إن المجتمع الإماراتي مجتمع خير وبذل وسخاء، تتجذر فيه قيم العطاء، هذه القيم التي تمثل ركيزة أساسية في تكوين شخصيته الوطنية، وسجية متأصلة تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، واليوم ونحن نستشرف مواسم الطاعات والنفحات الإيمانية في شهر رمضان تزداد النفوس رغبة في التقرب إلى الله بالصدقات والإحسان، وتتسابق الأيادي لمد يد العون لكل محتاج، فتتجلى في هذا الشهر الفضيل صور التكافل والتراحم في أبهى حللها.
وإن العطاء وإن كان في حقيقته عبادة جليلة، وسلوكاً حضارياً رفيعاً، وأثراً مجتمعياً مستداماً؛ فإن سمو هذا المقصد الرفيع يستوجب سلامة الوسيلة، وإن نبل الغاية يقتضي دقة المسلك في العطاء والإنفاق، ليبقى العمل الإنساني في دولتنا العزيزة واحة غناء، يستظل بظلها المحتاجون بحق، ويقطف ثمارها المتصدقون، فيضعون أموالهم الزكوية وصدقاتهم في مواضعها الصحيحة عبر الوسائل الآمنة الموثوقة.
وقد شهدت الآونة الأخيرة وبالأخص مع الطفرة التقنية الهائلة انتشاراً واسعاً لدعوات جمع الأموال عبر فضاءات التواصل الاجتماعي، وظهور حسابات وروابط تحاول استدرار عواطف الناس برسائل مؤثرة ونداءات عاجلة، تطلب منهم العون المادي وتدعي الفاقة والحاجة، ومنهم المحتالون والمشبوهون وغيرهم.
وإن التبرع عبر هذه القنوات غير المرخصة ينطوي على محاذير جمة ومخاطر كبيرة، فإن الحملات المجهولة المصدر والحسابات الشخصية تعمل بعيداً عن الرقابة، مما يجعلها أرضاً خصبة للاحتيال، ومرتعاً للدخلاء والمتاجرين بالقيم، ومساراً معرضاً لسوء الاستغلال، وطريقاً لحرمان المحتاجين الحقيقيين من حقهم في أموال المحسنين، وضياعاً لجهود المتبرعين، فتذهب تبرعاتهم في مسارات أو جهات غير معلومة، وقد يوقعهم ذلك في حرج قانوني أو شرعي، ولذلك فإن من واجب المتبرع أن يكون على حذر شديد من أي قنوات تبرع غير رسمية، فالتحقق واجب وطني وشرعي، والالتزام بالقانون صون للمتبرع والمجتمع.
وعندما يكون التبرع آمناً واعياً فإنه يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الأموال، وإنفاقها في وجوهها الصحيحة، ويصون حقوق المحتاجين، ويسد الطريق أمام المتاجرين والمحتالين، ويعزز أواصر الثقة المجتمعية، ويحفز المحسنين على الاستزادة من أبواب الخير، ويزيد من التلاحم والمتراحم بين أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق الوطني المتكامل تبرز جهود وزارة تمكين المجتمع بما تضطلع به من دور ريادي، يهدف إلى ترسيخ ثقافة التبرع الآمن، وتأطير العمل الخيري بمنظومة احترافية تضمن الشفافية والنزاهة، إلى جانب نشر الرسائل التوعوية، وتقديم الإرشادات عبر المنصات الإعلامية والرقمية، وتوضيح القنوات الرسمية المعتمدة، مما يسهم في تنظيم التبرعات، وتعظيم أثرها، ويمنع استغلال هذا الباب الجليل في مآرب تخالف الشرع والقانون أو تضر بمصلحة الوطن.
ولا يقتصر غرس ثقافة التبرع الواعي الآمن على المؤسسات فحسب، بل هو دور تشاركي تكاملي ينهض به الأفراد قبل غيرهم، بالتسابق في وجوه الإحسان وأبواب البر والصدقات عبر القنوات الرسمية الموثوقة، مستثمرين شهر رمضان المبارك في التبرع الواعي، مستحضرين ما في ذلك من الفضائل والأجور العظيمة، متقدين في ذلك بنبينا الكريم ــ صلى الله عليه وسلم ــ الذي كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، كما يأتي هنا دور الأسر، بامتثال الوالدين ثقافة التبرع المسؤول أمام أبنائهم، وتربيتهم على قيم التثبت والتحقق والبذل والعطاء عبر الوسائل الصحيحة الآمنة، لتكون الأسر منبعاً للخير والعطاء، تعكس ما تتميز به دولتنا من العمل الإنساني الملهم، حتى غدت دولتنا نموذجاً عالمياً في العمل الإنساني المنظم، الذي ينطلق من رؤية حكيمة، ويستند إلى قيم راسخة، ويحقق أهدافاً سامية.
وقد ضربت دولة الإمارات أروع الأمثلة في مأسسة العمل الخيري وضبط مساراته، من خلال إيجاد بيئة تشريعية وتنظيمية راقية تكفل وصول الحقوق إلى مستحقيها بكل يسر وأمان، حيث سخرت الدولة أحدث التقنيات الرقمية والمنصات الذكية المعتمدة لتكون جسراً موثوقاً يربط بين سخاء المحسنين وحاجة المعوزين، حتى امتدت جهودها الإنسانية المشرقة عبر الآفاق، لتكون بلسماً يداوي جراح المنكوبين وسنداً يغيث الملهوفين في شتى بقاع الأرض، دون تفرقة بين عرق أو لون أو دين، مجسدة بذلك أسمى قيم التسامح والعطاء، وقد تصدرت المؤشرات العالمية كأحد أكبر المانحين للمساعدات الإنمائية والإغاثية.
إن دولة الإمارات صرح شامخ للخير والعطاء، وستبقى دائماً منارة للإحسان، ومنبعاً لا ينضب للخير، بفضل تكامل الأدوار بين القيادة الحكيمة والمؤسسات الوطنية والمجتمع المتلاحم الواعي.

