتي.
المجموعة لا تُعيد إحياء التراث؛ بل تمتد به، لتسمح للذاكرة والحِرفة بالتقدّم بعدسة معاصرة. أهميتها تكمن بالاقتصاد في التعبير، الكلام المقتضب، تكريم التاريخ بلا تقليد، وترجمة الإيقاع الثقافي الحي إلى شكل، حركة ومواد.
– التراث السعودي يلعب دوراً قوياً لكنه خفي في تصاميمك. كيف تترجمين الإشارات الثقافية للكوتور الحديث بدون أن تبدو حرفية أو نوستالجية؟
يدخل التراث السعودي عملي بهدوء، عبر الذكاء وليس الصورة. لا أتعامل مع الثقافة كشيء يُقتبس أو يُعاد إنتاجه، بل كنظام معرفة شكّله الزمن، الوظيفة والانضباط. أدرس كيف شُيّدت هذه الرموز، كيف استجابت للحركة، وكيف صمدت. نسج النخيل يصبح منطقاً للتكرار والتوتر. الصباغة الطبيعية تصبح فهماً للنغمة والشيخوخة. الممارسات البحرية تصبح إيقاعاً، طبقات، وسيولة مضبوطة. هذه العناصر تُمتص في هيكل القطعة، لا تُلصق على سطحها. هكذا يتجنّب العمل الحرفية أو النوستالجيا. المرجع لا يُعلَن، بل يُحسّ في النِّسب والتوازن وانضباط الحِرفة. التراث ليس للنظر إلى الماضي، بل لحمله الى الأمام، مصقولاً وحيوياً في الكوتور المعاصر.
– الكثير من المشهورات اخترن تصاميمك في مناسبات عالمية. كيف تتعاملين مع إطلالات نساء بارزات مع الحفاظ على هويتك الإبداعية؟
عند العمل مع نساء في مناسبات عالمية، يبدأ نهجي بالوضوح. لا أرى الظهور كشيء يغيّر عملي، بل كسياق يجب أن يبقى العمل فيه كاملاً. أختار نساء يتوافق حضورهنّ طبيعياً مع لغة الدار وقيمها. الاختيار ليس عن اللحظة فقط، بل عن توافق المرأة والعمل معاً بصدق وتوازن. التصميم لا يُعاد تشكيله ليتناسب مع الظهور، بل يُصقل لدعم المرأة من دون المساس بهويته. كما أن الحفاظ على النزاهة الإبداعية يعني تطبيق نفس معايير البناء، النِّسب، والنية بغض النظر عن الجمهور أو المنصّة.
– كمصمّمة سعودية، ماذا تعني لكِ رؤية تصاميمك على منصات عالمية والسجاد الأحمر؟
رؤية تصاميمي على منصات عالمية والسجاد الأحمر تحمل شعوراً بالمسؤولية قبل أي شيء آخر. هذه المساحات تسمح بقراءة العمل خارج سياقه المحلي، مع وضع النية وجودة التنفيذ في المقدّمة. عندما ترتدي المرأة قطعةً تتوافق معها، بالشخصية والحضور والقيم، لا تبقى هذه القطعة جامدة بل تنبض بالحياة. العمل شخصي، لكنه لا يقتصر على تجربتي؛ يبدأ من حالة عاطفية تعترف بها نساء كثيرات ويصبح مشتركاً عبر الحِرفة. الحضور العالمي ليس هدفاً بحد ذاته، بل نتيجة للتماسك، ويُظهر كيف يمكن ما يُصنع محلياً بأمانة ودقة أن يُفهَم عالمياً بدون التفريط في أصله.
– في يوم التأسيس، ما الرسالة التي تأملين أن تنقلها تصاميمك عن الإبداع والحِرفة والجيل الجديد من المصمّمين؟
آمل أن يعكس عملي إبداعاً تشكّله الممارسة والمعرفة. الإبداع السعودي تطور عبر علاقة وثيقة بالمادة، البيئة، وفعل البناء نفسه حيث إن الحِرفة ليست خياراً جمالياً، بل فهم متراكم. الحِرفة تمثل الاستمرارية، معرفة تتشكّل بالتكرار والصبر واحترام المادة، وتصبح مرئية في كيفية بناء القطع وصقلها ونقلها الى الأمام. هذا النهج يواصل تشكيل التصميم السعودي المعاصر، مانحاً إياه عمقاً وتوازناً وإحساساً هادئاً بالثقة. ما يبرز اليوم هو الوضوح بين جيل المصمّمين السعوديين الجديد، إحساس متنامٍ بالملكية، الوعي بالسياق، والالتزام بتطوير الأفكار عن قصد.
– صناعة الموضة تتطور باستمرار. ما التحديات التي شكّلتك أكثر حتى الآن، وكيف أثّرت في نموك كمصمّمة وسيدة أعمال؟
أحد أكبر التحديات كان الحفاظ على نزاهة وجودة الكوتور في صناعة تتسارع بوتيرة متزايدة. الكوتور الحقيقي يحتاج الى الوقت والدقة والانضباط، وتعلّم حماية هذه القيم تحت الضغط كان أساسياً. أتعامل مع ذلك بتقليل الخيارات بدلاً من توسيعها. أعود إلى الهيكل الأساسي للقطعة، أوضح الأولويات، وأتخذ قرارات حاسمة تحافظ على المفهوم والتنفيذ. هذا الانضباط يساعد في تركيز العمل ومواءمته مع معايير الدار. واجهتُ تحدّياً آخر مهماً، هو موازنة الملكية الإبداعية مع المسؤولية التجارية. بناء هياكل واضحة والتخطيط طويل الأمد شكّلا أساس عملي في التصميم ونهجي القيادي، مما ساهم في تعزيز الدقة لدي كمصمّمة والوضوح كسيدة أعمال.
– كيف ترين تطوّر وعد العقيلي خلال السنوات المقبلة؟
أرى وعد العقيلي تتطور من خلال عملية واضحة ومتعمّدة من الترسيم والتقوية، بجانب التركيز على صقل لغة التصميم وتعزيز الحرفة، مما يسمح للعمل بالاستمرار في النمو بشكل متناسق. أي نمو إبداعي أو جغرافي سيظهر كنتيجة للجاهزية، وليس هدفاً بحد ذاته. عندما يكون العمل دقيقاً في لغته وواثقاً في بنائه، يمكن فهمه خارج سياقه الأصلي بدون تعديل. هكذا أعرّف التقدّم: بناء كوتور يستطيع الصمود مع مرور الوقت ضمن أرشيف الدار وفي العالم موجّهاً بالثبات، النية والنزاهة.
شارك

